رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :العاصمة الإدارية الجديدة

"قراءة نقدية في أولويات التنمية وأثرها على جيب المواطن البسيط"

شهدت البيئة الاقتصادية والاجتماعية في مصر على مدار العقد الماضي تحولات جذرية تزامنت مع إطلاق المشروعات القومية العملاقة، وعلى رأسها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة. ورغم تسويق المشروع رسمياً باعتباره قفزة نحو “الجمهورية الجديدة” وأداة لتحديث بنيان الدولة، إلا أن القراءة الاقتصادية والمجتمعية ترى فيه نموذجاً مأزقياً لـ”سوء ترتيب الأولويات”، حيث تسبب هذا الإنفاق الإنشائي الضخم في تعميق الأزمات المعيشية للمواطنين، لا سيما الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي باتت تتحمل الكلفة الكبرى لهندسة هذا المشروع.
فيما يلي تفصيل للمرتكزات النقدية والآثار السلبية التي خلّفها المشروع من المنظورين الاقتصادي والاجتماعي مدعومة بالبيانات والأرقام المتاحة:
1. الأثر الاقتصادي: تعميق المديونية وتأجيج نيران التضخم
ترتكز الرؤية النقدية للمشروع على أنه كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الضغوط العنيفة التي تعرض لها الاقتصاد الكلي، والتي انعكست في المؤشرات التالية:
* تفاقم الدين الخارجي:
بالرغم من التأكيد المتكرر على أن “شركة العاصمة الإدارية” لا تعتمد على موازنة الدولة، إلا أن البنية التحتية اللوجستية وشبكات النقل والمرافق الخدمية الضخمة التي تغذي المدينة جرى تمويلها عبر قروض دولية عملاقة بضمانة وزارة المالية (أي بضمانة الشعب والموازنة العامة).
على سبيل المثال، تم تمويل مشروع “القطار الكهربائي الخفيف (LRT)” بقرض صيني بلغت قيمته نحو 1.2 مليار دولار،
ومشروع “المونوريل” بقرض دولي تجاوز 2.5 مليار دولار، مما ساهم في قفز الدين الخارجي لمصر ليتجاوز مستويات 160 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، ليصبح سداد أعباء هذه الديون المستهلك الأول لموارد الدولة من النقد الأجنبي.
* دوامة التضخم المستورد وانخفاض الجنيه:
تطلب تشييد العاصمة بمظاهر فخامتها (الحي الحكومي، البرلمان الجديد، النهر الأخضر، الأبراج ناطحات السحاب) استيراد كميات هائلة من المكونات التكنولوجية، وأنظمة التحكم الذكية، ومواد التشطيب الفاخرة، والمعدات من الخارج بالنقد الأجنبي.
هذا الطلب الكثيف والمستمر على الدولار تسبب في استنزاف موارد النقد الأجنبي، وشكّل ضغطاً كبيراً على الجنيه المصري الذي فقد جزءاً كبيراً من قيمته في موجات تعويم متتالية. تراجع الجنيه دفع بمعدلات التضخم السنوي لتقفز في بعض الفترات إلى مستويات قياسية تخطت الـ 35% إلى 40%، وهو ما تُرجم مباشرة إلى غلاء فاحش في أسعار السلع الأساسية كالغذاء والدواء والطاقة.
* حبس السيولة في “مبانٍ غير إنتاجية”: يرى خبراء الاقتصاد المعارضون أن توجيه مئات المليارات من الجنيهات (نحو 700 مليار جنيه أُنفقت على المرافق والبنية التحتية وحدها بحسب بيانات شركة العاصمة) نحو قطاع العقارات والتشييد هو خيار اقتصادي معيب في أوقات الأزمات. فالقطاع العقاري يُعد قطاعاً مستهلكاً للمال وغير مولّد لتدفقات دولارية مستدامة (على عكس الاستثمار المباشر في الصناعة التحويلية أو الزراعة أو التكنولوجيا). حبس السيولة في الخرسانة خلق طفرة مؤقتة في قطاع المقاولات، لكنه انتهى بترك الاقتصاد مكشوفاً أمام الصدمات الخارجية لعدم وجود إنتاج حقيقي للتصدير يقلل الفجوة التمويلية.
2. بيع أراضي الشعب: تسييل الأصول الوطنية ودورة الأرباح المغلقة
تتعرض آلية إدارة وبيع الأراضي في العاصمة لنقد لاذع من زاوية عدالة التوزيع والمصلحة العامة:
* حرمان الموازنة العامة من الإيرادات المباشرة: الأرض في الأصل هي ملكية عامة للشعب (أراضٍ أميرية صحراوية). وبموجب القرار الجمهوري، نُقلت ملكية هذه المساحة الشاسعة (170 ألف فدان) إلى “شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية” (ACUD). هذه الآلية جعلت عوائد البيع والمبالغ الطائلة الناتجة عن تسعير المتر بآلاف الجنيهات للمطورين العقاريين وأثرياء الخليج، تتدفق مباشرة إلى ميزانية الشركة الخاصة وحساباتها البنكية، وليس إلى الموازنة العامة للدولة بشكل مباشر لدعم بنود الصحة والتعليم والخدمات.
