
في الليلِ…
حين كانتِ الريحُ تقلبُ وجوهَ الخرابِ ورقةً بعد ورقة
كان الحديدُ يجتمعُ حولَ جرحٍ قديمٍ
لا يتذكّرُ اسمه
لم يتكلّمْ أحد
لكنَّ الرصاصَ كان يحدّقُ في ارتجافِه
كأنّه يتعلّمُ معنى أن يكون حيًّا قبل أن يُطلق
والمدفعُ…
كان يخلعُ عن كتفيهِ ضجيجَ القرون
ويجلسُ وحيدًا
كجسدٍ نسيَ صاحبهُ في العاصفة
قالتْ رصاصةٌ:
رأيتُ قلوبًا كثيرة…
ولم أرَ عدوًّا واحدًا
ثم سقطَ صوتُها
لا كصوتٍ
بل كاعترافٍ لم يجدْ طريقًا إلى السماء
وقالَ البارودُ:
كنتُ ترابًا
وكان لي ظلٌّ في الحقول
فمن الذي أقنعني أن النارَ هي اسمي؟
عندئذٍ…
مالَ الليلُ قليلًا
كأنّه يتعبُ من الوقوف
وانحنتِ الظلالُ لتصغي
لا إلى الحرب
بل إلى تراجعِها داخل نفسها
والحربُ…
لم تعدْ هناك
كانت فكرةً تتفكّكُ ببطء
كحجرٍ نسيَ لماذا صار سلاحًا
لم تصرخِ البنادق
لم تُصدرْ بيانًا
كلُّ ما فعلتْهُ
أنها نسيتْ للحظةٍ شكلَ الهدف
وفي الجهةِ الأخرى…
كانتِ السنابلُ تكبرُ بهدوءٍ يشبهُ النجاة
وكانَ المطرُ يعيدُ ترتيبَ صوتهِ فوق التراب
كما لو أنّه يعتذرُ عن كلِّ ما مضى
شيئًا فشيئًا…
صارَ الحديدُ أخفَّ من ذاكرته
وصارَ الدخانُ يبحثُ عن نسبٍ في الغيوم
وصارتِ الطرقاتُ تتعلّمُ المشيَ بلا عكّازٍ من نار
أما الأرضُ…
فلم تقلْ شيئً
اكتفتْ أن تُخرجَ من شقوقِها غصنًا أخضر
كأنها تكتبُ آخرَ جملةٍ في قصيدةِ البقاء