
ـــــــ “الكتابة ليست اعترافاً، بل هي وسيلة لتحويل التجربة المعاشة إلى وعي دائم.”* أندريه مالرو، مفكر وروائي فرنسي.
ولد الذئب بعد الاحتلال كما بشرنا قبل الحرب عام 2000 بولادة:” سنوات الحريق” وكل ما نكتبه وجهة نظر بلا اقناع احد ولا وعظ في منعطف من تاريخ شعب. الكتابة تحرر الكاتب قبل أن تحرر القارئ. القارئ الذي لم توقظه قنابل ذرية موضعية في مطار بغداد واطنان القنابل في العراق وكل تلك الحروب لا توقظه الكلمات.
هناك اتفاق شبه تام في اخر المطاف على وجود خراب لكننا نختلف حول متى بدأ وكيف وأين سينتهي؟
خلال الاعداد لرواية” ولادة الذئب” في الفترة بين 2011 ـــ 2021 أكثر من 50 الف جريمة قتل وسرقة وسطو وانتحار حقيقي او قتل مموه واغتصاب من غير الاغتيالات السياسية من غير قتلى الارهاب قبل ذلك التاريخ.
كل هذه الجرائم والفظاعات والسرقات التي صدمت قارات العالم، كل التحولات العاصفة في الوطن والعالم، منسية من شعب لا يتذكر إلا قصة حب نقية كخرق للاخلاق التي لا وجود لها الا في الاناشيد والمواعظ وفي الخطابات.
أرقام وأحصائيات من سجلات مستشفيات ومديريات شرطة ومنظمات حقوقية والرقم الحقيقي اكبر من ذلك حتى صارت مكبات النفايات مكانا لرمي الجثث
في حين أن جريمة قتل بريء واحد تكفي للاحتجاج ومع ذلك هناك من يقول ان الصورة ليست قاتمة وهناك نصف الكاس الملآن وهناك السلبي والايجابي والابيض والاسود والخ هراء العقل الساذج المسطح ،
من غير قتلى الامراض التي اختفت من العراق وقتلى التلوث وفقدان شروط حياة حقيقية ومجتمع في الطريق الى الابادة الصامتة وحروب تغيير الطقس وحشرات غريبة وادوية منتهية الصلاحية وتماسيح في الانهار لكننا نرى فقط الحروب المسلحة.
في الأعوام بين 2017 ـــ 2023 قتل أكثر من عشرة آلاف أغلبهن من النساء خنقاً بالشال أو الحرق في حمام او القتل بالرصاص والزعم انه انتحار،
وهناك من الاطباء الانذال من يكتب تقريرا مزيفا عن انفجار قنينة غاز كحالة حرق فتاة سجلها طبيب مستشفى الزعفرانية مع شرطة المنطقة مقابل 8 الاف دولار في تموز 2016 وهي حالة شائعة وفي حالات يقوم الزوج بقتل زوجته من اجل عشيقة او لسبب اخر ويدعي الانتحار او العكس تتفق الزوجة مع عشيق على قتل الزوج في سقوط أسري غير مسبوق.
في مقبرة خارج السليمانية تسمى” مقبرة المنبوذات ” (تلّة سيوان 1) وتسمى باللغة الكردية (ئارامكاى ژیان، أي مستقر الحياة )
أكثر من آلف امرأة بينهن قاصرات وطفلات دون العاشرة بلا أسماء على القبور ولا عناوين وحتى أطفال رضع تم خنقهم حسب العرف القبلي والارقام الرسمية تحت اليد بالتفاصيل من منظمات نسوية كردية وهناك الكثير. في الجنوب في الصحراء هناك مقبرة تسمى بـ”تلال المخطئات” أو “إيشانات” بلا شواهد ولا اسماء. حرب سرية وتواطؤ صامت. أين هو الأدب من هذه الابادة الصامتة بدل الحذلقة والابهار السطحي بالعناوين والتقعر والتمشدق والتمادح المتبادل؟
كثيرون ” أدمنوا” على هذه الجرائم دون وعي ان هذا الادمان هو مرض وليس دليل صحة ، وبمنظار مغبر تلوح الصور مغبرة. لقد فرض الوضع المريض معاييره بالقوة والتكرار واي ظاهرة تتكرر تصيب الناس ما يسميه علماء الاجتماع بالعمى الاجتماعي والمجتمع المريض لا يتساهل مع من لا يستعمل مقاييسه.
في هذه المتاهة من الدم والرماد النجاح الحقيقي الوحيد ألا تموت عبثاً، ألا تنتظر إطراءً ممن يفتقد للاحترام الذاتي وتقدير الذات وليست لديه صورة ذاتية عن نفسه كحيوان يتشاجر مع صورته في المرآة، فكيف يراك من الداخل بمرايا مشوهة ومعطوبة اذا كان لا يرى نفسه ولا يعرف من هو؟
بتعبير هرمان هيسه” بعض البشر يرون في شجاعتك وثقتك بنفسك تهديداً لهم.”
الذين تعايشوا مع انماط وقوالب وفي ظلام روحي لا يرون شيئاً. عتمة أبدية.
كل ما عليك أن تفعله العمل الواثق والمشي في برية الحقول ودخان القرى
وضوء الغسق المتوهج المحترق وعندما تكون حراً وعفوياً ومشعاً من الداخل، ستجد أصدقاء لك في أي منعطف بحثوا مثلك، أو حتى عنك، في الأمكنة الخطأ،
لكن هذه الأمكنة الخطأ قادتهم للطريق الصحيح.
الكتابة تحرر كما البراري، كضحك الاطفال الرضع، كالحكمة والوضوح،
واسأل أي جواد أو أرنب أو نسر أو سنونوة عن ذلك، لا أحد يستحق اهدار طاقتك في الكراهية لأنها هدية زهور على رقبة كلب. الضغائن تحرق والكتابة الحية تحرر وتضيء.
قبل الغزو بسنوات كنا ننذر ونحذر من الخراب القادم، أي خراب اليوم،
ولا صدى غير الزغاريد والردح بزمن ” التحرير” وهتافات الابادة والانتقام.
عشت خمس عشرة سنة حرب، من الجبال الى الصحارى والمستنقعات والادغال، وانتهى كل ذلك الى المنافي. هذه ليست حروباً، كانت استهتارا.
كتب البير كامو رواية” الغريب” عام 1942 والنازيون يحتلون باريس وهو رئيس تحرير صحيفة الكفاح ـــ الكامبا ـــ للمقاومة الفرنسية السرية هو المنعزل ابن الخادمة المعدمة،
وكتب فيركور أجمل قصة حب” صمت البحر”تحت الاحتلال النازي لفرنسا،
وكتب بيار دوشين أجمل رواية حب: ” الموت، حباً” عشية اضرابات هزت فرنسا عام 1968 في آيار أيام ديغول بطل تحرير فرنسا الذي استقال ولم يتحجج بماضيه،
وكتب أريك ماريا ريمارك رواية:
” للحب وقت، وللموت وقت”بعد هزيمة النازية واحرقت رواياته في الساحات العامة كخائن للوطن النازي لأنه أول من حذر من خطر وشيك للنازية قبل الحرب فهرب الى الخارج.
وكتب همنغواي رواية ” وداعا أيها السلاح” الخالدة وهو محارب في الحرب العالمية الأولى، وهرب مع كاترين الممرضة لتموت خلال عبور جبال سويسرا.
حروبنا نزوات وحروب ديكة وليست حرب طروادة من أجل هيلين.
نحن لا نعرف الحرب ولا الحب، وخبراء نواح كالبوم ينعق في الغسق فوق الخرائب.
حقول المساء، الأرض دافئة، السماء غطاء من ألق، الدغل أسرار، العشب عطر، وزهور ستولد في الليل سراً.
نشكر سمك السلمون الذي علمنا أن السباحة ممكنة عكس التيار، وشعلة صغيرة في مروج خضراء تكفي لافزاع ذئاب الليل،
وغداً سنركب أول عربة قادمة في الدرب الريفي المنعزل،
حتى لو كانت عربة أطفال منشدين او عربة تبن نهاية الحصاد يشبه لوحة
فان غوغ عن كدس تبن أو نطير في الفضاء الأبيض والأزرق كلوحات مارك شاغل . عرض أقل