* دائرة الأرباح المعزولة: حققت شركة العاصمة أرباحاً صافية بلغت نحو 26 مليار جنيه بعد الضرائب في عام 2024. ورغم أن الشركة تسدد ضرائب لوزارة المالية، إلا أن الجزء الأكبر من الأرباح الرأسمالية والمبيعات وهي من حق الشعب صاحب الأرض الأصلي يُعاد تدويره داخل المشروع نفسه لترفيق المراحل الجديدة (المرحلة الثانية والثالثة) وبناء المزيد من المنشآت الفاخرة، أو تذهب كحصص توزيعية للمساهمين في الشركة (هيئة المجتمعات العمرانية وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهاز أراضي القوات المسلحة). هذا يعني أن “أرض الشعب” تُباع لتُدر أرباحاً تُصرف في ذات النطاق الجغرافي المعزول، دون أن يرى المواطن البسيط في الصعيد أو الدلتا عائداً ملموساً يرفع من مستوى معيشته اليومية أو يرمم وحدته الصحية المتهالكة.
* الحكومة مستأجر يدفع للشعب (من جيب المواطن): المفارقة الاقتصادية التي يبرزها الناقدون هي أن الحكومة انتقلت للعمل في الحي الحكومي بالعاصمة ليس بالمجان، بل أصبحت تستأجر هذه المقرات من شركة العاصمة بقيمة تصل إلى نحو 6 مليارات جنيه سنوياً. هذه المليارات تُدفع من أموال دافعي الضرائب (الموازنة العامة للدولة) لتذهب إلى خزينة شركة العاصمة، مما يمثل عبئاً إضافياً على الموازنة بدلاً من أن تكون العاصمة مصدراً لتخفيف النفقات.
3. الأثر الاجتماعي والمباشر على المواطنين الفقراء ومحدودي الدخل
المواطن البسيط الذي يكافح يومياً لتأمين لقمة العيش وجد نفسه في مواجهة آثار اجتماعية قاسية لهذا المشروع:
* الفرز الطبقي والاغتراب المكاني: متوسط أسعار الوحدات السكنية في العاصمة الإدارية يعيش في فلك الملايين (تبدأ الوحدات الصغيرة من أرقام لا يمكن للمواطن العادي تخيلها)، مما جعل المدينة حكراً على الطبقة فوق المتوسطة، والأثرياء، والمستثمرين الأجانب. هذا الأمر رسّخ حالة من “الطبقية الجغرافية”، حيث يشعر ملايين المواطنين الذين يرزحون تحت خط الفقر أو يقتربون منه بالاغتراب عن عاصمة بلادهم الجديدة، ويرون فيها مشروعاً أُقيم لرفاهية شريحة محدودة على حساب احتياجات الأغلبية.
* مظاهر البذخ في بيئة تقشفية: بناء أكبر مسجد، وأكبر كنيسة، وأطول برج في إفريقيا (البرج الأيقوني)، وحي سكني مصمم على الطراز الروماني أو الفرنسي، يمثل استفزازاً بصرياً واجتماعياً للمواطن الذي تُطالبه الدولة بالتقشف وتحمل إجراءات رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والخبز.
يرى الناقدون أن هذه المظاهر تعكس غياب فقه الأولويات؛ فتكلفة صيانة وتأمين هذه الصروح العملاقة كانت تكفي لإقامة آلاف الفصول الدراسية لحل أزمة تكدس الطلاب، أو تجهيز غرف العناية المركزة في المستشفيات الحكومية التي تعاني نقصاً حاداً في المستلزمات الأساسية.
* كلفة الانتقال ومشقة الخدمات الجغرافية: مع نقل المقرات السيادية والإدارية للوزارات إلى العاصمة، أصبح المواطن أو الموظف الصغير يواجه جداراً مالياً وجسدياً إذا اضطرته الظروف لإنهاء معاملة لا تتوفر في الفروع الرقمية.
تبعد العاصمة حوالي 60 كم عن وسط القاهرة، وتكلفة الانتقال إليها عبر وسائل النقل الحديثة (كالمونوريل أو القطار الكهربائي LRT) تمثل رقماً ضخماً بالنسبة لـ”يومية” عامل أو راتب موظف بسيط، فضلاً عن الوقت والجهد الضائعين في السفر عبر الصحراء للحصول على خدمة كان يمكن توفيرها بتبسيط الإجراءات في المدن القائمة دون الحاجة لتهجير المؤسسات.
خاتمة
تخلص الرؤية المعارضة إلى أن العاصمة الإدارية الجديدة، وبغض النظر عن جودتها التصميمية أو تطلعاتها المستقبلية، أُقيمت في “الزمن الخطأ وبكلفة تفوق قدرة الاقتصاد المصري”. لقد تحولت الأرض – التي هي ملك للمواطنين جميعاً – إلى سلعة استثمارية تُباع لتمويل مشروعات عقارية فاخرة، في حين تُرك المواطن البسيط ليتحمل فواتير هذا التوسع الإنشائي من خلال تآكل مدخراته، وانخفاض قوته الشرائية، وزيادة الأعباء المعيشية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى