كتاب وشعراء

حفلة الصمت الأخيرة…محمد الطايع / المغرب

قصة قصيرة

باختياري، بكل جوارحي، أعود على صهوة الفلاش باك، إلى سينما الأندلس، فأشتم رائحة الأمس المسكرة، تتسلل إلي عبر ذاكرتي، محملة بطعم البن ونكهة دخان الكيف، ومرارة الخمور الرخيصة، التي كان يعاقرها فقراء العاشقين. هذه المرة أنا جد حريص أن أحيط وجه عازفة البيانو الشقراء، بنظراتي المتفحصة مثل إطار زخارفه أكثر تعقيدا من اللوحة نفسها. مستعينا بملامح وجهها التي تحاكي رقة قسمات وجوه الفاسيات الأندلسيات، وكشاف هالتها العابرة للأحلام، عساني أستوعب غرابة اشتهائي لوجوه نساء فرانثيسكو دي غويا الشاردات.
في قبوها الذي خيل لي مرارا أنه محفور تحت صالة العرض، وأن شرف النزول إليه، يشترط قدرا من الشجاعة لم أكن أمتلكه. رأيت صفا من التماثيل ذات الوجوه الغامضة، تدلني على مكان جلوسها، وقد بدت لي رغم صمتها المطبق، مأخوذة بخفة أصابع العازفة وهي تنقر على مفاتيح البيانو الكبير. هكذا وجدتها مثلما لاحقتني هي مرات عديدة، في أماكن لا رابط بينها إلا شوق غير مبرر، وذكرى وجوه وأماكن، لا أعرف أيها يكون سببا في استحضار الثاني، الوقائع تستدعي الوجوه، أم العكس.
هذه المرة وسوست لي بقية من عاطفة بريئة، أن أحذرها من الخطر المتربص بها، لكنني خفت أن أشوه جمال الماضي، ذلك الذي يُحكى أنه كان جميلا، رغم ما فيه من قتل وخيانات.
من ورائها بكامل غموضه، أتم طقوسه الشيطانية، مجنون يحتقر النساء، ويعتبرهن أدنى مكانة من الصراصير. ولأني أعرف النهاية، بقدر معرفتي بحقيقة الجاني، والكاتب الذي حرضه، والمخرج الذي هيأ الظروف لجريمة راهن أنها كاملة، خجلت من فكرة تشبهي بشيطان أخرس، فقررت أن أصرخ ملء صوتي:
_ احذري.
كأي عاشق ولهان، لا يشبه المجانين ولا المنحرفين الذين كنت أعرفهم، أتاها الشبح الأنيق من دُبر، فطفق يتشممها مثل زجاجة عطر فاخر، وبأصابع دنجوان شديدة المرونة، يلمس ذراعيها صعودا إلى كتفيها، كما لو كان فنانا يتحسس موضع لمسته الأخيرة. من غير حذر، استسلمت الأنثى الحالمة لهواء أنفاسه الساخنة، ظنا منها أنها تحظى بمداعبات حبيب سابق، أعادته سطوة الموسيقى من ضباب غيابه.
لوهلة خيل إلي أنها التقطت إشارتي المتهورة، وذلك عندما التفت نحوي بعينيها الناعستين، لكنها صدمت نباهتي، تعابير وجهها تقول أنها راضية، رضاء من وجد مصيره المثالي، تجسده مسحة فخر بغيضة، تترجم تجاوبها المقيت مع جسم دخيل يخترق أحشاءها بقسوة، ويحقق لها روعة الجمع بين أعتى مشاعر اللذة والألم في آن واحد.
حين امتلأ رأسي بهذه الأفكار المرهقة، فقدت كل تعاطف معها، وودت لو أنني أنا القاتل.
بما يشبه ابتسامة الموناليزا وغمزة سميرة توفيق، أوحت لي أن فهمي قاصر عن إدراك حقيقة ما يدور أمام عيني، هناك عرفت لماذا توجب على شخص غبي مثلي أن ينتظر سنوات طويلة، يراهن خلالها على حمق التعلق بأكبر عدد من البشر الضحايا، أشباه الحملان الصامتة، فأدرك قبل فوات الأوان بقليل: أن جمال المخلوقات أو قبحها شيء، ومفاهيم الحب والفضيلة والعنف والخداع شيء آخر.
ما يربكني وأفتقده، هي تلك الموهبة الخارقة التي تميز هذا السفاح العبقري، مهما اختلفت الصيغ والمؤثرات، مرة يذبحها فوق سرير المضاجعة مثل عنزة، ومرة يلقي بها عارية من شرفة الفندق إلى الشارع، ومرة يوزع طعنات سكينه على تفاصيل جسمها النحيل الشهي، فأستلذ رؤية الدم يفرض لونه القاني على الماء الساخن، ساخرا ممن يزعمون أن الماء بريء تماما، أنا الذي شاهدته يغرقها في حوض الاستحمام أكثر من مرة، واليوم زال شكي القديم، وأيقنت أن أسباب الحياة تتقاسم حمل وزر تطبيعها مع الموت.
هذه المرة، اقتلع فنان القتل خيطا معدنيا من قلب آلة البيانو. لفه على جيدها الناعم، فشعرت ببرودة السلك المعدني على قفاي، حتى كادت تسقطني من مكاني قشعريرة الخوف. لكنني لما أدركت فداحة الألفة بين القربان والراهب، تخلص قلبي من مخاوفه، فتدفق الدم إلى عروق شريكي في جرائم الاشتهاء، ثم كان المشهد الأخير:
تجحض عيناها، فأقر أني مساهم فعلي، على الأقل في جريمة من هذا النوع، وذاك أني اعتبرت موتها حدثا جميلا، وبدل أن أستنكر الواقعة، استمتعت عيناي بمرأى تفاحتيها الشهيتين، قبل أن أعود إلى الشارع أكثر تصالحا مع نفسي، مع نفسي فقط، كلما هممت أن أتهم غيري بالجبن، صفعني صمتي اللعين.

محمد الطايع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى