تقارير وتحقيقات

الكونغرس وترمب في المسموح والمحظور من الحديث “النووي”

كتب:هاني الكنيسي
وبينما يحبس العالم أنفاسه (كليشيه صحفي بامتياز) انتظارًا للرد الإيراني على اتفاق “الصفحة الواحدة” الذي يزعم موقع ‘أكسيوس’ أن ترمب أمهل طهران 48 ساعة للموافقة عليه و”إلا سيبدأ القصف مجددًا”، والذي تشير التسريبات أن وقف تخصيب اليورانيوم وإلغاء البرنامج النووي في مقدمة بنوده، نشرت صحيفة ‘واشنطن بوست’ رسالة وُقّع عليها نحو 30 نائبًا في مجلس النواب الأمريكي، تطالب إدارة الرئيس البرتقالي بكسر “الصمت التاريخي” حول الترسانة النووية الإسرائيلية المُصنَّفة منذ عقود ضمن “التابوهات” (المحرّمات) الكبرى.
وبحسب تقرير الصحيفة الأمريكية المرموقة، فإن الدعوة التي قادها النائب الديمقراطي ‘خواكين كاسترو’ Joaquin Castro، ووقّع عليها نواب وُصفوا بأنهم ينتمون إلى “الجناح التقدمي” داخل الحزب، تطالب واشنطن بالتخلي عن سياسة “الغموض النووي” تجاه إسرائيل.
وبعيدًا عن الدوافع السياسية للتحرك، وعن التجاهل “المتوقّع” من البيت الأبيض، فإن “توقيت” الحدث له دلالاته وارتباطاته بالصورة الأكبر للحرب على إيران.
الملف “الحساس” لم يكن غائبا بالكلية عن أروقة الكونغرس عبر أصوات محدودة مثل النائب الديمقراطي ‘دينيس كوسينيش’ Kucinich والنائب الجمهوري ‘رون بول’، اللذين انتقدا “ازدواجية المعايير” في التعامل مع برامج إيران النووية مقابل الصمت عن أسلحة إسرائيل النووية. لكن محاولات تحريكه إلى ما هو أبعد من “طق الحنك الإعلامي” تحطمت على صخرة نفوذ “اللوبيات” الداعمة للكيان في الكونغرس وخارجه.
وتعود جذور الموقف الأمريكي في هذا الصدد إلى تفاهم “غير معلن” بين الرئيس الأسبق ‘ريتشارد نيكسون’ ورئيسة الوزراء الإسرائيلية ‘غولدا مائير ‘عام 1969، تحت عنوان “لا تسأل ولا تُجب” .. أو ما يُعرف دبلوماسيًا وإعلاميًا بأسلوب “الغموض النووي” Nuclear Ambiguity، الذي يتيح لإسرائيل امتلاك قدرة “ردع” غير معلنة، دون إعلان رسمي قد يترتب عليه خضوع لرقابة دولية تفرضها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
ووفقًا للقليل من المعلومات الموثقة المتاحة، فإن البدايات التقنية للبرنامج النووي الإسرائيلي كانت في خمسينيات القرن الماضي، في سياق تعاون “علمي” مع فرنسا التي تولّت بناء مفاعل ديمونا في صحراء النقب. وبمرور الوقت، طوّرت إسرائيل قدرات متقدمة في إنتاج البلوتونيوم وتصميم الرؤوس النووية. إلا أن التطور الحقيقي لترسانتها “النووية” حدث في السبعينيات والثمانينيات، نتيجة تعاون “سري” مع نظام الفصل العنصري (الـ”أبارتايد”Apartheid) في جنوب أفريقيا، شمل تبادل الموارد والخبرات في مجالات عسكرية متقدمة. إذ وفّرت بريتوريا اليورانيوم والتمويل، بينما قدّمت إسرائيل خبرات هندسية وتقنيات صاروخية، في علاقة وُصفت بأنها “تحالف بين دولتين منبوذتين”.
وتتضمن إحدى الوثائق التي رُفعت عنها السرية عقب زوال نظام التمييز العنصري، محضر اجتماع عام 1975 بين وزير دفاع جنوب أفريقيا آنذاك ونظيره الإسرائيلي، يتطرق إلى تصنيع صواريخ “بقدرات مختلفة”، وهو ما ربطه الخبراء العسكريون بمشروع صواريخ “أريحا” القادرة على حمل رؤوس نووية. بينما ترد في إحدى الدراسات المنشورة بجريدة Sunday Times South Africa التي تقارن بين تجربة جنوب أفريقيا النووية التي انتهت بتفكيك ترسانتها والحالة الإسرائيلية، عبارة كاشفة: “اختارت جنوب أفريقيا الشفافية والتفكيك، واختارت إسرائيل الغموض والاستمرار”.
والحقيقة أن الجدل الغربي حول البرنامج النووي الإسرائيلي خرج إلى العلن عام 1986 عندما سرّب الفني الإسرائيلي ‘مردخاي فعنونو’ معلومات وصورًا من داخل منشأة ديمونا النووية.
وهي التسريبات التي استندت إليها صحيفة ‘ صنداي تايمز’ البريطانية في نشر تحقيق استقصائي هزّ دوائر السياسة والإعلام الدولية آنذاك، أكد أن إسرائيل تمتلك برنامجًا نوويًا متقدمًا، وقدرات إنتاجية تفوق ما كان يُعتقد سابقًا، وخلص إلى أن ديمونا ليس منشأة بحثية -كما تروّج تل آبيب رسميًا- بل جزء من منظومة تسليح نووي متكاملة.
وبعدها ببضع سنوات، عزز الصحفي الاستقصائي ‘سيمور هيرش’ هذه السردية في كتابه “خيار شمشون” The Samson Option عام 1991، مؤكدًا أن إسرائيل طوّرت برنامجًا نوويًا واسع النطاق بمساعدة فرنسية، وأصبحت “قوة نووية فعلية في الشرق الأوسط”.
وخلال الفترة ذاتها، ظهرت إشارات “غير مباشرة” لهذه القوة على لسان قادة إسرائيليين. ففي كتاب مذكراته “شرق أوسط جديد” المنشور عام 1993، ذكر رئيس الوزراء الأسبق ‘شمعون بيريز’ (الذي يُعد مهندس البرنامج النووي)، أن إسرائيل سعت إلى “خلق خيار استراتيجي يضمن بقاءها في بيئة معادية”، دون أن يذكر السلاح النووي صراحة، لكن السياق كان واضحًا للقراء والمحللين.
بينما قدّم الأكاديمي اليهودي والمؤرخ المعروف ‘أفنر كوهين’ Avner Cohen في كتابه “إسرائيل والقنبلة”Israel and the Bomb ، الصادر عام 1998، توصيفًا دقيقًا لفلسفة الغموض النووي، معتبرًا أن: “الغموض لم يكن غيابًا للسياسة، بل كان سياسة بحد ذاته – اتفاقًا ضمنيًا بين إسرائيل والولايات المتحدة على عدم الاعتراف مقابل عدم الإحراج”.
أما أكثر الاعترافات “الرسمية” فجاجةً، فكان ما ورد في مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق ‘جيمي كارتر’ في كتابه الجريء Palestine: Peace Not Apartheid، الذي نُشر عام 2006، وفيه قدّر صراحةً أن “إسرائيل تمتلك على الأقل 150 سلاحًا نوويًا”. وهو التصريح الذي أثار انتقادات من التيار الصهيوني وغضبًا واسعًا في الأوساط السياسية الأمريكية، لأنه “كسر تقليدًا طويلًا” في التعاطي مع “شائعات” الترسانة النووية الإسرائيلية.
المهم خلينا في البرنامج النووي الإيراني ومهلة ترمب الجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى