رؤي ومقالات

الأب عطا الله حنا يكتب:حرب إيران

المشهد – إذا لم يكن مسرحياً ومحض خداع قبل الهجوم -يبدو كأن رجلين يتشاجران فوق حفرة مشتعلة.
ترامب يريد إغلاقها بسرعة، ونتنياهو يريد التأكد أنها ما زالت تحترق.
الرئيس الأميركي اكتشف أن إشعال الشرق الأوسط أسهل بكثير من إطفائه.
لهذا يقلب كل حجر. هدنة، ومفاوضات، ورسائل، وحتى ثلاثون يوماً مجانية لإيران بلا شروط تقريباً تمهيدا لاتفاق مفترض ، فقط كي لا تتحول الحرب إلى نسخة أميركية جديدة من الحروب التي تبدأ بخطاب قصير وتنتهي بورطة طويلة.
لكن المشكلة أن نتنياهو لا يريد صفقة أصلاً.
هو يريد صورة حسم كاملة. إيران مهزومة، والمنطقة تتصرف كأن إسرائيل – بالأحرى هو-أعادت كتابة الشرق الأوسط بالنار.
أما أن تنتهي الحرب والنظام الإيراني ما زال قائماً، والنووي عاد إلى التفاوض، والصواريخ ما زالت موجودة.
فهذه ليست نهاية حرب بالنسبة له. هذه فضيحة وبداية حساب.
ولهذا انفجر غضباً، كما قيل، عندما أبلغه ترامب بنيته توقيع وقف إطلاق نار وفتح مفاوضات حول هرمز والنووي.
المشكلة بالنسبة لنتنياهو ليست في تفاصيل الصفقة، بل في كلمة “توقف” نفسها.
وفي مكان ما، يبدو أن أمل نتنياهو الحقيقي معلّق الآن على مجتبى خامنئي.
أن يرفض التنازل وعروض ترامب، ويدفع الرئيس الأميركي في النهاية إلى العودة للضرب العسكري، لأنه لم يعد يملك خياراً آخر.
الرجل يعرف أن اللحظة التي تسكت فيها المدافع، سيبدأ السؤال داخل إسرائيل.
وماذا بعد كل هذا الخراب؟
٢- بن غفير هو وجه إسرائيل الحقيقي:
في إسرائيل، لم يغضبوا لأن النشطاء الأجانب أُهينوا وتم التنكيل بهم.
غضبوا لأن الكاميرات كانت تعمل.
إيتمار بن غفير ليس خطأً في النظام الإسرائيلي.
هو النسخة التي خرجت منه بلا مكياج دبلوماسي.
إذلال، وانتقام، وعنصرية، وتنكيـل بالأسرى والنشطاء والفلسطينيين عموماً، ثم الوقوف أمام الكاميرات بفخر كامل.
المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون معه كمهرج متطرف خرج من الهامش، بينما الحقيقة أن الهامش بعد السابع من أكتوبر ابتلع المتن كله تقريباً.
التيار الذي يؤيد تدمير غزة ويتعامل مع الفلسطيني كفائض بشري، لم يعد تياراً متطرفاً في إسرائيل.
بل المزاج العام، وهو يرتدي بدلة رسمية.
ولهذا صار بن غفير أخطر على صورة إسرائيل من آلاف النشطاء والتقارير الحقوقية.
أحياناً لا تحتاج الدول إلى من يفضحها. يكفي أن تتصرف بطبيعتها أمام الكاميرا.
٣- تبكير موعد الانتخابات في إسرائيل:
نتنياهو يتعامل مع الانتخابات كمقامر لا يريد أن تنتهي اللعبة الآن.
لذلك بدأ بنفسه مسار حل الكنيست، لكن بطريقة تسمح له بالتحكم بسرعة الانهيار.
يبطئ هنا، ويفاوض الحريديم هناك، ويترك الجميع داخل ضباب سياسي مقصود.
لكن اللعبة الحقيقية ليست الانتخابات نفسها.
اللعبة هي ما يريد إنجازه قبل أي سقوط محتمل. قضاء أضعف، وإعلام أكثر طاعة، ومؤسسات أمنية مليئة بالمخلصين له شخصياً.
في مكان ما، تبدو إسرائيل وكأنها تتحول تدريجياً من دولة لديها نتنياهو، إلى دولة أعاد نتنياهو تفصيلها على مقاس بقائه او هدم المعبد، فوق رؤوس الجميع ،اذا لم يتم ذلك .
٤- بعد انتخابات فتح وحماس: الناس
هناك شيء قاسٍ وساخر في الوقت نفسه، في استمرار السياسيين الفلسطينيين بالحديث عن “الاستحقاقات”، بينما غزة تحولت إلى شعب كامل، منكوب، يعيش تحت القماش.
الناس لا تبحث عن بيانات فصائل.
الناس تبحث عن ماء، ودواء، وخيمة لا تطير ليلاً.
وفي الضفة، يتحول الفلسطيني تدريجياً إلى إنسان يقضي يومه كله هارباً. من مستوطن، إلى حاجز، إلى اقتحام وأرضه تضيق به حد الاختناق.
المشهد أحياناً يبدو كأن شعباً كاملاً يعيش واحدة من أكبر كوارثه الحديثة، بينما نخبته السياسية ما زالت تتجادل بعقلية انتخابات اتحاد طلاب.
بعد كل هذا الخراب، ربما صار أكثر ما يحتاجه الفلسطيني ليس خطاباً ثورياً جديداً، بل شخصاً يتذكر أن البشر ما زالوا أحياء تحت الركام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى