
لستُ أُمًّا،
ولكنّي أقفُ كلَّ مساءٍ أمام باب البيت
أنتظرُ أن يعودَ لي قلبي
بمحفظةٍ مُثقلةٍ بدروسِ الحياة.
قلبي أوّلُ ٱبنٍ رزقني به الله،
من شدّة خوفي عليه
لا أسمحُ له باللّعبِ بعيدًا عن صدري،
أغيّرُ بيجامتهُ كلَّ ليلة
حتّى لا تتّسخَ قدرته على الحُبّ.
حالما برز ضرسهُ الأوّل،
تذمّر كلُّ أحبّتي السّابقين من آثارِ العضّ
على مشاعرهم !
لستُ أُمًّا مثاليّة،
يحدثُ أن أنسى مثلاً أين وضعتُ الجوارب.
أفتحُ فمي لأتأكّدَ من مكانها،
فيسقطُ لساني
مثل جوربٍ طويلٍ ومثقوب
من كثرةِ ما ركضَ في أزقّةِ اللّغة.
لم أكن أريد التّورُّطَ في الأُمومة،
لكن ثمانٍ وعشرونَ طفلاً
كانوا ليتشرّدوا لو لم أَبْنِ لهم حضانةً
داخل دفتري !
يحدثُ أيضًا أن أحرقَ الفطور
لأنّه من غير الأدب أن أُقاطعَ طنجرة النّحاس
عن نوبةِ بُكائها
كلّما وضعتُها على الموقد.
و أحيانًا أخرى،
أنسى أن أطفئَ النّار على يومي
قبل أن أخرجَ للعمل
فأعودُ لأجدهُ كتلةً من الفُرص الفاسدة.
لا أعرفُ كيف أحافظُ على نظافةِ المواعين:
تتراكمُ الكلمات المُتّسخة في رأسي
بينما ينتظرُ منّي العالم أن أقدّمها له
مجلُوّةً من الحقيقة.
سلّةُ الغسيل لا ثيابَ فيها
إلاّ كومةُ الأسماءِ المُتعرِّقة
التي ألبسني إيّها القِدّيسون:
أحيانًا، أمدّ يدي
فأسحبُ “عاهرة” من قاع السّلّة
وعليها بقعةٌ أخلاقيّة.
و قبل الخروج من البيت،
أفتحُ دولابي لأنتقي تنسيقة
فتتكركبُ “سافلة” من تحت الدُّرج
بحمّالاتٍ مُرتخية.
عكس كلّ الأمّهات، لستُ خبّازةً بارعة:
أعصبُ رأسي بغلافِ المُعجم
و أشرعُ في قرص كُراتِ العجين،
فيتوجّعُ الكلام اللّازقُ بأصابعي.
ليست الخياطة إحدى مهاراتي أيضًا،
لكنّني إحدى ساحراتِ المجاز:
“بيبيدي بوبيدي بو”
وإذا بي أُخْرِجُ قفّازًا أو قلنسوّةً من حلقي
كلّما ٱشتدّ صقيعُ الوحدة.
تذكّرتُ منذ قليلٍ أمّي
و هي تنطرني من المدرسة كلَّ مساء
إلى أن عدتُ لها شاعرةً ذات يوم
وكفّي قابضةٌ على حفنةٍ من الاستعاراتِ الطّريّة،
فأقصتني من الدّراسةِ مُباشرة.
“ستصيرينَ أُمًّا!” صرختْ في وجهي.
وفعلاً هذا ما حصل.
وإلاّ لِمَ كلُّ هذا البُكاءِ القادمِ من قصائدي؟