
أربع محطات لجمرة واحدة: تعريفها، اشتعالها، خفوتها ، رمادها الذي يكتب
أنا الجمرة
————-
أنا الجمرة
سقطتُ من موقد العالم سهواً
فما أطفأني أحد و ما حملني أحد.
تركوني على بلاط بارد
أحسبُ أنفاسي بالشرار.
أنا الجمرة التي تحفظ شكل الحريق،
لكنها نسيت دفء النار.
أنا الذاكرة الحمراء لبيتٍ احترق،
و بقيتُ وحدي شاهدةً على الرماد.
ألمسُ الأشياء فأترك فيها سواداً
ألمسُ يدي فأحرقني.
كلما اقتربَ مني أحدٌ بدعوى الدفء
صرختُ: ابتعد، أنا لا أدفئ
أنا أُعلِّم الجلد معنى الاحتراق.
قالوا: انطفئي لترتاحي.
كيف تنطفئ جمرةٌ وظيفتها أن تتذكر النار؟
إن خمدتُ…
من سيشهد أن الحريق كان حقيقياً؟
أنا الجمرة.
لا رماد لي بعد و لا حطب لي بعد
معلّقةٌ بين موتتين
موت اللهب و موت الصقيع.
فإن مررتَ بي غطّني بطرف معطفك
لن أدفئك، لكنك ستحمل رائحة الحريق معك
و هذا يكفي كي لا ينسى العالم
أن شيئاً ما كان هنا
و احترق.
قيامة الطين
—————
أنا مُدَجَّجٌ بالخسارات
أمشي و صدري متحفٌ للمعارك التي خسرتها واقفاً.
كل ندبة فيّ توقيعٌ على معاهدة استسلام لم أوقّعها،
فرضها عليّ عالمٌ يظنّ الصمت قوة.
أحببتُ الهاوية أكثر من الجسر
الهاوية صادقة
تقول لك: اقفز، ستنتهي
الجسر يعدك بالعبور و يسقط بك في المنتصف.
أنا متخمٌ بالغياب
غابوا جميعاً و تركوا كراسيهم في قلبي
و صار قلبي مقهى مهجوراً
تطنُّ فيه الذكريات مثل ذبابٍ على جثة.
تريد الدهشة؟
ها هي
أنا أبتسم في العزاء ،
أصفق للجنازات ،
أهنئ الموتى على شجاعتهم.
الموت أنهى مهمته بضربة واحدة
أنا أُذبحُ كل فجرٍ بسكين اسمها يوم جديد .
قالوا: اكتب لتولد من جديد.
الكتابة مشرحة
أنا أشرّح وجعي أُسمّي أعضاءه
أُعلّق صورته على جدار اللغة
كي يشهد العالم أنني كنتُ هنا
ممتلئاً بالخراب
مضيئاً كمدينة قصفتها الطائرات.
كنتُ أظن الحزن مرحلة
اكتشفتُ أن الحزن وطن
أنا مواطنٌ فيه …أحمل جوازه..
أُختم على قلبي كلما عبرتُ من فرحٍ عابر.
أريد الانفجار
أريد أن أكون صرخةً لها يدان
تهدم هذا السكون الذي يقتلني بالتقسيط.
كل هدوءٍ حولي تهمة.
كل “أنت بخير” صفعة.
أنا موجودٌ رغماً عني.
أتنفس كواجبٍ ثقيل، أضحك كموظفٍ في جنازة،
أعيش كتمثالٍ سئم الوقوف
ينتظر زلزالاً يعيده طيناً.
هذا هو أنا
جمرةٌ تمشي
جمرةٌ تكتب
جمرةٌ تسألك:
هل شعرتَ بالدفء؟
كنتُ أعرف
————-
كنتُ أعرف.
الدفء كذبةٌ يروّجها البرد كي نشتاق.
أنا أوقد نفسي كل ليلة،
أحترق كي أضيء غرفةً فارغة
و أستيقظ رماداً يسأل: هل رأى أحدٌ ناري؟
الصمت هو الإجابة التي تشبهني
الصمت هو الوحيد الذي يفهم،
يضع يده على كتفي،
يجلس معي دون أسئلة، دون مواعظ،
دون وعودٍ بالشفاء.
أنا متصالحٌ مع العتمة
العتمة حضنٌ قديم…تعرف كل كسوري،
تحفظ شكل وجهي حين ينطفئ.
النور غريبٌ، يفضح ، يكشف الغبارَ فوق الطاولة
و الشقوقَ في الجدار
و الشقوقَ فيّ.
سأكمل المشي
حافياً على زجاج الأيام،
أعدّ الخطوات التي تؤلم ،
أسميها انتصارات.
كل خطوةٍ داميةٍ إثباتٌ أنني ما زلتُ أملك قدمين،
ما زلتُ أملك قرار الألم.
إن كنتَ تسمع هذا
اعلم أني أتكلم من قاع بئر، ألوّح للسماء،
أنتظر صدىً يعود.
الصمت عاد.
الصمت يكفي.
ما تبقّى من الكلام
———————-
أنا ممتلئٌ بالفراغ.
فراغٌ له وزن، له صوت ،
له أسنانٌ تقضم أضلاعي كلما تنفست.
أمشي في الشوارع كأنني رسالةٌ ضائعة،
بلا عنوان، بلا طابع بريد،
يحملني ساعي بريدٍ أعمى
و يلقي بي في كل صندوقٍ خطأ.
أنا تعبٌ من تفسير الماء للماء.
تعبٌ من شرح الحريق للنار.
تعبٌ من كوني شاهداً على موتي اليومي
و أنا أوقّع حضوراً في دفتر الأحياء.
تريد أكثر؟
ها:
أنا أغلق الباب على نفسي
و أجلس مع أشباحي، نشرب كأساً
نتحدث عن الذين خذلونا،
نضحك، نبكي ثم نصمت
لأن الصمت هو اللغة الوحيدة التي نتقنها جميعاً.
أنا لستُ قصيدة.
أنا المحاولة الفاشلة لكتابتها.
أنا الحبر الذي جفّ في منتصف السطر،
و ترك الكلمة عارية، ترتجف.
سأظل أكتب…
حتى يصبح الورق مرآة
و يرى وجهي الحقيقي و يخاف
و يمزّق نفسه.
• نصوص كتبتها لنفسي