رؤي ومقالات

ايهاب شوقي يكتب : وهم السلام المزعوم … من هدنة 1949 إلى اتفاق 17 أيار وخرق الاتفاقيات في غزة !!!

وهم السلام المزعوم.. من هدنة 1949 إلى إتفاق 17 أيار وخرق الاتفاقيات في غزة

إيهاب شوقي  / مصر

كم من أطروحات فاسدة ورهانات خاطئة صيغت بعناوين براقة، ووضعت في قوالب مخادعة، فأصبحت مقولات حق يُراد بها باطل، وهو ما أورث الندم والانحدار الاستراتيجي لأوطان كثيرة لم تتعلم من الدروس، ولم تستفد من الأخطاء رغم تكرارها مرارًا، بل وحضورها ومعاصرتها في جبهات ملاصقة؟

ولعل راية “السلام” هي أكبر راية رُفعت زيفًا لتبرير التفريط والاستسلام من جانب عربي، فيما استغلها الصهاينة لتسويغ وشرعنة التوسع والاستيطان.

والشاهد هنا أن العدو الصهيوني لا يحترم هدنة ولا اتفاقًا، بل ولا حتى معاهدة بضمانة أممية تحت إشراف مجلس الأمن وتحت الفصل السابع الذي يُجبر الدول على احترام معاهداتها، فقد خرق طوال تاريخه المشؤوم كل اتفاقياته، حتى أصبح مجرد التقارب معه والسعي لأي هدنة أو اتفاق بمثابة شبهة استسلام وحفظ ماء وجه، بسبب المعرفة المسبقة بغدره، ولليقين بأن رعاة الاتفاقيات متواطئون، وأن مجلس الأمن انتقائي في تطبيق قراراته.

وتسعى حاليًا السلطة اللبنانية في اتجاه تاريخي خاطئ، وترتكب خطيئة مزدوجة؛ فهي من جهة تذهب إلى الرهان الخاطئ على العدو “الإسرائيلي” واحترامه لأي اتفاقات، وعلى الراعي الأميركي القائد للعدوان، والذي أثبت أنه طرف أصيل وليس وسيطًا ولا ضامنًا. ومن الجهة الأخرى، ترفع الغطاء عن جنوب لبنان والبقاع باستثنائهما من مساعيها الفاشلة نحو وقف إطلاق النار، وهو ما يشرعن العدوان الصهيوني ويكرس حقيقة مؤسفة بأن السلطة لا تعتبر الجنوب أو البقاع ضمن مسؤوليتها، بل ويشي بأنها تتعاون مع العدو ضد المقاومة وجمهورها.

وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطة اللبنانية لعقد ولو شبه اتفاق لوقف إطلاق النار وتكرار تجربة إتفاق 17 أيار 1983، لتبرير أشواقها للتقارب مع العدو والخلاص من أعباء وتبعات الكرامة والسيادة والمقاومة، نرى أمثلة صارخة على انتهاك العدو لاتفاقياته في غزة وفي سوريا، رغم تطابق إجراءات التهدئة المطلوبة ووجود نفس الضامن الأميركي، وهو ما يطرح سؤالًا كبيرًا عن فطنة السلطة اللبنانية ووعيها بما يدور حولها، أم أنها تتعامى عن ذلك، أم لديها رؤية أن لبنان سيكون استثناء؟ وعلى أي أساس بُنيت هذه الرؤية؟

وهنا، لا بد من التذكير -ولو بشكل سريع ومختصر- بسلوك العدو ورعاته، وعجز وتواطؤ المجتمع الدولي، وغياب القانون الدولي عن محاسبته على تنصله من جميع التزاماته ومعاهداته.

أولًا: أمثلة حية من غزة وسوريا

لعل ما يحدث في غزة وسورية هو أكبر مصداق وأكبر عبرة لأي سلطة تقدم على عقد اتفاقات مع العدو “الإسرائيلي”، باعتبارهما أحدث نموذجين لهذا الانتهاك، ولتطابق السياق ووجود نفس الرعاة لما تريد سلطة لبنان تجربته من مجربات فاشلة.

وباختصار، فإن سياق المساعي الأميركية لتحييد جبهة لبنان هو نفس السياق لإنهاء المقاومة في غزة والمنطقة، وهو ما كان وراء تدشين “مجلس السلام” وتجريد غزة من المقاومة تحت وعود الرخاء والاستثمار، وهو ما تلوح به أميركا للبنان عبر وعود الاستثمارات والمناطق الاقتصادية في الجنوب، وهو سبب هدم غزة وتسوية مبانيها بالأرض، وهو ما يتم تكراره واستنساخه في جنوب لبنان.

وما يحدث في سوريا من تدجين نظامها في اتفاقيات التطبيع، والحرص على صمته أمام الانتهاكات، وإبقائه في المعسكر المعادي للمقاومة، يتم أيضًا تحت نفس الوعود والإغراءات الاقتصادية.

ولكن، هل احترم الكيان وراعيه الأميركي هذه التهدئة؟

واقع الحال يقول ما يأتي:

في غزة:

اخترقت “إسرائيل” اتفاق وقف إطلاق النار أكثر من 2400 مرة خلال نصف عام، ومؤخرًا قامت باغتيال الشهيد عز الدين الحداد، وتسعى لتوسعة “الخط الأصفر”، ولم تدخل المساعدات المتفق عليها، ويتم تحويل غزة تدريجيًا إلى جحيم طارد لأهلها مع تلويح دائم بالتهجير.

في سورية:

يخترق العدو “الإسرائيلي” الحدود السورية بشكل شبه يومي، ويقيم الحواجز ويعتقل مواطنين سوريين، ويقصف داخل دمشق، ويعلن ضم الجولان بشكل نهائي، بل وضم جبل الشيخ وكل ما قام باحتلاله بعد خلو سوريا من الجيش العربي ومن أوراق القوة والمقاومة.

الانتهاك والغدر صفة تاريخية ثابتة للكيان

هنا نحن نتحدث عن صفة راسخة، وليس سلوكًا ظرفيًا أو استثنائيًا للكيان، فقد اتخذت “إسرائيل” من الهدن والاتفاقات وسيلة دائمة لكسب الوقت، ولملمة القوى، ومحاولة زرع الفتن في الجبهات الأخرى، ثم عاودت الغدر والتوسع.

ويمكن هنا استعراض بعض النماذج التاريخية والأدلة على هذه الطبيعة الصهيونية الراسخة منذ النشأة المشؤومة وحتى اللحظة الراهنة:

في حرب عام 1948:

فرضت الأمم المتحدة هدنة إجبارية لمدة شهرين، يُحظر خلالها التوسع على الأرض أو تلقي إمدادات السلاح، وقد استغلت “إسرائيل” الهدنة لاستقدام الطائرات الحربية من الدول الغربية من جهة، وللتحرك على الأرض لتطويق القوات العربية وكسب مواقع استراتيجية من جهة أخرى، وساعدت الهدنة المذكورة العصابات الصهيونية على التغلب على الجيوش العربية في المرحلة الثانية من الحرب.

خرق هدنة 1949:

لعل أقوى نموذج للانتهاك الصارخ للاتفاقيات والالتزامات هو نموذج خرق هدنة 1949، بسبب قوة ضماناتها وصعوبة تكرار إلزام دولي على غرارها. فقد أمر مجلس الأمن، وبالاستناد إلى الفصل السابع، في قراريه الرقمين 61 و62 الصادرين في 4 و16 تشرين الثاني/نوفمبر 1948، أطراف النزاع في فلسطين – مصر، سوريا، الأردن، لبنان و”إسرائيل” – بإعلان هدنة عامة تتضمن إقامة خطوط هدنة دائمة يُمنع تجاوزها، وانسحابًا وتخفيضًا للقوى المسلحة من جانبي هذه الخطوط ضمانًا لها. ومع ذلك قامت “إسرائيل” بخرق هذه الاتفاقيات.

مع مصر:

لم تكد تمر عدة سنوات حتى قتل جيش الاحتلال نحو 25 من الجنود المصريين العاملين بقطاع غزة في شباط/فبراير 1955.

وبعدها خرقت الهدنة حين اتفقت سرًا مع دولتي بريطانيا وفرنسا على شن العدوان الثلاثي على مصر، والذي استهله جيش الاحتلال يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر على سيناء المصرية.

مع سوريا:

نقضت “إسرائيل” الهدنة مع سوريا في 11 كانون الأول/ديسمبر 1955 بالهجوم على سوريا، فيما عُرف وقتها باسم “عملية أوراق الزيتون”.

مع لبنان:

استمرت الخروقات الصهيونية للحدود مع الجنوب اللبناني إلى أن تخلت “إسرائيل” عن الاتفاقية بعد حرب عام 1967.

وهنا نسترشد بالسلوك “الإسرائيلي” طوال فترة الهدنة من كلام الجيش اللبناني نفسه، والذي يقول على موقعه الرسمي نصًا:

“لم يكن التزام “إسرائيل” بالاتفاقية منذ توقيعها عام 1949 مستقيمًا وثابتًا، ولم تعطها الأهمية التي تستحقها كاتفاقية دولية هي طرف فيها، وهي قائمة ومستمرة بضمانة مجلس الأمن الدولي. فـ”إسرائيل” كانت ترجع إلى الاتفاقية وتستخدمها وتعترف بها خدمة لمصالحها، في حين كانت لا تعترف بها عندما ترى أنها عقبة أمام سياساتها ومخططاتها وطموحاتها”.

الخلاصة

إن تاريخ العدو منذ 1948، مرورًا باتفاقيات أوسلو وجميع الصفقات والهدن مع المقاومة الفلسطينية، وخروقات اتفاقيات كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة وغيرها من الاتفاقيات الدولية، وصولًا إلى قصف دولة قطر بتواطؤ أميركي كامل رغم العلاقات المميزة بين قطر وأميركا، وعدم وجود مشكلات بين قطر و”إسرائيل”، ووصولًا إلى غدره في غزة وسورية وتهديداته الاستراتيجية لمصر والأردن، كل ذلك يؤكد أننا أمام عدو لا يحترم إلا القوة، ولا يفي بأي تعهدات، ولا يمكن الرهان على التزامه، بل إن الرهان الوحيد هو على امتلاك القوة، فقد افترس كل من فرّط في القوة ونزع إلى عنوان السلام بمضمون وجوهر آخر، وهو الاستسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى