
في هذا السياق نرى مشاريع التطبيع بين إسرائيل والدول العربية منذ أواخر سبعينات القرن الماضي حتى الآن بوصفها جزءا لا يتجزأ من تطور المشروع الصهيوني والانتقال من مرحلة إقامة الدولة إلى مرحلة نشر النفوذ وتحقيق الهيمنة وبناء مكانة للدولة على المستوى العالمي. ومن المدهش أن تأسيس النفوذ ونشره لا يتوقفان عند حدود الدول العربية المجاورة كما كان يرى بن غوريون وغولدا مائير، وإنما يمتد طموح التطبيع الآن إلى الدول الإسلامية من إندونيسيا وباكستان في آسيا إلى دولة البوسنة والهرسك في شرق أوروبا. ويمثل التطبيع في جوهره شكلا منظما من أشكال النفوذ الإسرائيلي الممتد في داخل الطرف الآخر بعد أن اقتربت إسرائيل من ابتلاع النسبة الأعظم من الأرض الفلسطينية بالاحتلال…
المرحلة الأولى من مراحل التطبيع سجلت ارتباطا مع الانسحاب من أرض محتلة وإنهاء الاحتلال كما حدث في أول معاهدة للسلام بين إسرائيل ودولة عربية هي مصر. وقد اعتبرت القيادة المصرية في ذلك الوقت أن خطورة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء أكبر من خطورة إقامة علاقات مع إسرائيل. وكانت وجهة نظر الرئيس المصري الراحل أنور السادات أن استعادة الأرض المحتلة واجب قومي مهما كان المقابل، لأن العلاقات يمكن التحكم فيها على العكس من الاحتلال الذي ينفي وجود السيادة الوطنية تماما في المنطقة المحتلة. وخلال مفاوضات التطبيع وإعداد مذكرات التفاهم بين القاهرة وتل أبيب وضعت الأولى من الحواجز والقيود على التطبيع ما جعل الثانية تدرك أن أحلامها في إقامة وتوسيع العلاقات مع مصر كانت مجرد سراب. في هذا السياق وصف الإسرائيليون العلاقات مع مصر بـ «السلام البارد». واستغرقت المرحلة الأولى من التطبيع مع مصر والأردن أكثر من عقدين من الزمن، لم يتحقق فيها ما كانت تسعى إليه إسرائيل. واقتصرت العلاقات بين إسرائيل ومصر على تجارة محدودة قيمتها ملايين الدولارات حتى بدأ عصر صفقات الغاز المليارية، وكذلك الحال تقريبا مع الأردن. وقد رأت الولايات المتحدة من ناحيتها انها يجب ان تتدخل لإنقاذ للتطبيع بتقديم حوافز لزيادة التجارة بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، فأنشأت ترتيبات المناطق الاقتصادية المؤهلة للحصول على إعفاءات جمركية في سوق للولايات المتحدة المعروفة اختصارا باسم «كويز» لتشجيع التجارة المتعددة الأطراف بين كل من مصر والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة….
قامت المرحلة الثانية من التطبيع على أساس مبدأ نتنياهو «السلام مقابل السلام» ما يعني أن إسرائيل تحصل بلا مقابل على نفوذ كبير في جميع نواحي الحياة مع دول عربية خليجية، منها حتى الآن دولة الإمارات العربية ودولة البحرين. وتحقق ذلك من خلال اتفاقيات أبراهام التي تم توقيعها في واشنطن تحت رعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020 وشارك في التوقيع عليها ممثلون عن حكومات الإمارات والبحرين والمغرب والسودان وإسرائيل والولايات المتحدة. ومع توقيع ما يسمى «الاتفاقيات الإبراهيمية» سقط مبدأ الربط بين التطبيع والانسحاب الإسرائيلي من الأرض الفلسطينية المحتلة، ما يساعد على تطوير علاقة إسرائيل بالدول العربية والإسلامية بوصفها دولة طبيعية تتمتع بحق السعي لإقامة علاقات متعددة الأطراف مع الدول العربية والإسلامية من دون مطالبتها بإنهاء احتلال الأرض الفلسطينية أو أراضي الدول المجاورة.
وتجسد العلاقات بين إسرائيل ودولة الإمارات نموذجا جديدا من نماذج تطبيع العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، يُسقِط العلاقة بين التطبيع والانسحاب من الأرض الفلسطينية وغيرها من الأراضي العربية المحتلة، كما يقيم إطارا مؤسسيا للعلاقات المادية وغير المادية المتعددة الأطراف مع إسرائيل، ويؤكد تغلغل النفوذ الإسرائيلي إقليميا، كما يساعد على إقامة ترتيبات إقليمية جديدة تذوب فيها الهوية العربية والإسلامية في قلب المشروع الصهيوني من خلال برامج تعديل الأنظمة التعليمية وإعادة كتابة التاريخ، ويؤسس لإقامة قاعدة إقليمية للمصالح الاقتصادية المشتركة تحت النفوذ الإسرائيلي، وترويج المشروعات الإقليمية الإسرائيلية التي تربط دول المنطقة بالعالم من خلال إسرائيل لوجستيا وتكنولوجيا وثقافيا مثل مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عن طريق البحر المتوسط. هذه الملامح تختلف إلى حد كبير عن التطبيع الذي أقامته مصر أو الأردن مع إسرائيل في المرحلة الأولى من التطبيع…
وتعتبر اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة عام 2022 التي دخلت حيز التنفيذ في العام التالي أهم الملامح التنظيمية للعلاقات الاقتصادية بين البلدين منذ بداية التطبيع، حيث انها تغطي كل جوانب العلاقات التجارية تقريبا، وتتضمن إلغاء أو خفض التعريفات الجمركية على أكثر من 96 في المئة من بنود التعريفة الجمركية. وتنص الاتفاقية على فتح أسواق الخدمات في البلدين بما في ذلك قطاعات التمويل والتأمين والاقتصاد الرقمي والمكاتب السياحية وتيسير حركة التجارة والاستثمار والتعاون التكنولوجي. وتتوقع الإمارات أن تتجاوز قيمة التجارة الثنائية 10 مليارات دولار في غضون خمس سنوات بموجب الاتفاقية. وتستند الشراكة الاقتصادية إلى مزيج من رأس المال الإماراتي والخدمات اللوجستية والوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا والابتكار الإسرائيليين، مدعومين باتفاقية تجارة حرة شاملة وتدفقات استثمارية كبيرة. أما المرحلة الرابعة فإنها بدأت مبكرا بالاتفاقية الرباعية بين كل من الولايات المتحدة والهند وإسرائيل ودولة الإمارات التي تهدف إلى إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط يمثل جسرا للعلاقات الاقتصادية بين آسيا وأوروبا «u2i2»، هذا النظام الذي تساعد الولايات المتحدة أيضا على إقامته يجعل إسرائيل بمثابة المركز اللوجستي والمالي والتكنولوجي الذي تمر منه علاقات المنطقة بالعالم، ومنافسا لمبادرة «الطوق والطريق» الصينية التي تسعى لإحياء طريق الحرير التجاري القديم مع إضافة ممرات بحرية تشمل طريقا عبر البحر الأحمر إلى إيلات ومنها عبر طريق بالسكك الحديد إلى البحر المتوسط…
الإمارات وإسرائيل اتفقتا على تأسيس صندوق مشترك للاستثمار في الصناعات العسكرية، بما في ذلك الاستحواذ على شركات إنتاج الأسلحة والذخائر، وتمويل أبحاث تكنولوجية لإنتاج أسلحة جديدة، وشراء براءات الاختراع الممكن استخدامها في تطوير وإنتاج أسلحة جديدة. ويمثل هذا الصندوق ذروة جديدة للتعاون العسكري الإسرائيلي – الإماراتي الذي تتشكل من خلاله معادلة جديدة للتفاعل بين الطموحات المالية الإماراتية والقدرات التكنولوجية الإسرائيلية. وتسهم صناديق الثروة السيادية بدور كبير في تنشيط وزيادة الاستثمارات المشتركة. على سبيل المثال أعلنت أبو ظبي عن صندوق استثمار عام بقيمة 10 مليارات دولار لقطاعات مثل الفضاء والطاقة. كما استثمر الصندوق السيادي «مبادلة» حوالي 100 مليون دولار في شركات الاستثمارات المالية الإسرائيلية. وفي مجال المشتريات الدفاعية، من المعتقد أن الإمارات العربية المتحدة كانت هي الدولة المشترية في صفقة بقيمة 2.3 مليار دولار مع شركة الدفاع الإسرائيلية العملاقة إلبيت سيستمز. وبذلك فإن ملامح نموذج التطبيع الاقتصادي الإسرائيلي مع الإمارات تتمثل في أنه يسقط الحق الفلسطيني في الدولة، ويتغاضى عن جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد الشعب الفلسطيني، وأنه ليس مجرد علاقة ثنائية وإنما يعبر عن علاقات شبكية متعددة الأطراف، وأنه يمثل انفتاحا لإسرائيل على البلدان العربية والإسلامية المحيطة بها والقريبة منها، وانه البوابة الجديدة لتسهيل إقامة نظام للهيمنة الإقليمية الإسرائيلية.