
في القاهرة
امرأةٌ تبيعُ الوردَ قربَ دبابة
وتضحكُ
كأنَّ الهزيمةَ نكتةٌ قديمة يرددها الجنودُ في الحاناتْ
وفي بغداد
كان النهرُ يجرُّ أمعاءهُ
مثلَ كلبٍ عجوز أكلتْه الحروبُ ولم يشبعْ
أما بيروت
فكانتْ تضعُ عطراً فرنسياً
على خاصرةِ الخراب
وتخرجُ كلَّ مساء لتغازلَ قنّاصاً مجهولاً في الطابقِ السابعْ
ودمشق
كانتْ تخلعُ ثوبَ الياسمين
ببطءٍ
أمام مرآةِ التاريخ
ثم تبكي
كعاهرةٍ هرمة نسيَ الجنودُ اسمَها بعدَ آخرِ انقلابْ
واليمنْ
يا الله على اليمنْ
بلادٌ كلما فتحتْ نافذةً دخلتْ منها مجاعة
وكلما أضاءتْ شمعةً
جاءتْ طائرةٌ لتطفئَها بأنيابِها المعدنيةْ
لهذا
تبدو أوطانُنا كالعاهراتِ الحزيناتْ
تضعُ المساحيقَ
فوقَ الكدماتْ وتضحكُ للغرباءِ
بينما تبكي في الحمّامْ
تفتحُ ساقيها للغزاةِ
ثم تصرخُ في وجوهِ الفقراءِ عن الشرفِ والقوميةْ
يا صديقي
نحنُ أبناءُ هذهِ الأرصفةِ
التي تنامُ مخمورةً على أغاني عبد الحليم
وتستيقظُ على البلاغِ العسكريِّ رقمَ ألفْ
نحنُ الذينَ
كلما أحببنا امرأةً أخذتها الحدودْ
وكلما كتبنا قصيدةً سرقتها المخابراتْ
أتعرفُ ما معنى أن تكونَ عربياً؟
أن تدخلَ المقهى
وفي جيبكَ قصيدةُ حبٍّ
وفي الجيبِ الآخر بطاقةُ تموينْ
أن تنظرَ إلى حبيبَتكَ
كما ينظرُ لاجئٌ إلى آخرِ زورقٍ في البحرْ
أن تشتهي امرأةً
كما تشتهي الأوطانُ دقيقةَ سلامْ
القاهرةُ
تضعُ أحمرَ شفاهٍ صارخاً
ثم تذهبُ إلى سريرِ الفقرْ
وبغدادُ
ترفعُ ساقيها للموتِ الأمريكيِّ ثم تدخنُ وحيدةً في الحمّامْ
بيروتُ
راقصةٌ معتوهة
ترقصُ فوقَ الميناءِ بكعبٍ عالٍ وقدمٍ مبتورةْ
ودمشقُ
امرأةٌ شرقية تعرفُ ألفَ طريقةٍ للبكاءِ
لكنها
تجهلُ كيف تنجوْ
أما اليمن
فكان يجرُّ الليلَ خلفهُ كعبدٍ أفريقيٍّ قديم ويغني
رغم الجوعِ
رغم القصفِ
رغم الخرابِ
كأنَّ الغناءَ نوعٌ أخيرٌ من الكرامةْ
يا صديقي
لا تصدقْ أحداً
كلُّ هذا الوطنِ العربيِّ مجردُ سريرٍ ضخم
تتناوبُ عليهِ
الأنظمةُ
والجنرالاتُ
واللصوصُ
والأنبياءُ الكذبةْ
ونحن؟
نحنُ الملاءةُ المتسخةْ
كم مرةً
بعنا أوطاننا مقابلَ خطابٍ حماسيٍّ وسيجارةٍ
وصورةِ زعيمْ؟
كم مرةً
نمنا جائعين
لكننا صفقنا بحماسةٍ لخطبِ النصرِ العظيمْ؟
يا الله
ما أكثرَ الأعلامْ
وما أقلَّ البلادْ
وما أكثرَ القصائدْ
وما أقلَّ الحريةْ
نحنُ أمةٌ
تنامُ في الشعرْ وتستيقظُ في المقابرْ
كلُّ شيءٍ هنا مؤقتٌ
إلا الخوفْ
وكلُّ شيءٍ قابلٌ للنسيانْ إلا صفعةُ الشرطيْ
حتى الحبُّ
صار يحتاجُ إلى موافقةٍ أمنيةْ
يا صديقي
دعنا نمشِ قليلاً تحتَ هذا القمرِ العربيِّ المكسورْ
كعظمةٍ قديمة في فمِ كلبٍ جائعْ
دعنا نسخرْ
من الخرائطِ التي تشبهُ أكفاناً ملوّنة
ومن الزعماءِ
الذينَ يطلّون علينا
بوجوهٍ لامعة
وصدورٍ مليئةٍ بالمقابرْ
لقد تعبنا
من الأناشيدِ التي تُشبهُ صفاراتِ الإنذارْ
ومن المدارسِ
التي تخرّجُ جيلاً كاملاً يحفظُ أسماءَ المعاركِ
ولا يعرفُ كيف يحبْ
تعبنا
من وطنٍ كلما فتحنا نافذةً فيه دخلَ منها مخبرٌ
أو جنازةْ
يا صديقي
هذهِ الأمةُ لا تموتُ دفعةً واحدةْ
إنها تتعفنُ ببطءْ كجثةِ حصانٍ تُركتْ في شمسِ التاريخْ
انظرْ إلينا
نجرُّ حضارةً عمرها آلافُ السنين
مثلَ متسوّلٍ عجوز يسحبُ عربةَ خردةْ
صرنا نخافُ
حتى من أحلامنا
لأنَّ الحلمَ هنا قد يكلّفُ صاحبهُ
رصاصةً
أو منفًى
أو قبراً بلا اسمْ
هل تعرفُ ما هو الجحيم؟
ليس النارْ
الجحيمُ
أن تستيقظَ كلَّ صباح في وطنٍ يطلبُ منك أن تموتَ لأجلهِ
لكنهُ
لا يمنحكَ سبباً واحداً للحياةْ
وأن ترى أمَّاً عربيةً
تخبزُ لأولادها الخبزَ والدموعْ
ثم تسمعُ خطيباً سميناً
يقولُ لها:
الوطنُ بخيرْ
أيُّ وطنٍ هذا؟
وطنٌ كلما جاعَ فيه طفلٌ ازدادَ وزنُ الحاكمْ
وطنٌ
تُقاسُ فيه الكرامةُ بعددِ صورِ الرئيسْ
وطنٌ
إذا قلتَ فيه الحقيقةَ
يُنظرُ إليكَ كأنكَ خلعتَ سروالكَ في جنازةْ
يا صديقي
نحنُ لا نسكنُ أوطاناً
نحنُ نسكنُ كوابيسَ جماعيةْ
ولهذا
كلما ماتَ شاعرٌ عربيّ
خفَّ عددُ الشهودْ
وكلما انطفأتْ مدينة أضاءتْ نشرةُ الأخبارْ
ونحن في النهاية
لن يبقى منّا
لا النفطُ
ولا الخطبُ
ولا الراياتْ
سيبقى فقط هذا الإنسانُ العربيُّ الجالسُ عند حافةِ الليلْ
ينظرُ إلى السماءِ
بعينينِ محترقتينْ كأنهُ ينتظرُ
من اللهِ
اعتذاراً عن هذهِ المزحةِ الثقيلة التي اسمُها
الوطنُ العربيّْ
ويفكرُ للمرةِ الأخيرةْ:
كيفَ استطاعتْ
أمةٌ اخترعتْ الأبجديةَ
أن تعجزَ
عن كتابةِ كلمةِ حريةْ؟ عرض أقل