رؤي ومقالات

الناقد غني العواد يكتب: إسراء الأسدي .. من الأصوات النسوية التي أثبتت حضورها في المشهد الأدبي العراقي

حين تتماهى الموهبة مع الثقافة، ويتعانق القانون مع الشعر، تولد شخصية إبداعية تمتلك القدرة على أن تصنع حضورها بثقة وتميز. ومن بين الأصوات النسوية التي أثبتت حضورها في المشهد الأدبي العراقي والعربي، تبرز الشاعرة إسراء الأسدي بوصفها تجربة شعرية ناضجة، استطاعت أن تجعل من الكلمة مرآةً للوجدان، ومن القصيدة وطناً يسكنه الجمال والإنسان.
ولدت الشاعرة في بغداد، المدينة التي أنجبت كبار المبدعين، وتخرجت في كلية المأمون الجامعة حاصلة على شهادة البكالوريوس في القانون، وهي اليوم تواصل مسيرتها الأكاديمية في الدراسات العليا بكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية، إلى جانب عملها في مهنة المحاماة بصفتها عضواً في نقابة المحامين العراقيين.
وإيماناً منها بأن الثقافة مسؤولية ورسالة، انتمت إلى عدد من المؤسسات الأدبية والثقافية، فهي عضو في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وعضو في اتحاد كتاب مصر، وعضو في مؤسسة دار العرب للثقافة والإعلام، كما كانت عضواً في منتدى نازك الملائكة التابع للاتحاد العام للأدباء والكتاب منذ عام 2016، وعضواً في جمعية الشعراء الشعبيين في العراق منذ عام 1999، لتجمع بين الشعر الفصيح والشعبي في تجربة إبداعية متوازنة.
وتروي الشاعرة بداياتها بقولها: “عشقت الشعر منذ أول بيت سكن قلبي وحرك وجداني، فوجدت ضالتي في فضائه الرحب، يسرقني مني ثم يعيدني إليّ أكثر صفاءً.” ولم يكن ذلك العشق وليد الصدفة، بل بدأ منذ طفولتها، إذ شاركت في المهرجانات الشعرية خلال دراستها الثانوية، ونالت أول تكريم رسمي من وزير التربية وهي لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، في محطة مبكرة بشّرت بميلاد موهبة واعدة.
وأثمرت رحلتها الأدبية عن إصدار عدد من المجموعات الشعرية التي لاقت اهتماماً نقدياً وثقافياً، فصدر لها ديوان «أحياء في مقبرة» عن دار دجلة للنشر والتوزيع في عمّان عام 2016، كما شاركت في المجموعة الشعرية المشتركة «صدى الربيع»، وكتاب «نصوص وكتابات» بإشراف الأديب عدي العبادي في العام نفسه. وفي عام 2019 أصدرت ديوانها «شراع دمع» عن دار سوريانا للطبع والتوزيع في سوريا، ثم أتبعته بديوان «دون ذلك… وأكثر» الصادر عن دار المفكر العربي للنشر والتوزيع في القاهرة عام 2025، مؤكدةً استمرار عطائها وتطور تجربتها الشعرية.
وقد حظيت تجربتها باهتمام واسع من الباحثين والنقاد، فوثقتها مؤلفات مرجعية عديدة، منها «معجم الأديبات والكاتبات العراقيات في العصر الحديث» للأستاذ جواد كاظم، وكتاب «هو الذي كتب على الطين» للناقد ناظم القريشي، وكتاب «لا محاضرة» للناقد أحمد فاضل، و**«الديوان الشعري الشرق أوسطي»** للأديب الجزائري مازيغ يدّر، الذي تُرجمت فيه بعض نصوصها إلى اللغة الأمازيغية، كما ضمّتها «موسوعة الشعر النسائي العربي المعاصر» للكاتبة المغربية فاطمة بوهراكة، فضلاً عن كتاب «دراسات نقدية في بعض التجارب العراقية» للأستاذ عدي العبادي.
ولم تتوقف العناية النقدية عند حدود التوثيق، بل أفرد عدد من الأكاديميين والنقاد دراسات معمقة لنتاجها الشعري، تناولت البنية الفنية، والرمزية، والدلالة، والاشتغال اللغوي في دواوينها، ومن أبرزهم: أحمد فاضل، ومحمد يونس محمد، وناظم القريشي، ويوسف عبود جويعد، وعدي العبادي، وعصام كاظم جري، والدكتور سمير الخليل، والدكتور رحيم الغرباوي، وطالب العكيلي، ورحيم يوسف، إلى جانب القراءة التشكيلية التي أنجزها الفنان فهد الصكر، وهو ما يعكس المكانة التي وصلت إليها تجربتها في الدراسات الأدبية الحديثة.
كما نشرت الشاعرة عشرات القصائد والمقالات في الصحف العراقية والعربية والمواقع الإلكترونية، واستضافتها العديد من الصحف ووسائل الإعلام في حوارات تناولت تجربتها الشعرية والفكرية، من بينها: الحقيقة، الصباح العراقي، الصادق الإخبارية، الدستور العراقي، بانوراما الصادرة من سيدني، النهار، الصباح، المستقبل، البينة، والملاعب، فضلاً عن مشاركاتها المستمرة في المهرجانات والأمسيات والأصبوحات الشعرية داخل العراق وخارجه، حيث نالت العديد من الشهادات التقديرية ودروع الإبداع.
لقد استطاعت إسراء الأسدي أن ترسم لنفسها مكانة متميزة بين شاعرات العراق المعاصرات، وأن تجعل من قصيدتها مساحة رحبة للتأمل والبوح والجمال، مستندةً إلى ثقافة واسعة ورؤية إنسانية عميقة. وهي اليوم تواصل مشروعها الأدبي بثبات، مؤمنةً بأن الشعر سيبقى أسمى أشكال التعبير عن الإنسان، وأن الكلمة الصادقة هي الأثر الذي لا يزول، والذاكرة التي تبقى نابضة بالحياة عبر الزمن.
أعداد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى