كتاب وشعراء

رائحة الطين …زكريا شيخ أحمد / سوريا

يدي في العجين منذ الفجر الأول
الماء في كفي يصير طيناً
الطين في كفي يصير خبزاً
الخبز في كفي يصير بلاداً.

أنا أخبز للعالم كل يوم
أضع القمح على الطاولة
أعدّ الأصابع التي كسرتها الحرب
أرجعها للرغيف حبة حبة
كي يأكل الجائع و يده كاملة.

النار تحفظ اسمي
الدخان يحفظ وجهي
التنور يحفظ ظهري
المحني فوق الأرغفة
التي تحمل خرائط نجت من الحرق.

الأرغفة تخرج ساخنة
تتنفس على الرصيف
تنتظر فماً يعرف طعم القمح عندما يكون قمحاً.

العالم يمر ، يحمل أكياساً
تلمع مليئة بالفتات المصنوع من ورق
عليه صورة لرغيف يبتسم.

العالم يأكل المعلبات
يمضغ التاريخ المطحون المعاد تدويره
في مصانع باردة
و يسمي الشبع سلاماً.

أنا أبقى وجهي أبيض من الطحين
قلبي أسود من الدخان
و أصابعي تحصي الغائبين على شكل فقاعات
تظهر في العجين كلما تذكرت اسماً .

الأطفال يولدون في يدي
أضع في فم كل طفل لقمة دافئة من جهة القلب
فيكبر الطفل و في فمه
طعم بيت لم يسكنه.

الأمهات تأتي
تأخذ الخبز
تخفيه تحت الثوب فوق القلب
كي يظل ساخناً
عندما تصل إلى الخيمة
و تقسمه على النوم و الجوع و الخوف.

أنا أخبز العالم و العالم يأكل المعلبات
و الفرن يكبر ، يصير قبراً ، يتسع لكل الأرغفة
التي لم يأكلها أحد
و تصير الأرغفة شواهد بيضاء تقول للمارة
هنا كان جوع أكبر من الخبز.

في آخر الليل… أطفئ النار ، أجمع الرماد
أضعه في كيس و أعلقه على بابي
فيظن العابر أنني مت
و أن هذا كيس طحين.

أنا حي و العجين حي و الجوع حي
و القمح يطلع من بين أصابعي
كلما غرسته في التراب بحثاً عن سبب
كي أخبز غداً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى