كتاب وشعراء

حقائب برائحة الفراولة…بقلم غرام الجرموزي

كنت أظن، وأنا صغيرة،
أن الحياة تُقاس من شكل الساندويشات.

هناك أطفال يذهبون إلى المدرسة
وفي حقائبهم رائحة حب طازج،
وأطفال آخرون
يحملون الحزن في أكياس الخبز.

كنت أرى أمهات زميلاتي يستيقظن باكرًا،
بشعر مربوط على عجل
وعيون نصف ناعسة
لكنها مليئة بالحنان.
كنَّ يضعن مربى الفراولة على الخبز برفق
كأنهن يشكلن الطفولة نفسها.
يقطّعن الساندويشات إلى مثلثات صغيرة،
ويضعن معها حليب الفراولة،
ومنديلا،
ومصروف يومي لشراء طفولتي…
ثم يودعنهن عند باب المدرسة بقبلة
ويعدّلن أطراف المعاطف
ويمسحن فتات الخبز عن أفواههن الصغيرة
كأن العالم مكان آمن لا يستحق البكاء.

وأنا…
كنت أستيقظ وحدي.

أفتح عيني على صمت البيت الثقيل،
وأفتش في جيوب الصباح عن ابتسامة فلا أجدها.
أوقظ إخوتي الصغار واحدًا تلو الآخر،
أجهز فطورهم بيدٍ مرتجفة من النعاس،
أساعدهم في ارتداء ملابس المدرسة،
وأبحث عن جوارب ضائعة
وأربط حقائبهم
وأحاول أن أبدو كبيرة
رغم أن الطفولة كانت تسقط مني كل يوم.

كانت أمي نائمة دائمًا،
غارقة في تعبح أكبر من قدرتي على الفهم،
أما أبي
فلم يكن يسأل يومًا:
“ماذا تحبون أن تأكلوا؟”

ذلك السؤال وحده
كان رفاهية لا نملكها.

كنت أدخل المطبخ بهدوء
وأفتح الخبز البارد،
وأدهنه بالقليل من بقايا الفول المتبقية في حواف الصاج
ثم ألفّه بسرعة
كأنني أخفيني داخل الكيس.

لم أكن أحمله لأنني أحب الفول،
بل لأنني كنت أخاف الجوع.
آخذه معي كي لا تؤلمني معدتي أثناء الحصص،
كي لا يدور رأسي وأنا أراقب العالم من نافذة الفصل.

وفي الفسحة
كانت حقائب “لولو كاتي” تُفتح كحدائق وردية،
وتضجّ برائحة الفراولة والسكر،
وأصوات الضحكات الناعمة،
والأطفال الذين لم يعرفوا يومًا
كيف يبدو الحزن حين يرتدي زيًّا مدرسيًا.

أما أنا
فكنت أذهب خلف المبنى البعيد،
إلى المكان الذي لا يراني فيه أحد،
وألتهم ساندويشة الفول بلقمات سريعة
كأنني أخجل حتى من جوعي.

ثم أجلس وحدي
وأتخيل الطعم الذي لم أعرفه.
أتخيل مربى الفراولة وهي تذوب على لساني،
وأتساءل بحزن طفولي بسيط:
كيف يمكن لشيءٍ ورديّ إلى هذا الحد
أن يبدو بعيدًا هكذا؟

كبرت الآن،
لكن شيئًا داخلي لم يكبر أبدًا.

ما زالت عيناي تلمعان كلما رأيت علبة مربى فراولة
موضوعة على رف متجرٍ بارد،
بلاصقٍ وردي
وقلبٍ صغير مرسوم على الغطاء.

أقف أمامها طويلًا
لا لأنني أحب المربى فعلًا،
بل لأن الطفلة التي كنتهـا
ما زالت واقفة خلف المدرسة
تحمل خبزها البارد
وتراقب حقائب “لولو كاتي” بحسرة.

أحيانًا أشتريها الآن
وأعود بها إلى البيت
كأنني أعود متأخرة جدًا
لأعتذر لطفلةٍ
ظلت سنوات طويلة
تعتقد أن الفراولة
خُلقت لأطفالٍ آخرين.

انتهت..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى