
اختفت في السنوات الاخيرة تهم مثل العمالة والخيانة والامبريالية والهيمنة بعد تطبيعها، وحلت مكانها تهم جديدة مثل ذيول، تمويل، أجندات، ذباب الكتروني، تبعية، بل حتى لجأ البعض الى قاموس علم النفس في التشخيص عن بعد من غير المعارات الاخلاقية الصبيانية مما يثبت ان الانحطاط اللغوي هو في الجوهر انعكاس للانحطام السياسي وانهيار أخلاقيات التخاصم التي تتطلب مناقشة النص وليس الشخص في هروب العاجز عن مواجهة فكرية ثقافية نظيفة.
مناقشة النص تتطلب كفاءة ونزاهة وثقافة ومعرفة لكن مناقشة الشخص لا تتطلب ذلك وسهلة. هذا لا يعني تغيراً في الصراعات السياسية الخفية والعلنية بل تغير لغة الصراع وابتذال الخطاب السياسي الذي كان فارغاً وشعاراتياً وشعبوياً في القرن الماضي لكنه في الأقل كان يحافظ على بعض مظاهر اخلاق التخاصم والاختلاف ولو بشكل ضيق ونسبي ومحدود وفي مساحة محددة رغم ان الاحزاب ” الثورية” لجأت كثيراً الى لغة سوقية يخجل منها حثالات الحانات الرخيصة.
في الماضي رغم كل المساوئ المعروفة كانت هناك أعرافا بين المتخاصمين وكان الجميع لا يقترب من الخلافات الطائفية والعرقية والمذهبية لأن هذه لا تحل في حوارات مستعجلة بل في مناخ سياسي هادئ وعادل يحترم الاختلاف.
لكن اليوم تحولت الخلافات الى حرب ابادة لغوية وسحق وكل شيء مباح.
انتقال مروع من نقد الافكار الى نقد الاشخاص والجماعات والطوائف او ثقافة الالغاء والمحو ولم يعد النقاش تكذيب فكرة او اطروحة بل صارت معركة وجودية شعارها النصر او الموت حتى لو كان الخلاف على تفاصيل هامشية.
كانت الخصومة قديماً تقف عند حدود الحياة الشخصية والعائلية كنوع من التعفف والسمو واحترام الذات لكنها انتقلت علي يد ” اللاجئين الى الكتابة” الى ساحة مهاترات واختزال الخصوم في مواقف كما لو ان الجميع عاشوا في مجتمع مثالي تنعدم فيه الأخطاء الإنسانية مع ان ظروف تلك المجتمعات المعقدة والقهرية وشبكة العلاقات القاسية تسمح بخلق” مناخ الخطأ” ولا تتساهل مع المواقف السوية . كيف يخرج بلا بقع انسان وجد نفسه في نفق للفحم او مستنقع وحل؟.
لعبت الأحزاب الشمولية دورا في تشويه اللغة كما في تشويه الواقع والحياة وخلقت فكرة المنتصر والمهزوم في الحوار وبعضها يملك مكتب تشهير متخصص بهذه الرذائل يعرفه جيدا المشتغلون في السياسة منذ القرن الماضي .
بعد انهيار الشكل الدكتاتوري للسلطة، زحفت مخلوقات الانفاق النفسية المختفية من الخوف والذعر ونزعت اقنعتها وصارت تتكلم لأول مرة باللغة السرية علناً، لغة الوصم والمحو والسحق والابادة كما لو اننا امام انفجار بالوعة صرف صحي لغوية كانت مكبوسة بالقوة والخوف والاقنعة وتتدفق الاحقاد المكبوتة حتى يلوح للبعض ان النظام القديم كان ” حارساً للأخلاق” مع انه السبب الرئيس في تعفن الانسان وتعفن اللغة وتعفن الحياة.
كان مقص الرقيب في النظم الدكتاتورية يعمل كحارس لأمن السلطة، لكن بعد الانهيار يجد الناس انفسهم امام فضاء اعلامي خارج السيطرة وتتحول لغة الحانات الرخيصة والمقاهي والشوارع الى لغة كتابة وانتقلت المعرفة الى الحشود وتسطيح الفكر واللغة وتشظي معايير اللغة الثقافية المهذبة وفي هذا التشابك تنعدم المسافات بين أهل الفكر والمعرفة وبين أهل السحق والتجريم والابادة، بين من يشعل ضوءاً في العتمة وبين من ينشر الظلام، بين المثقف وبين البلطجي، وفي صراع الكلمات يفوز البلطجي صاحب الصوت المرتفع والخليع لأن المثقف مقيد بالحقيقة وأخلاق الحوار والصوت الهادئ.
وتلك علامة على سقوط أعمق في معيار الكفاءة والاحترام لصالح الضجيج وفقدان الجمهور فرصة الانصات الهادئ.
رغم ان البعض عاش في دول ديمقراطية عشرات السنوات كلاجئ لكنه عند الاختلاف يعود الى لغة الزقاق والدرابين والشوارع الخلفية القديمة لانها اللغة المتجذرة العميقة في حين لغة المكان الجديد لغة ملصقة سطحية للتمشدق ولم تتحول الى جزء عضوي من النسيج اللغوي او الفكري ينساها عند الغضب وانفتاح بوابة العفن في اللاوعي.
هذه اللغة ليست بريئة ولا نتاج مصادفات بل النتيجة المنطقية لوضع شعوب المنطقة في الحصار والاحتباس والخوف والاحتراب لسنوات تمهيداً لرسم خرائط جديدة جاهزة سلفاً. لا يمكن خلق الاحتراب الاجتماعي بين مكونات مجتمع بلا خلق قاموس الاحتراب.
لو عاشت شعوب المنطقة في أمن حقيقي وعدالة حقيقية ونظم سياسية غير هذه النظم الدكتاتورية، لاستطاعت حل مشاكلها بالحوار الهادئ لأعقد مشاكل المجتمع والتاريخ وأحدثت قطيعة معرفية مع الماضي والقطيعة لا تعني الانفصال بل التصفية من الشوائب بدل هذا التراكم في ملفات حساسة لتفجيرها في توقيت محسوب ثم الادعاء الكاذب: انه عفريت الفتنة