كتاب وشعراء

التاريخ من وراء الستار…بقلم محمد مصطفى كامل

يحيى وزكريا عليهما السلام، حين أصبح قول الحق خطرًا على السلطة
ليست كل لحظات الانهيار تبدأ بسقوط الجيوش ، أحيانًا يبدأ سقوط الأمم حين يصبح أصحاب الرسالة مطاردين،
ويتحول صوت الحقيقة إلى تهديد تخشاه السلطة والكهنة معًا.
وفي فلسطين القديمة،
قبل المواجهة الكبرى مع المسيح عليه السلام،
كانت الأرض المقدسة تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا عبر التاريخ.
احتلال روماني يفرض هيبته بالقوة،
وأحبار يملكون النفوذ والتفسير،
وشعب يبحث عن الخلاص وسط عالم اختلط فيه الدين بالسياسة والخوف بالمقدس.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب،
ظهر نبيان لم يملكا جيشًا ولا قصرًا ولا ذهبًا ، لكن كلماتهما كانت أخطر على الفساد من السلاح نفسه .
زكريا ويحيى عليهما السلام.
أحدهما شيخ أنهكه العمر لكنه لم يفقد الأمل في رحمة الله،
والآخر شاب ولد في زمن الانهيار ليقول كلمة حق دفعت حياته ثمنًا لها.
ومن هنا بدأت واحدة من أخطر مراحل الصدام بين النبوة والسلطة في تاريخ بني إسرائيل.
زكريا عليه السلام ، آخر الأصوات الهادئة قبل العاصفة .
كان زكريا يعيش في مجتمع فقد كثيرًا من توازنه الروحي.
فالاحتلال الروماني لم يسيطر على الأرض وحدها ، بل خلق حالة خوف واضطراب وانقسام داخل المجتمع كله.
أما المؤسسة الدينية،
فقد أصبح جزء منها مرتبطًا بالنفوذ والمصالح والصراع على التأثير بين الناس. وفي وسط هذا العالم المضطرب،كان زكريا يرى الرسالة الإلهية تضعف وسط صخب السياسة والانقسام.ولهذا جاء دعاؤه في القرآن الكريم مؤثرًا بصورة استثنائية .
﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
لم يكن يطلب ولدًا فقط ،
بل كان يبحث عن امتداد للنور وسط زمن يقترب من الظلام.
ثم جاءت المعجزة التي هزّت قوانين العمر والواقع ،
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾
رجل بلغ الشيخوخة،
وامرأة لم تكن تنجب،
لكن الإرادة الإلهية كانت تُعد الأرض لمرحلة أخطر قادمة.
يحيى عليه السلام ، حين ولد الصدق في زمن الفساد ،
لم يكن مولد يحيى حدثًا عاديًا داخل المجتمع اليهودي وقتها.
فالقرآن الكريم منحه مكانة استثنائية منذ البداية ،
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ۝ وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾
وكأن السماء كانت تقدم نموذجًا نادرًا للطهر وسط عالم يمتلئ بالتناقضات.
نشأ يحيى عليه السلام زاهدًا،
صادقًا، شديد الخشية لله،
لا يبحث عن دنيا ولا نفوذ،
ولا يخاف من قول الحق مهما كانت العواقب.
وفي السنة النبوية،
وردت إشارات إلى عظمة مكانته وزهده الشديد وخوفه من الله.
كما ورد أن يحيى وعيسى عليهما السلام كانا ابني خالة،
وأنهما جاءا في مرحلة من أعقد مراحل تاريخ بني إسرائيل.
وكان يحيى معروفًا بشدة عبادته وبكائه من خشية الله،
حتى أصبح رمزًا للطهر والزهد في مواجهة عالم يغرق في الصراع والنفوذ.
فلسطين ، حين اختلط الدين بالسلطة
في تلك المرحلة،
لم تكن أزمة فلسطين مجرد احتلال روماني عسكري ، بل كانت أزمة مجتمع كامل فقد توازنه الداخلي.
الأحبار يملكون التأثير الديني،
والسلطة السياسية تخشى أي حركة جماهيرية،
والناس تنتظر المخلّص الذي يعيد القوة والكرامة لبني إسرائيل.
لكن وسط هذا كله،
جاء يحيى عليه السلام برسالة مختلفة تمامًا. لم يدعُ إلى ثورة مسلحة،
ولا إلى استعادة العرش، بل دعا إلى
التوبة والطهارة والعودة إلى الله
ومواجهة الفساد الأخلاقي والديني
وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.
لأن المجتمعات التي تختلط فيها السلطة بالمقدس ،
تخاف دائمًا من الإنسان الذي يكشف التناقض بين الدين الحقيقي والدين الذي يُستخدم لحماية النفوذ.
لماذا أصبح يحيى خطرًا على السلطة؟
تذكر الروايات الإسلامية والتاريخية أن يحيى عليه السلام واجه فساد الطبقة الحاكمة دون خوف أو مجاملة.
وكان يرفض تبرير الانحراف مهما كانت مكانة أصحابه. وهنا تحولت دعوته من رسالة أخلاقية إلى تهديد سياسي مباشر. فالسلطة قد تتحمل المعارضة أحيانًا ، لكنها تخشى من يسقط عنها الغطاء الأخلاقي أمام الناس.
ولهذا انتهت المواجهة بصورة مأساوية،
حين قُتل يحيى عليه السلام ظلمًا وعدوانًا.
وقد تناول ابن كثير في البداية والنهاية هذه المرحلة،
موضحًا أن مقتل يحيى عليه السلام كان من أخطر العلامات على فساد بني إسرائيل وانحراف السلطة الدينية والسياسية في ذلك الزمن.
ويذكر ابن كثير أن يحيى كان من أعظم الناس عبادة وشجاعة في قول الحق، وأن مقتله كشف إلى أي درجة يمكن أن تصل المجتمعات حين تخاف من الحقيقة أكثر مما تخاف من الظلم نفسه.
ماذا قال عبد الوهاب المسيري؟
يرى المفكر عبد الوهاب المسيري أن المجتمع اليهودي في تلك المرحلة كان يعيش أزمة هوية عميقة تحت الحكم الروماني.
فكثير من الجماعات كانت تنتظر المخلّص الذي يعيد المُلك والسيادة السياسية،
بينما جاءت دعوات الأنبياء خصوصًا يحيى والمسيح عليهما السلام لتعيد التركيز على إصلاح الإنسان نفسه أولًا.
ويشير المسيري إلى أن أخطر ما يحدث للمجتمعات أن يتحول الدين من رسالة أخلاقية وروحية إلى مؤسسة تخشى فقدان النفوذ أكثر من خوفها على الحقيقة.
ولهذا بدا الأنبياء في نظر بعض النخب خطرًا يهدد التوازن القائم،
لا لأنهم حملوا السلاح ، بل لأنهم أعادوا تعريف معنى الحق والعدل والرسالة.
بين يحيى والمسيح عليهم السلام اقتراب العاصفة الكبرى
لم يكن مقتل يحيى عليه السلام نهاية القصة ،بل كان تمهيدًا لمرحلة أكثر خطورة. فالأرض التي سقط فيها نبي لأنه قال كلمة حق،
كانت تقترب من المواجهة الكبرى مع المسيح عليه السلام نفسه.
وكأن التاريخ كان يمهد للحظة ينكشف فيها كل شيء .
سلطة تخاف على بقائها
وكهنة يخشون اهتزاز نفوذهم
ورسالة سماوية تحاول إعادة الإنسان إلى الحقيقة من جديد
ومن هنا دخلت فلسطين واحدة من أخطر مراحلها عبر التاريخ.
لم يكن زكريا ويحيى عليهما السلام مجرد نبيين في زمن قديم ،بل كانا شاهدين على لحظة خطيرة يتكرر مثلها كثيرًا في التاريخ .
حين يصبح الصدق عبئًا على المجتمع،
وتتحول الحقيقة إلى خطر على أصحاب النفوذ،
ويصبح أصحاب الرسالة مطاردين لأنهم يذكّرون الناس بما نسوه.
شيخ دعا الله وسط عالم ينهار روحيًا
فجاءه ولد سيصبح صوته أخطر من الجيوش،
وشاب واجه الفساد بلا خوف .
فدفع حياته ثمنًا لكلمة حق لم يُرِد أحد سماعها.
وكأن التاريخ كان يعلن منذ ذلك الوقت حقيقة لا تتغير
أن الحضارات لا تبدأ بالسقوط حين تضعف حدودها فقط
بل حين يصبح قتل الأنبياء أسهل من مواجهة الفساد نفسه.
ومن هنا لم تكن قصة زكريا ويحيى عليهما السلام مجرد فصل ديني عابر ، بل مقدمة للعاصفة الكبرى التي ستصل ذروتها مع المسيح عليه السلام،
حين يدخل الصراع بين الحقيقة والسلطة أخطر مراحله على الإطلاق.
انتظرونا القادم أشد !!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى