تقارير وتحقيقات

قصة سقوط “شبح” غزة: كواليس اغتيال عز الدين الحداد في الرواية الإسرائيلية

كتب:هاني الكنيسي
تعتبر إسرائيل اغتيال قائد كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة حماس) عز الدين الحداد، يوم الجمعة 15 مايو، أحد أهم نجاحات جيش الاحتلال منذ تصفية قائد الكتائب السابق محمد الضيف (نهاية يناير 2025)، وزعيم حماس الأشهر ورئيس مكتبها السياسي في غزة يحيى السنوار (أكتوبر 2024).
فالرجل الملقب بـ“الشبح” (60 عامًا من العمر) لم يكن مجرد قائد ميداني شارك في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر (حسب المزاعم الإسرائيلية)، ثم تولى خلال الحرب قيادة جهود إعادة بناء قدرات القسام، بل كان يُعد من أبرز العقول العسكرية في المقاومة الفلسطينية. ولم تنجح عملية اغتياله – باعتراف الإسرائيليين- إلا نتيجة “خطأ بشري واحد”، بعد مطاردة شبه يائسة دامت سنوات (أي حتى قبل حرب الإبادة باعترافهم أيضًا).
أما لقب “الشبح”، فقد ناله بجدارة بسبب نمط حياته الأمني الصارم: قليل الظهور، لا يستخدم الهاتف، يغير أماكن نومه باستمرار، يعتمد على مراسلين بشريين بدل الاتصالات الإلكترونية، ويتحرك غالبًا ليلًا، من دون حراس شخصيين لكيلا يلفت الانتباه. “هذا الانضباط جعل اصطياده مهمة شاقة بالنسبة للاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تلاحقه منذ أعوام”، على حد تعبير ‘هآرتس’.
ووفق التفاصيل التي تسابق على نشرها الإعلام العبري اليوم، فإن العملية توّجت جهودا تراكمية شاركت فيها أكثر من جهة أمنية وجهاز عسكري واستخباراتي، واستندت إلى مراقبة دقيقة للحداد وتحليل بأحدث التقنيات لأنماط حركته فضلا عن المعلومات الميدانية التي تم الحصول عليها من مصادر بشرية.
بحسب رواية ‘يديعوت أحرونوت’، فإن “النقطة المفصلية” كانت يوم الجمعة الماضي عندما عاد الحداد إلى شقة سرية تابعة لعائلته، وهي شقة لم يكن يستخدمها منذ فترة طويلة. هذا القرار، الذي وصفته الصحيفة بـ“الخطأ الفادح”، منح الاستخبارات الإسرائيلية فرصة لا تتكرر في تحديد الموقع بدقة، وتثبيت الهدف، ثم تمرير المعلومة إلى سلاح الجو في توقيت محسوب للضربة الجوية التي نفذتها طائرة من طراز F-16 أطلقت قنبلة GBU-39 دقيقة التوجيه (وهي قذيفة صغيرة القطر تُستخدم عادة في المناطق المكتظة بالسكان).
وتضيف الصحيفة العبرية أن الطائرات المسيّرة كانت تراقب المنطقة منذ أيام، ولاحظت تحركات غير اعتيادية قرب المبنى، بينما التقطت ‘وحدة 9900’ المتخصصة في الاستخبارات الجغرافية، تغيرًا في نمط الدخول والخروج خلال 48 ساعة.
وبالإضافة إلى ذلك، كشفت ‘القناة 13’ أن إسرائيل حصلت على “معلومة بشرية دقيقة” عن وجود شخصية قيادية في المبنى، في حين ذكرت مصادر في جريدة ‘جيروزيلم بوست’ أن “اعتراض رسالة قصيرة مرتبطة بأحد مساعدي الحداد ساعد في التيقن من مكان وجوده قبل الضربة”، قبل أن يتم رفع توصية للمستوى السياسي الذي صادق على الاغتيال.
بينما قالت ‘القناة 12’ إن عملية الاغتيال “لم تستغرق سوى ثوانٍ بين تأكيد وجوده داخل الشقة وإطلاق القنبلة”.
وبعد تنفيذ الضربة -وفق رواية أحرونوت- تم استهداف سيارة غادرت المكان لضمان عدم فرار أي من معاونيه، وبحسب ضابط في لواء العمليات برتبة رائد أشير له رمزًا بالحرف “A”، فإن القوات الإسرائيلية اقتربت من الحداد في أكثر من مناسبة سابقة، لكنه “أحاط نفسه دائما بالرهائن الإسرائيليين مما حال دون استهدافه، ثم تغيرت المعادلة بعد الإفراج عن الأسرى في غزة”.
في الحسابات الإسرائيلية، لا تنبع أهمية عز الدين الحداد من موقعه القيادي فقط، بل من جمعه بين ثلاثة أدوار: التخطيط لهجوم 7 أكتوبر، وإعادة بناء منظومة القسام خلال الحرب، وإدارة خطوط الإمداد والاتصالات. وحسب ‘هآرتس’، فقد كان من القلائل الذين يمتلكون “صورة كاملة عن توزيع القوات داخل غزة”، فيما زعم نقيب في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن الحداد “كان منخرطًا في إدارة العمليات التكتيكية وبناء القوة، مع استمرار جهود التجنيد والتدريب حتى بعد وقف إطلاق النار”.
وتؤكد ضابطة برتبة ملازم في الاستخبارات العسكرية “أمان”، رُمز لها بالحرف “Y”، أن الحداد كان “يفهم العقلية والتركيبة الإسرائيلية بعمق بفضل تجربته في السجون وإجادته العبرية”. بينما تنقل ‘أحرونوت’ عن مسؤول إسرائيلي آخر أن بقاء الحداد على قيد الحياة لعامين ونصف العام أثناء حرب الإبادة وإدارته الخبيرة للمواجهات الميدانية “رفعا من مكانته داخل الحركة، خصوصًا في ملفات التفاوض”. ولعل هذا ما يفسر لماذا اعتبرت الاستخبارات الإسرائيلية أن الحداد لم يكن مجرد قائد ميداني، بل شخصية ذات ثقل أيديولوجي وتأثير مباشر على القرار السياسي لحماس.
ويتقاطع ذلك مع ما نقلته ‘الغارديان’ البريطانية على لسان مسؤول استخباراتي غربي بأن “الحداد كان أحد أهم الشخصيات التي حافظت على تماسك كتائب القسام خلال الحرب على غزة”.
ورغم قسوة الضربة لحماس، كتب المحلل العسكري المعروف ‘رون بن يشاي’ في تعليقه عبر ‘يديعوت أحرونوت’: “اغتيال الحداد ربما يمثل ضربة معنوية وتنظيمية للقسام، لكن التنظيم أثبت قدرته على تعويض خسائره القيادية بسرعة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى