
حين يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه أوقف ضربة ضد إيران “احترامًا” لرؤية قادة خليجيين، فهو لا يعبّر عن احترام شخصي بقدر ما يكشف حقيقة أعمق:
واشنطن لم تعد تملك رفاهية القرار المنفرد كما كانت تفعل في مراحل الهيمنة المطلقة.
المسألة هنا تتجاوز الوساطة السياسية أو المجاملة الدبلوماسية.
فأي مواجهة واسعة مع إيران لم تعد مجرد عملية عسكرية قابلة للاحتواء، بل تهديدًا مباشرًا لبنية النظام الاقتصادي العالمي نفسه: الطاقة، الملاحة، الأسواق، سلاسل الإمداد، وحتى أمن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
والخليج، في هذه المعادلة، ليس مجرد حليف لواشنطن، بل مركز الثقل الذي سيدفع الثمن أولًا.
لهذا لا يمكن قراءة تصريح ترامب باعتباره “استجابة لرغبة الحلفاء”، بقدر ما هو اعتراف بأن التقديرات الخليجية أصبحت جزءًا إلزاميًا من الحساب الاستراتيجي الأمريكي، لأن دول الخليج تمتلك عناصر لا تستطيع واشنطن تجاهلها: النفط، التمويل، الاستقرار المالي، والبنية اللوجستية التي يقوم عليها جزء أساسي من النظام الغربي في المنطقة.
لكن الأهم من التصريح نفسه هو ما يكشفه ضمنيًا:
واشنطن تبدو مدركة أن الضربة الكبرى ضد إيران لم تعد تضمن إنهاء التهديد، بل قد تنتج العكس تمامًا:
تحويل إيران من دولة محاصرة إلى مركز تعبئة إقليمي واسع، وفتح مسارات استنزاف ممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط.
وهنا يظهر التحول الأخطر في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية:
الانتقال من “الحسم العسكري المباشر” إلى “إدارة التوازن ومنع الانفجار الكامل”.
بمعنى آخر، لم تعد الولايات المتحدة تبحث دائمًا عن انتصار كامل، بل عن منع خسارة شاملة للنظام الإقليمي الذي يخدم مصالحها.
أما الحديث عن “احترام” القادة العرب، فهو يحمل أيضًا وظيفة نفسية وسياسية موجهة للداخل الخليجي:
طمأنة الحلفاء بأنهم ما زالوا جزءًا من عملية صناعة القرار، بعد سنوات من الشكوك حول مدى التزام واشنطن بأمن المنطقة.
لكن القراءة الأهم استراتيجيًا أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية المطلقة.
ليس بمعنى سقوط واشنطن، بل بمعنى أن تكلفة استخدام القوة أصبحت أعلى من قدرة أي طرف على فرض إرادته منفردًا.
ولهذا، فإن ما بعد حرب 2026 ليس شرق أوسط الانتصارات الحاسمة، بل شرق أوسط الردع المتبادل والاستنزاف الطويل.
الجميع بات قادرًا على الإيذاء، لكن لا أحد قادرًا على الحسم النهائي دون دفع أثمان قد تتجاوز المكاسب نفسها.
ومن هنا تغيّر السؤال الاستراتيجي الأهم في المنطقة:
لم يعد:
“من يملك أقوى جيش؟”
بل أصبح:
“من يستطيع تحمّل الحرب الأطول دون انهيار داخلي أو اقتصادي أو سياسي؟”
في هذا الشرق الأوسط الجديد، قد لا يكون منع الهزيمة أقل أهمية من تحقيق النصر نفسه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قوة كتاب «التنافس الإقليمي في الشرق الأوسط (2019–2030)» لم تكمن في التنبؤ بموعد الحرب أو نوع الصاروخ، بل في كشفه المبكر للبنية العميقة التي ستنتج لاحقًا حرب 2026 بكل تعقيداتها.
وكان من بين الأفكار المركزية التي طرحتها فيه مفهوم “قوة التعطيل” أو الـ Veto Power، بوصفها قدرة الأطراف الإقليمية على منع خصومها من فرض الحسم الكامل، حتى دون امتلاك تفوق تقليدي شامل.
وما تكشفه الأحداث اليوم أن المنطقة لم تعد تُدار بمنطق السيطرة المطلقة، بل بمنطق القدرة على التعطيل، ورفع الكلفة، ومنع الخصم من تحويل تفوقه العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة.