
بوتين في بكين خطوة الواثق وعالم جديد يولد !!
ميخائيل عوض / لبنان
*من بكين يُعاد رسم العالم… خطوة الواثق بين أفول الإمبراطورية وولادة الشرق*
ما جرى في بكين من لقاء جمع بوتين وتشي هو واحد من أهم مشاهد التحول التاريخي الذي يشهده العالم؛ مشهد انتقال مركز الثقل من الغرب الأطلسي المتآكل إلى الشرق الصاعد الذي بدأ يعلن، بهدوء الواثق، أن زمن الهيمنة الأمريكية يقترب من نهايته.
الصورة وحدها كانت كافية لفهم ما يجري: الاستقبال، الحفاوة، الأطفال، الورود، لغة الجسد، الابتسامات، المصافحة الطويلة بين تشي وبوتين… كلها لم تكن تفصيلًا شكليًا، بل رسائل سياسية عميقة تقول إن هذا التحالف لم يعد مجرد تفاهم مصالح، بل شراكة تقود مشروعًا عالميًا جديدًا.
وهنا المقارنة الجوهرية بين مشهدين: مشهد ترامب في بكين… ومشهد بوتين في بكين.
ترامب جاء إلى الصين بعقلية التاجر والسماسرة والصفقات السريعة، محاولًا ابتزاز العالم بالتعرفة والعقوبات والضغوط والتهويل العسكري وعاد مصابًا بمتلازمة الصين.
أما بوتين، فجاء كرجل دولة يمثل قوة تعرف ماذا تريد، وتتحرك ضمن مشروع استراتيجي طويل النفس
ولهذا كانت قمة بكين تمثل إعلانًا ضمنيًا أن موسكو وبكين تنظران إلى ما بعد أمريكا، وإلى شكل العالم الذي سيتشكل فوق أنقاض النظام الأحادي.
*تحالف لا يقوم على الانفعال… بل على التخطيط الحضاري الطويل*
إن زيارة بوتين جاءت في الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة التعاون الاستراتيجي بين روسيا والصين، ما يعني أن ما يجري ليس تحالف ظرف أو رد فعل آني، بل مشروع تاريخي متدرج.
هنا يظهر الفارق بين “الدول الحضارية” وبين الإمبراطوريات المأزومة.
الصين وروسيا، وفق هذا الطرح، لا تديران العالم بالعنتريات والقرارات الانفعالية، بل بعقلية التقييم والتراكم والتخطيط البعيد المدى.
كل سنة يجتمع الطرفان، يراجعان ما تحقق، يصححان الأخطاء، يبنيان شبكات اقتصادية ومالية وعسكرية وتقنية، ويعززان استقلالهما عن المنظومة الغربية.
في المقابل، تبدو واشنطن كإمبراطورية متوحشة تدير العالم بعقلية المضارب المالي:
عقوبات،تهديدات،حروب،
نهب موارد، ومحاولات ابتزاز للحلفاء والخصوم معًا.
ولهذا فإن قمة بكين لم تكن فقط تثبيتًا لتحالف روسي–صيني، بل تثبيتًا لفكرة أن العالم لم يعد يقبل بقيادة أمريكية منفردة.
*ترامب عاد من بكين أقل صخبًا… وأكثر إدراكًا للهزيمة*
عاد ترامب من الصين وهو يحمل ما يشبه “صدمة الوقائع” تلك التي نسميتها بمتلازمة الصين عند ترامب.
الرجل الذي اعتاد لغة التهديد اكتشف أن العالم تغيّر، وأن أدوات القوة القديمة لم تعد تكفي لإخضاع القوى الصاعدة.
في السابق كانت أمريكا تدخل أي عاصمة من موقع الآمر الناهي، أما اليوم فهي تدخل مفاوضاتها من موقع الباحث عن تفاهمات تؤخر الانهيار الكبير.
ولهذا بدت لغة ترامب بعد الزيارة مختلفة: أقل عدوانية، أكثر حذرًا،وأقرب إلى محاولة شراء الوقت.
فالولايات المتحدة، وفق هذا التصور، لم تعد تملك:
الاقتصاد القادر على احتكار العالم،ولا الصناعة القادرة على سحق المنافسين،
ولا الجيوش القادرة على حسم الحروب، ولا المجتمع الداخلي المتماسك.
بل إن الحروب التي أشعلتها من أوكرانيا إلى غزة والبحر الأحمر أفقدتها شرعية أي دولة قوية وبدأت نتائجها ترتد على الاقتصاد الأمريكي نفسه، وتستنزف القوة الغربية برمتها.
ومن هنا نرى أن بكين خرجت من اللقاء أكثر اقتناعًا بأن واشنطن لم تعد قادرة على قيادة العالم، وأن لحظة الانتقال التاريخي أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
*عالم قديم ينهار… وعالم جديد يولد*
القمة الروسية–الصينية، وفق هذا التحليل، لم تتحدث فقط عن التجارة والطاقة، بل عن شكل النظام العالمي المقبل في عالم جديد يولد.
هنا يكمن جوهر الحدث: موسكو وبكين لا تتحركان كدول تبحث عن نفوذ موضعي، بل كقوتين تعتبران نفسيهما شريكتين في تأسيس عالم جديد.
عالم: متعدد الأقطاب، قائم على التوازن، يرفض احتكار القرار الدولي، ويريد كسر هيمنة الدولار والمؤسسات الغربية.
ولهذا يكرر قادة الشرق الحديث عن: العدالة الدولية، سيادة الدول، المصالح المتبادلة،
واحترام الشعوب.
بينما يتحدث الغرب الانغلوساكسوني بقيادة أمريكا – بلغة: العقوبات، الحصار، الحروب،
والابتزاز.
ومن هنا تصبح بكين أكثر من عاصمة سياسية؛ تصبح مركز ولادة مرحلة تاريخية جديدة.
*من أوكرانيا إلى غزة… الشرق يستثمر لحظة الإنهاك الأمريكي*
إن روسيا والصين تدركان أن الولايات المتحدة تعيش لحظة إنهاك تاريخي:
حرب أوكرانيا استنزفت الغرب،
وغزة كشفت عجز “إسرائيل” وأزمة المشروع الأمريكي،
البحر الأحمر هز صورة الهيمنة البحرية، والأزمات الاقتصادية تضرب أوروبا وأمريكا معًا.
ولهذا يتحرك الشرق بثقة أكبر، لأنه يرى أن الزمن يعمل لصالحه.
فكل يوم يمر: تتوسع مجموعة بريكس، تتراجع الثقة بالدولار،
تتجه الاقتصادات شرقًا، وتتآكل قدرة واشنطن على فرض الإملاءات.
وهكذا تصبح زيارة بوتين إلى بكين، لحظة رمزية شديدة الأهمية: لحظة يلتقي فيها الدب الروسي والتنين الصيني لإعلان أن الوحش الأمريكي يدخل أفوله، وأن خرائط القوة الجديدة تُرسم الآن من الشرق لا من واشنطن.
*بكين لا تعلن الحرب… بل تعلن نهاية عصر*
في الخلاصة، لا نرى أن الصين وروسيا تسعيان إلى حرب عالمية مباشرة، بل إلى إدارة انتقال تاريخي يسقط خلاله النظام الأحادي تدريجيًا تحت وطأة أزماته وحروبه وفشله الاقتصادي والأخلاقي.
ولهذا فإن أخطر ما في قمة بكين ليس ما أُعلن رسميًا، بل ما حملته من دلالات:
ثقة الشرق بنفسه، تراجع هيبة الغرب، انتقال الاقتصاد العالمي شرقًا، وولادة نظام دولي جديد لعالم جديد من قلب الفوضى الكبرى.
إنها، وفق هذا الطرح، ليست مجرد قمة سياسية…
بل صورة لعالم يغيب، وآخر يولد.
*الحرب مع إيران… ترامب بين خيارين كلاهما هزيمة وهزيمة أكبر*
رغم كل الضجيج الإعلامي والحديث عن التهدئة والاتصالات والوساطات، فإن شبح الحرب الكبرى ما زال حاضرًا فوق المنطقة.
التأجيل لا يعني أن القرار سقط، بل ربما يعني أن واشنطن ما زالت تبحث عن لحظة أقل كلفة أو عن مخرج يحفظ ماء الوجه قبل الدخول في مواجهة تعرف مسبقًا أنها ليست مضمونة النتائج.
هنا، يقف ترامب أمام خيارين كلاهما شديد المرارة:
الخيار الأول: أن يذهب إلى ضربة عسكرية واسعة ضد إيران، ظنًا أن استعراض القوة قد يعيد ترميم صورة الردع الأمريكي المتآكلة بعد غزة والبحر الأحمر وأوكرانيا.
لكن هذا الخيار يحمل في داخله احتمالات الانفجار الشامل، لأن إيران – بحسب هذا التصور – لن تتلقى الضربة ثم تذهب إلى التفاوض أو الاستسلام، بل ستتعامل معها باعتبارها حرب وجود ومعركة كسر إرادات.
عندها لن تبقى النار داخل الحدود الإيرانية، بل ستشتعل المنطقة كلها دفعة واحدة:
القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا، البوارج والأساطيل في البحار، منشآت النفط والغاز، خطوط الملاحة الدولية،مضيق هرمز بل وباب المندب.
وهنا تكمن العقدة الكبرى التي تؤرق واشنطن؛ فالعالم الرأسمالي كله قائم على تدفق الطاقة واستقرار التجارة والممرات البحرية، وأي اضطراب كبير في الخليج أو البحر الأحمر لن يضرب الشرق فقط، بل سيصيب الاقتصاد العالمي في قلبه، ويرفع أسعار الطاقة، ويهز الأسواق، ويدفع العالم إلى ركود وفوضى اقتصادية واسعة.
أما الخيار الثاني، فهو أن يتراجع ترامب عن الحرب، أو يكتفي بضربة محدودة ثم ينسحب سريعًا، محاولًا تسويق الأمر باعتباره “إنجازًا تكتيكيًا”.
لكن هذا الخيار أيضًا يحمل هزيمة استراتيجية قاسية، لأنه سيُقرأ عالميًا باعتباره اعترافًا بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على خوض الحروب الكبرى أو فرض إرادتها بالقوة كما كانت تفعل سابقًا.
وهنا تصبح واشنطن أمام مأزق تاريخي: إذا ضربت، قد تشعل حربًا لا تستطيع السيطرة على نتائجها.
وإذا تراجعت، فإن صورة الإمبراطورية المهيمنة ستتصدع أكثر أمام العالم كله.
لهذا نرى أن الإدارة الأمريكية تؤجل القرار وتحاول المناورة وشراء الوقت، لا لأنها تملك خطة واضحة، بل لأنها تدرك أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة كليًا؛ مرحلة لم تعد فيها القوة العسكرية الأمريكية كافية لحسم المعارك أو إخضاع الخصوم.
في المقابل، تبدو إيران – وفق هذا الطرح – أكثر هدوءًا وبرودة أعصاب.
هي لا تدير المعركة بعقل انفعالي أو بخطاب استعراضي، بل بعقل استراتيجي يعرف كيف يحول نقاط قوة أمريكا إلى نقاط ضعف عليها.
إيران تعرف أن واشنطن تخشى:
الحرب الطويلة، استنزاف الاقتصاد، ارتفاع أسعار النفط،
انهيار أسواق الطاقة، وتعطل الملاحة الدولية.
ولهذا فإن طهران، بحسب هذا التصور، تبني معادلة تقوم على جعل أي حرب ضدها حربًا مكلفة للعالم كله، لا معركة معزولة يمكن احتواؤها خلال أيام.
ومن هنا يصبح الحديث عن “الضربة المؤجلة” أخطر من الحرب نفسها، لأن المنطقة كلها تعيش فوق برميل بارود، وأي خطأ في الحسابات قد يفتح أبواب انفجار إقليمي واسع يعيد رسم خرائط النفوذ والطاقة والتحالفات الدولية.
وفي النهاية، حتى لو نفذت واشنطن ضربتها ثم انسحبت، فإن مجرد اضطرارها للانسحاب سيُقرأ باعتباره بداية أفول مرحلة تاريخية كاملة؛ مرحلة كانت فيها أمريكا قادرة على شن الحروب متى تريد، وفرض النتائج التي تريد.
*قنبلتا إيران النوويتان… هرمز والكابلات…كيف تهدد طهران بإغراق العالم في الظلام والفوضى الاقتصادية؟*
لا تكمن قوة إيران الحقيقية فقط في الصواريخ والطائرات المسيّرة أو في اتساع جبهات حلفائها في المنطقة، بل في امتلاكها ما يشبه “القنبلتين النوويتين غير التقليديتين” القادرتين على شل الاقتصاد العالمي وإدخال الغرب في حالة اختناق تاريخي دون الحاجة إلى إطلاق رأس نووي واحد.
القنبلة الأولى مضيق هرمز
والثانية الكابلات البحرية… الشرايين الخفية التي يقوم عليها عالم المال والإنترنت والاتصالات والتجارة.
هنا، بحسب طرحنا ، تكمن العقدة الكبرى التي تجعل واشنطن تتردد ألف مرة قبل الذهاب إلى مواجهة شاملة مع طهران.
*هرمز… شريان العالم الذي تمسك إيران بخناقه*
العالم الرأسمالي الحديث لا يعيش على الديمقراطية ولا على الشعارات، بل على النفط والغاز والطاقة والتجارة.
ومضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري عادي، بل شريان الحياة للاقتصاد العالمي.
جزء هائل من صادرات النفط والغاز العالمية يمر عبر هذا المضيق الضيق، ما يعني أن أي تعطيل للملاحة فيه سيدفع الأسواق إلى الجنون خلال ساعات: أسعار النفط ستنفجر،
البورصات ستنهار، سلاسل الإمداد ستتعطل،والتضخم سيضرب الاقتصادات الغربية المنهكة أصلًا.
ولهذا نرى أن إيران لن تلجأ إلى “إغلاق غبي” للمضيق عبر إعلان مباشر أو تفجير شامل، بل إلى “إغلاق ذكي” يقوم على جعل الملاحة خطرة ومكلفة وغير مضمونة للعدو وآمنة سلسلة للحلفاء ومن يوافق على العبور بشروط إيران الأمنية.
يكفي استهداف ناقلات،
تهديد البوارج، ضرب منشآت قريبة، أو خلق حالة رعب دائمة في خطوط الشحن.
حينها ستقف شركات التأمين العالمية عاجزة، وسترتفع كلفة النقل والطاقة إلى مستويات كارثية، حتى لو بقي المضيق مفتوحًا نظريًا.
وهنا تتحول الجغرافيا الإيرانية إلى سلاح استراتيجي أخطر من كثير من الترسانات العسكرية.
*باب المندب… خنق البحر الأحمر وإسقاط الهيمنة البحرية*
أما القنبلة الثانية المتصلة بهرمز فهي باب المندب، حيث تتقاطع المعركة مع قدرات حلفاء إيران في اليمن.
إغلاق باب المندب أو تحويله إلى منطقة اشتباك دائم يعني عمليًا: شل حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، تهديد المرور عبر قناة السويس، تعطيل جزء كبير من الملاحة العالمية،
وإجبار السفن على الدوران حول أفريقيا بتكاليف هائلة.
هنا يصبح الاقتصاد العالمي كله رهينة الحرب.
، إن أخطر ما في المشهد ليس فقط قدرة إيران أو حلفائها على الضرب، بل قدرتهم على إدارة “الاستنزاف الذكي”، أي تحويل البحر الأحمر والخليج إلى مساحات قلق دائم تستنزف الغرب ماليًا وعسكريًا ونفسيًا.
وهنا تصبح البوارج الأمريكية والحشود العسكرية البحرية نفسها عبئًا مكلفًا بدل أن تكون أداة ردع وهيمنة.
*الكابلات البحرية… القنبلة الأخطر التي لا يخشاها الجميع*
لكن أخطر أوراق إيران – وفق هذا التصور – ليست النفط ولا المضائق فقط، بل الكابلات البحرية الممتدة في قاع البحار والمحيطات.
هذه الكابلات ليست تفصيلًا تقنيًا، بل هي الجهاز العصبي للعالم الحديث: الإنترنت، التحويلات البنكية،أسواق المال،
الاتصالات، أنظمة الملاحة،
والتجارة الرقمية العالمية.
العالم اليوم لا يحكمه السلاح فقط، بل البيانات والاتصالات والتدفقات المالية.
ولهذا فإن المساس بهذه الكابلات قد يُدخل الكوكب كله في حالة شلل غير مسبوقة.
“القنبلة النووية الذكية”، أي القدرة على ضرب قلب النظام العالمي الرأسمالي دون الحاجة إلى حرب نووية تقليدية.
يكفي تخريب محدود أو تعطيل مدروس لبعض المسارات البحرية حتى يدخل العالم في:
فوضى مصرفية، انهيارات اتصالات، اضطرابات مالية،
وتعطل في شبكات التجارة العالمية.
وهنا تصبح الحرب الحديثة حرب أعصاب واقتصاد وتكنولوجيا، لا مجرد حرب جيوش وصواريخ.
*لماذا تخشى واشنطن الحرب؟*
لهذا السبب، نرى أن المشكلة الأمريكية ليست في القدرة على قصف إيران، فالولايات المتحدة قادرة على التدمير وإشعال الحرائق.
لكن السؤال الحقيقي:
هل تستطيع تحمل نتائج الحرب؟ فواشنطن تدرك أن أي مواجهة واسعة قد تعني:
انفجار أسعار الطاقة، انهيار الثقة بالأسواق، تعطيل التجارة الدولية، تهديد الاقتصاد الغربي،
وتسريع انهيار النظام العالمي الذي قادته لعقود.
أي أن ما يخيف أمريكا ليس ما فعلته إيران بل ما هي قادرة على فعله عند أي موجة تصعيد جديدة.
ومن هنا يفهم – لماذا تتردد واشنطن، ولماذا يتحدث ترامب كثيرًا عن الضربة ثم يؤجلها، ولماذا تتحرك الاتصالات والوساطات في كل الاتجاهات.
لأن القرار بالحرب لم يعد قرارًا عسكريًا فقط، بل قرار بمصير الاقتصاد العالمي كله.
*إيران لا تريد الحرب… لكنها تريد تغيير قواعدها*
في هذا التصور، إيران لا تبدو متعجلة للحرب، لكنها تريد تثبيت معادلة جديدة تقول: إذا مُنعت من الاستقرار، فلن يكون هناك استقرار لأحد.
وإذا حوصرت، فإن العالم كله سيدفع الثمن.
وهنا تكمن خطورة المرحلة؛
فالمواجهة لم تعد مجرد نزاع إقليمي بين واشنطن وطهران، بل صراع على شكل النظام العالمي القادم، وعلى من يملك القدرة على التحكم بالطاقة والممرات البحرية وشبكات الاقتصاد الدولي.
ولهذا نرى أن هرمز والكابلات وباب المندب ليست مجرد نقاط جغرافية، بل “أزرار تفجير” قادرة على تغيير العالم كله إذا انفجرت في الحرب الكبرى.
*الضفة آتية… الانفجار القادم*
في فلسطين، المشهد يتجه نحو انفجار شامل.
الضفة الغربية لم تعد قابلة للاحتواء، وكل ما تفعله حكومة الاحتلال من قتل وتهجير وتجويع وتفكيك للبنية الوطنية الفلسطينية يدفع نحو لحظة الانفجار الكبير.
الحديث هنا لا يدور عن عملية أو مواجهة محدودة، بل عن تحول استراتيجي قد يفتح أبواب المنطقة كلها على حرب طويلة.
الضفة – وفق هذا التصور – “آتية”… أي أن المواجهة الكبرى لم تبدأ بعد، وما يجري الآن ليس إلا مقدمات لزلزال سياسي وعسكري وأمني سيطال كامل الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة.
وحين تنفجر الضفة، فإن:
جنوب لبنان لن يبقى هادئًا،
وسوريا لن تبقى خارج المشهد،
والجولان وحوران والقنيطرة ستدخل الحسابات الجديدة.
*رجال الجنوب… حين تتحول الصمود إلى سلاح استراتيجي*
في خضم الحرب والتدمير، تبدو بعض العمليات الصغيرة وكأنها رسائل بحجم المعركة كلها.
طائرة مسيّرة تستهدف علمًا داخل موقع إسرائيلي.
مقاوم يشتبك وجهًا لوجه مع ضابط داخل المنطقة المحتلة.
عملية تطارد مركبة داخل مستوطنة.
قد تبدو هذه الأحداث محدودة عسكريًا، لكنها – في نظر عوض – تحمل دلالات نفسية واستراتيجية هائلة، لأنها تقول إن التفوق العسكري الإسرائيلي لم يعد قادرًا على كسر الإرادة.
حين يقاتل رجلٌ من تحت الركام، وسط النزوح والجوع والقصف، ثم يعبر خطوط النار لينفذ عملية دقيقة، فهذه ليست مجرد بطولة فردية، بل مؤشر على أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة تآكل الردع الإسرائيلي.
*لبنان… سلطة تتهاوى ووطن على حافة التفكك*
في الداخل اللبناني، لا تبدو الأزمة مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية، بل أزمة وجودية تضرب مفهوم الدولة نفسه.
البلاد تعيش: انهيارًا ماليًا،
شللًا قضائيًا،انقسامات شعبية،
ضغوطًا اجتماعية،واهتزازًا في معنى السيادة الوطنية.
وفي وقت تتعرض فيه القرى الجنوبية للتدمير، تبدو السلطة غارقة في الحسابات الضيقة والتنازلات، فيما تتزايد الضغوط الأمريكية لإعادة تشكيل لبنان وفق معادلات جديدة تبدأ من الجنوب ولا تنتهي عنده.
الأخطر – بحسب الطرح – هو تحويل الملفات القضائية والاجتماعية والطائفية إلى أدوات تفجير داخلي، بما يهدد الجيش ومؤسسات الدولة والسلم الأهلي.
وهنا يصبح لبنان أمام أخطر مراحله التي تهدده بالانهيار.
*العالم الجديد يولد من قلب النار*
ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع دول، بل مخاض تاريخي يعيد تشكيل العالم.
الإمبراطورية الأمريكية التي حكمت العالم بالقوة والمال والدولار والسلاح تدخل مرحلة التراجع.
وفي المقابل، تتقدم قوى الشرق: روسيا، الصين، إيران
مجموعة بريكس، والقوى الإقليمية الصاعدة.
العالم يتغير بسرعة الاقتصاد ينتقل شرقًا، مراكز الطاقة تتبدل، التحالفات يعاد تشكيلها،
والغرب يفقد احتكاره للتكنولوجيا والقرار والقوة.
ومن قلب الحروب والفوضى يولد عالم جديد يحمل نواة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، لا تستطيع فيه واشنطن أن تتصرف باعتبارها “شرطي العالم”.
صورة بوتين وشي في بكين ليست مجرد لقطة سياسية، بل صورة عصر يولد.
وصورة الارتباك الأمريكي ليست مجرد أزمة عابرة، بل صورة عصر ينهار.
هكذا نقرأ المشهد:
عالم قديم يتآكل تحت ثقل حروبه وأزماته وجشعه، وعالم جديد يتشكل بهدوء وثقة وصبر طويل.
ولذلك فإن السنوات القادمة – في نظرنا – لن تكون مجرد تبدل حكومات أو تحالفات، بل إعادة كتابة كاملة لخريطة القوة في العالم، حيث يغيب زمن الهيمنة الواحدة، وتولد خرائط القرن الجديد من بكين وموسكو ومن ميادين المقاومة والحروب الكبرى.
🖋 ميخائيل عوض