
متى يبكي الرّجال ؟
حين يضيق صدرهُ بما اتّسع للعالم
حين يصبح الجبل الّذي احتمى بهِ الجميع
حفنة تعبٍ تبحث عن كتفٍ
يبكي الرّجل
عندما يكتشف أنَّ القوّة الّتي صفّقوا لها طويلًا
كانتْ قيدًا من ذهبٍ
وأنهم أحبُّوا فيهِ صلابتهُ
أكثرَ من قلبهِ
يبكي حين يعود آخرَ اللّيل
يخلع عن روحهِ درعَ النّهار
ويجلس أمام صمتهِ
كغريبٍ يحدّق في ملامحهِ لأوّل مرّةٍ .
يرى ذلكَ الطّفل
الّذي أُجبرَ مبكّرًا
أن يكبر قبل أوانه
أن يبتلع خوفهُ
وأن يسمّي وجعهُ : رجولةً
يبكي حين يرى أُمّهُ
تخفي ألمها خلف الدّعاء
وحين يرى أباهُ يشيخ أمام عينيهِ
فيكتشف أنَّ الأبطال أيضًا
تأكلهم الحياةُ بصمتٍ
يبكي حين يعجز
والعجز عند الرّجل
حربٌ كاملةٌ
بين قلبهِ وكبريائهِ
يبكي حين يحبُّ
لأنَّ الحبَّ
ينزع عنهُ بزّتهُ الحربيّة
ويعيدهُ إنسانًا هشًّا
تربكهُ كلمةٌ
وتهزمهُ غيبةٌ
ويسقطهُ احتمال الفقد
الرّجل لا يبكي بسهولةٍ
هو يؤجّل دموعهُ
كما يؤجّلُ المرضى اعترافهم بالألم
يخبّئُ انكسارهُ
في جيب الصّبر
ويبتسم
كي لا يربك العالم بصورةِ البطل المتصدّع
فإذا بكى الرّجل
لا تسأليهِ عن السّبب
اسألي عن عدد الحروب
الّتي خاضها وحده
عن الخيبات الّتي ابتلعها
كي يبقى واقفًا
عن اللّيالي الّتي نام فيها
حارسًا للجميع
ونسيَ من يحرسُ قلبهُ
الرّجل حين يبكي
لا تسقط دموعهُ من عينيهِ فقط
يسقط معهُ
عمرٌ كاملٌ
من التّحمّل !