رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب:لماذا أصبحت إيران أكثر جرأة؟

في السابع من يونيو 2026 قصفت إسرائيل الضاحية الجنوبية لبيروت، في خطوة أعادت فتح أحد أكثر خطوط الاشتباك حساسية في الإقليم.
وخلال ساعات فقط جاء الرد الإيراني عبر إطلاق صواريخ باتجاه أهداف داخل إسرائيل، قبل أن يتسع التصعيد لاحقًا ليشمل ضربات متبادلة طالت العمق الإيراني والإسرائيلي على حد سواء.
في الظاهر، يبدو المشهد حلقة جديدة من صراع ممتد.
لكن في العمق، نحن أمام انتقال تدريجي من “حرب الظل” إلى “حرب الحافة المباشرة”، حيث تتقارب المسافة بين الفعل والرد بشكل غير مسبوق.
والأهم أن هذا التصعيد جاء بعد أشهر قليلة فقط من حرب فبراير 2026، التي كان يُفترض أن تدفع طهران إلى مزيد من الحذر، لا إلى مزيد من الجرأة.
لكن ما حدث يوحي بعكس ذلك.
التصريحات الإيرانية أصبحت أكثر حدة.
سقف التهديدات ارتفع بوضوح.
والاستعداد لتحمل كلفة المواجهة المباشرة بات جزءًا أكثر حضورًا في الخطاب والسلوك.
وهنا يبرز السؤال المركزي:
لماذا أصبحت إيران أكثر جرأة؟
هل يتعلق الأمر بقوة جديدة؟
أم بتحول في معادلات الردع؟
أم أن النظام الإقليمي نفسه دخل مرحلة إعادة تشكيل؟
لا توجد إجابة واحدة حاسمة.
لكن يمكن تفكيك المشهد إلى مجموعة من الفرضيات التفسيرية.
الفرضية الأولى: إيران كدولة عتبة نووية
قد تكون إيران قد وصلت إلى مستوى “دولة العتبة”، أي امتلاك القدرة التقنية والمعرفية التي تجعل التحول إلى السلاح النووي مسألة قرار سياسي أكثر منه تقني.
في هذه الحالة، لا يكون الردع قائمًا على امتلاك السلاح، بل على الاقتراب منه بما يكفي لتغيير حسابات الخصوم.
لكن هذه الفرضية تبقى دون دليل معلن حاسم.
الفرضية الثانية: حدود الحسم العسكري التقليدي
ربما خرجت طهران من حرب فبراير باستنتاج مختلف:
أن الضربات القاسية ممكنة، لكن تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي نهائي أمر أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد.
بمعنى آخر: القوة قد تُوجع، لكنها لا تنهي الصراع.
وهذا الإدراك يعيد تشكيل سلوك الدول في مراحل لاحقة.
الفرضية الثالثة: تطور غير معلن في أدوات الردع
التصعيد الإيراني قد لا يرتبط بسلاح واحد، بل بتراكم قدرات:
صاروخية أكثر تطورًا
سيبرانية أكثر تأثيرًا
تكتيكات ضرب متعددة الطبقات
أو مزيج من أدوات غير معلنة بالكامل
وفي بيئة كهذه، يصبح الغموض جزءًا من معادلة الردع.
الفرضية الرابعة: الاقتصاد كساحة ردع موازية
لم تعد المواجهة تُدار فقط عسكريًا.
فإغلاق أو تهديد الممرات البحرية الحيوية مثل هرمز أو باب المندب لا يضغط على طرف واحد، بل يعيد توزيع كلفة الصراع على النظام الدولي بأكمله.
وهنا يتحول الاقتصاد إلى أداة ردع ممتدة تتجاوز ساحة الحرب التقليدية.
الفرضية الخامسة: انقسام وظيفي داخل المعسكر الغربي
هنا تظهر واحدة من أكثر الزوايا حساسية في فهم المشهد الحالي.
في السلوك الفعلي للأزمة، يمكن رصد نمط غير تقليدي:
الولايات المتحدة تتحرك في الغالب بوصفها قوة ضبط استراتيجي، تميل إلى احتواء التصعيد ومنع توسع الحرب الإقليمية.
في المقابل، تتحرك إسرائيل بوصفها طرفًا ميدانيًا مباشرًا، يميل إلى استخدام القوة بشكل أسرع وأكثر حدة لفرض وقائع أمنية على الأرض.
هذا التباين بين “منطق الضبط” و”منطق التصعيد” داخل المعسكر نفسه يخلق سابقة استراتيجية غير مألوفة في الإقليم.
لأول مرة، لا يبدو الردع قائمًا على وحدة القرار بين الحلفاء، بل على اختلاف أولوياتهم داخل نفس المنظومة.
وهذا الانقسام لا يمر دون أن يُقرأ في طهران.
فإيران لا تواجه كتلة غربية صلبة القرار، بل تواجه منظومة تتباين فيها الاستجابات بين ضبط سياسي وتصعيد ميداني.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح هامش الحركة أوسع، ليس لأن القوة أقل، بل لأن اتجاه استخدامها أقل تجانسًا.
الفرضية السادسة: تغير النظام الدولي
ربما لا يتعلق الأمر بإيران وحدها.
بل بنظام دولي يتغير تدريجيًا.
عالم لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على فرض الإيقاع الكامل للأزمات.
وعالم تمتلك فيه القوى الإقليمية قدرة أكبر على المناورة داخل توازنات أكثر تعقيدًا وتعددًا.
في مثل هذا السياق، قد تبدو المخاطرة أقل كلفة مما كانت عليه في السابق.
الفرضية السابعة: إيران لم تصبح أقوى… بل تغيرت بيئة الفعل
قد لا تكون إيران قد حصلت على تفوق نوعي حاسم.
لكن البيئة التي تتحرك داخلها تغيرت:
التفوق العسكري لم يعد كافيًا لضمان الحسم.
والردع لم يعد مرتبطًا بمنع الضربة، بل بإدارة ما بعدها.
وفي مثل هذا السياق، قد تبدو إيران أكثر جرأة ليس لأنها صعدت فجأة، بل لأنها تتحرك داخل نظام أقل يقينًا.
الفرضية الأخطر
وربما تكون الحقيقة مزيجًا من كل ما سبق.
فإيران لم تحصل على سلاح حاسم جديد.
والولايات المتحدة لم تفقد قدرتها.
لكن ما تغير قد يكون أعمق:
أن كلفة التصعيد لم تعد تُقاس فقط بقدرة الخصوم على الرد، بل بقدرتهم على توحيد الرد نفسه.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن ما نشهده اليوم لا يمثل مجرد تصعيد جديد.
بل بداية مرحلة تتغير فيها قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.
مرحلة لم يعد فيها السؤال:
من الأقوى؟
بل:
من يملك القدرة على ضبط الإيقاع عندما يبدأ الانفجار؟
تنويه…
“الطرح قراءة تحليلية نابعة من منطلق ابستمولجي، استشرافي قائم على فرضيات تفسيرية للأحداث الجارية، ولا يعكس معلومات مؤكدة ، بل محاولة لفهم التحولات في منطق الردع الإقليمي في ظل التطورات المتسارعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى