
السلام عليكم
56- ” إِنْ شُفْتْ أَعَمَى دِبُّهْ , وِخُدْ عَشَاهْ مِنْ عِبُّهْ , مَانْتَشْ أَرْحَمْ مِنْ رَبُّهْ ” .
• مَضْربُه : يُضربُ هذا المثلُ في الدعوة إلى التنكيل بالمعاقين والضعفاء وذوي الحاجة بادعاء أن الله تعالى لم يرحمهم عند ابتلائه لهم ولا يوجد من هو أرحم عليهم منه .
• مَا يُوْخَذُ عَلَيْه : يُؤخذُ على هذا المثل أنه ( مغلوط عقديًّا , واجتماعيًا , وإنسانيًا ) ؛ حيث يدعو الى معاملة المعاقين والضعفاء وذوي الحاجة معاملة غير إنسانية تخلو من الرحمة والعطف والشفقة , وتعلن أن صاحب هذا المثل وقائله والعاملين به ليسوا بشرًا , وليست لهم بين أضلاعهم قلوب يشعرون بها أو يستشعرون , بل هي حجارة قاسية , أو أشد من الحجارة قسوة , وليست لهم في رؤوسهم عقول يعقلون بها أو يتعقلون , بل هي ليال مظلمة , أو أشد من الليالي ظلمة , وذلك ما دفعهم دفعًا- دون تدبر أو تفكر – إلى الظن بأن الله – سبحانه وتعالى – غير رحيم بهؤلاء , واستدلوا في مثلهم هذا بطبيعة خلقه لهم هكذا : معاقين أو ضعفاء أو مرضى أو فقراء ورمزوا لهم فيه بكلمة ( الأعمي ) , ولم يعلموا أن الله تعالى خلق هؤلاء هكذا ليتعظ بحالتهم الأسوياء والأصحاء ويحمدوا الله الذي عافاهم مما ابتلى به غيرهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا , ثم يسعوا جاهدين لتقديم المساعدات المادية والمعنوية لهم تقربًا لله عز وجل حتى يتحقق التكافل الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية فقال الله تعالى : ” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ……. ” ( التوبة:60) , وقبل هذه المساعدات وتلك الاهتمامات لابد أن يتزينوا عند معاملتهم والتعامل معهم بالبسمة الرقيقة والكلمة الرفيقة التي هي خير من الصدقة المتبوعة بالأذى ؛ فالله تعالى يقول : ” قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( البقرة : 263 ) , وقد خلق الله تعالى هؤلاء هكذا – رغم قلة عددهم قياسًا بعدد الأسوياء على مستوى البشرية – ليكون ذلك دليلًا على قدرته عز وجل ؛ فلا يعرف الجمال إلا بالقبح , ولا الصحة إلا بالمرض , ولا الكمال إلا بالنقص , ولا الغنى إلا بالفقر , ولا النور إلا بالظلمة …… .
– وقد عوضهم ربُّ العزة – جلَّ وعلا – عن إعاقتهم البصرية أو السمعية أو الحركية أو الذهنية أو غيرها بأمور أخرى ربما تكون الأقوى والأسمى في حياتهم , فجعل منهم العلماء والأدباء والمشاهير , وجعلهم مركز اهتمام العالم المتحضر أجمع ؛ فسنوا لهم القوانين التي تخدمهم طوال حياتهم في مجال التعليم , والعمل , والحياة الكريمة , ثم جعل إعاقاتهم هذه رخصة لهم في كثير من الأمور الفقهية والدينية , ثم يدخلون الجنة وذووهم – برحمة الله وصبرهم – إن شاء الله ؛ فقال الله تعالى : ” لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ” ( النور:61 ) , وقال عزَّ وجلَّ : ” لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )التوبة :91) ,
– وقد تكون هذه الحالة التي خلقهم الله تعالى عليها رحمة من الله بهم وبغيرهم فالله – جل وعلا – بعلمه الأزلي المطلق اللا محدود علم أن هؤلاء المعاقين والضعفاء لو خلقهم معافَيْن أقوياء لتكبروا وتجبروا , وفعلوا بالبلاد والعباد ما لا يجوز لهم أن يفعلوا , فأوجدهم هكذا ليكون المنع في حقهم عطاء , وتكون حالتهم هذه خيرًا لهم ولغيرهم من حالة السواء ….. ، وهكذا حال أصحاب التشوّهات الخلقية والانحرافات السلوكية ؛ فإنّ للعيوب والنقائص أسباباً اقتضت ظهورها في أصحابها طبقاً لحكمة الخلق، وليس بالضرورة أن تكون تلك الأسباب كلّها منحصرة بالأسباب الطبيعية ، وليس بالضرورة كذلك أن تكون كلُّها منكشفة لنا ، ومع ذلك يجب الإيقان بأنّها حصلت طبقاً للحكمة من دون أن يكون ذلك قادحاً في عدله – عزّ وجلّ – ورحمته ، فالله تعالى عادل رحيم ولا يمكن أن نتصوّر عكس ذلك .
• وتصويبُ المثل أن نقول : ” إِنْ شُفْتْ أَعْمَى حِبُّهْ , وِزِيدْ عَشَاهْ فِي عِبُّهْ , مَانْتَشْ أَعْلَمْ مِنْ رَبُّهْ ” .