رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : فخ إنتاج المآسي

في التقليد الأمريكي ما يعرف بسياسة ” الترقيع Patchwork Containment” عندما يصل نظام حليف او تابع الى طريق مسدود فتقوم الولايات المتحدة تحاشيا لانفجار أزمة ووقوع البلاد في يد حركة وطنية جذرية بسياسة دعم مالي وسياسي وعسكري وقروض دون علاجات هيكلية بل مسكنات لابقاء النظام على “قيد الحياة” ومنعه من الانهيار.
وعندما تفشل سياسة الترقيع والاصلاحات الشكلية مع النظام التابع والحليف، يتم الانتقال الى سياسة قطع الرأس للحفاظ على النظام Decapitation Strategy عندما يعجز رأس النظام من ادارة الازمات وعندما تنتهي صلاحيته ويصبح وجوده عبأ ولكي لا تتراكم تجري عملية الاطاحة به من خلال انقلاب أو اغتيال أو عملية استبدال بعميل جاهز ومزروع مسبقاً وتاريخ سري كما لو انه قادم من تاريخ مختلف مع حملة اعلامية واسعة للتأهيل ترافقها حملة قبض على بعض الفاسدين الصغار للترويج دون مساس بأسس النظام .
من أمثلة سياسات قطع الرأس والترقيع ما جرى في فيتام وكوريا الجنوبية والباكستان وتايلند والدومنيكان وفي العالم العربي وفي غيره: قامت امريكا بدعم رئيس فيتنام الجنوبية خلال الحرب الفيتنامية نغو دينه دييم بالمال والسلاح والجيش وتجاهلت دكتاتوريته لكنه عندما عجز عن ضبط الاوضاع قررت اغتياله عام 1953 مع شقيقه واستبدلته بقادة عسكريين موالين للولايات المتحدة.
في الباكستان ” الحليف المتعب” بسبب التركيبة الاجتماعية والدينية المعقدة، كانت سياسة الترقيع الامريكية تمارس بشكل مستمر للابقاء على النظام لكن عندما اكتشف الجنرال الرئيس ضياء الحق انه باكستاني تم اغتياله في حادث طائرة مدبر.
في تايلند الحليف المؤتمن للولايات المتحدة والمعروف بالانقلابات ــــــــــ 12 انقلابا منذ عام 1932 ــــــــــــــ كانت السياسة المتبعة هي الترقيع ولم تلجأ الى سياسة قطع الرأس لأن المؤسسة العسكرية التايلندية حليفة للولايات المتحدة وعدو الشيوعية.
في كوريا الجنوبية الحليفة للولايات المتحدة حتى اليوم تم اغتيال الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشونغ هي وهو عميل ذليل ورخيص في 26 أكتوبر 1979 من قبل وزير الدفاع الذي اطلق عليه النار من خلف طاولة الاجتماع وتنصيبه رئيساً لفشله في ضبط الأوضاع.
في بنما تولى الجنرال مانويل نورييغا السلطة بعد اغتيال الرئيس توريخوس بمساعدة المخابرات الامريكية ثم انتهت صلاحية نورييغا نفسه لاحقاً وتجتاح أمريكا بنما عسكرياً عام 1989 لاعتقاله كتطبيق آخر لقطع الرأس.
رومان ماغسيسه رئيس الفلبين العميل والمأجور الذي تم التخلص منه عام 1957 بعد تراكم الازمات،
اغتيال سالمون باندارانايكي رئيس وزراء سريلانكا عام 1959 بعد أن ” تنكر وكلاء المخابرات الامريكية” في زي رهبان خلال زيارة سالمون الى دير بوذي ليقتل على يد رهبان السي آي ايه وهو مأجور أمريكي براتب شهري.
قصة جنرال الدومنيكان الغريب الاطوار رافائيل تروخيو الذي حكم البلاد ثلاثة عقود بقبضة حديدية وحمل كل الالقاب وصوره في كل مكان وكان يحدث اعضاء مجلس الامن القومي عن مواعيد الدورة الشهرية لزوجاتهم وعندما تنتابه نوبة السلس البولي يلغي الاجتماع الوزاري، قصته تناولها الروائي البيروفي ماريا فارغاس يوسا في روايته” حفلة التيس” التي اشادت بها لجنة نوبل لأن يوسا” اعاد صياغة مفهوم السلطة” كنسق ثقافي وعقلية وليست فرداً.
تدور حفلة التيس عن جنرال الدومنيكان رفائيل تروخيو Rafael Leonidas Trujillo حامل كل الالقاب: الأب والمعلم والمنعم والقائد ومحبوب الشعب والخ.
سيطر على البلاد بقبضة حديدية من عام 1930 إلى أن تم اغتياله عام 1961 من قبل المخابرات الامريكية كما تثبت الوثائق السرية المفرج عنها وهرب القتلة الى السفارة الأمريكية وتذكرهم الصحف الأمريكية بالاسماء،
لفشله في ضبط الاوضاع وهو تقليد امريكي مستمر:
قطع الرأس بالاغتيال او الاستبدال والمظاهرات ضده وتلقيح النظام.
كره الجميع وعادى الدول المجاورة والبعيدة وحاصر شعبه بالحديد والنار وحاسب على الاحلام والنوايا حتى قيل إن أسوأ ما يصاب به المواطن في زمنه أن يكون شريفاً وذكياً.
كره الكنيسة، والهاييتين، والفنزويليين، والكوبيين وغيرهم ـــــــــــــ نسخة طبق الاصل من جنون صدام حسين ـــــــــ رغم انه يؤمن ان الله اختاره لمهمة مقدسة وكان ابنه الأكبر الفاسد سبب له الكثير من المتاعب.
لكن الجنرال وهو عميل أمريكي براتب شهري انشغل بحياته الخاصة في ايامه الاخيرة ونسي انه اداة استعمال مؤقتة ومكنسة تنظيف،
وصار في اجتماعات مجلس الامن القومي والوزراء يشرح للحضور مواعيد الدورة الشهرية لزوجاتهم، وخصائص كل واحدة في الفراش، كما أنه عندما يصاب بنوبة سلس بولي يلغي الاجتماع فوراً،
حتى دبرت له الولايات المتحدة عملية اغتيال من اربعة اشخاص عملاء سي اي ايه قتلوه في الشارع،
واختبأوا في السفارة الأميريكية وتذكرهم الصحف الامريكية بالاسماء
بعد رفع السرية عن الوثائق.
دقق ماريا يوسا في الوثائق المتعلقة بالاغتيال وجعلها خلفية التخيل واعاد صياغة الدكتاتورية كنسق ثقافي وعقلي وليست ظاهرة فردية كما نفعل نحن في الاختزال: يموت دكتاتور ويأتي آخر لأن العقل السياسي نفسه والبيئة نفسها.
على عكس سياسة الترقيع وقطع الرأس للنظم التابعة الحليفة والحفاظ على النظام، يجري تغيير واسقاط النظم” غير المنضبطة” وغير الموالية للغرب وامريكا ـــــــــــــــــ سواء كانت ديكتاتورية أم شرعية ــــــــــ بحجة اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان وتركيب انظمة موالية وحليفة وتابعة كما حدث في العراق وسوريا وليبيا وفي تشيلي عام 1973 باسقاط وقتل الرئيس الشرعي سلفادور الليندي والزعيم قاسم في عام 1963 في العراق و الانقلاب على الدكتور مصدق في ايران عام 1953 لتأمينه النفط وتصفية الحساب معه بطرق “طبية” وفي دول أخرى.
عملية الترقيع مستمرة في العراق أمام شعب فقد ذاكرته القريبة وفقد حلقات السلسلة والربط بينها ويعتبر كل حدث جديدا بعد أن تم وضعه في دوامة ومتاهة منظمة منذ الاحتلال وفي كل مرة يعيدون عليه اللعبة نفسها ويصدق انه سيحصل على نتائج مغايرة: إنه فخ إنتاج المآسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى