الدكتور محمد أبو ليلة وقضية كوسوفا.. عالمٌ أزهريٌّ في خدمة الحوار الحضاري ونصرة القضايا العادلة

كتب.: بكر إسماعيل الكوسوفي
مقدمة
تُعدّ قضية كوسوفا واحدةً من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية التي شغلت ضمير العالم في العقود الأخيرة، لما شهدته من معاناةٍ إنسانيةٍ وصراعٍ من أجل الحرية والكرامة والهوية. وقد حظيت هذه القضية بدعم شخصياتٍ فكريةٍ وعلميةٍ ودينيةٍ من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كان في مقدمتها عددٌ من علماء الأزهر الشريف الذين أدركوا أبعادها الإنسانية والحضارية، وسعوا إلى التعريف بها والدفاع عنها في المحافل العلمية والثقافية والدولية.
ومن بين هذه الشخصيات البارزة يبرز اسم الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة رحمه الله، بوصفه أحد أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وأحد الأصوات العلمية التي جمعت بين المعرفة الأكاديمية العميقة والوعي بقضايا الأمة. فقد تجاوز اهتمامه حدود التخصص العلمي الضيق ليشمل هموم المسلمين وقضاياهم المصيرية، وكان لقضية كوسوفا مكانةٌ خاصةٌ في فكره ونشاطه العلمي والدعوي والثقافي.
لقد أسهم الدكتور أبو ليلة من خلال مشاركاته في المؤتمرات الدولية، ومحاضراته الأكاديمية، وعلاقاته الواسعة مع النخب الفكرية في العالم الإسلامي، في التعريف بقضية كوسوفا وإبراز أبعادها التاريخية والإنسانية. كما شكّل حضوره المتكرر في كوسوفا، وتعاونه الوثيق مع البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، نموذجاً متميزاً للتعاون العلمي والثقافي والدبلوماسي بين مصر وكوسوفا، وبين الأزهر الشريف وشعوب البلقان.
ولا يهدف هذا المقال إلى تقديم سيرةٍ ذاتيةٍ للدكتور محمد أبو ليلة فحسب، بل يسعى إلى إبراز أثره الفكري والثقافي والدعوي في خدمة قضية كوسوفا، وتوثيق جانبٍ من جهوده في بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات، وإظهار دوره بوصفه أحد رموز الدبلوماسية الثقافية والفكرية التي أسهمت في تعزيز العلاقات المصرية الكوسوفية خلال مرحلةٍ مهمةٍ من تاريخ البلدين.
ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقال وفاءً لعالمٍ جليلٍ جمع بين العلم والأدب والدعوة والعمل الإنساني، وترك بصمةً راسخةً في الذاكرة العلمية والثقافية لكل من عرفه أو تتلمذ على يديه أو شاركه هموم الأمة وقضاياها.
السيرة والتكوين
وُلد الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة في جمهورية مصر العربية عام 1942، ونشأ في بيئة أزهرية أصيلة، حيث أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بمعاهد الأزهر الشريف، وصولًا إلى معهد القاهرة النموذجي للمتفوقين. هذا التكوين المبكر رسّخ لديه الجمع بين الأصالة الدينية والتميز العلمي، وهو ما انعكس لاحقًا في مسيرته الفكرية والدعوية.
لقد شكّل حفظ القرآن الكريم في الطفولة قاعدة روحية ومعرفية متينة، بينما منحته الدراسة الأزهرية قدرة على التعمق في العلوم الشرعية واللغوية، مما جعله مؤهلًا ليكون أحد أبرز الأصوات الفكرية في مصر والعالم الإسلامي.
الأثر: هذا التكوين المزدوج بين الروح القرآنية والدراسة الأزهرية أتاح له أن يكون جسرًا بين التراث الإسلامي والحداثة الفكرية، وأن يقدّم نموذجًا للعالم الأزهري المنفتح على قضايا العصر.
المؤهلات العلمية
تدرّج أبو ليلة في مساره العلمي من كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، حيث حصل على الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1973، ثم نال الدكتوراه من جامعة إكستر بالمملكة المتحدة عام 1984 في موضوع “النصرانية من وجهة نظر الإسلام”. هذه الأطروحة لم تكن مجرد دراسة أكاديمية، بل كانت مشروعًا فكريًا يهدف إلى تقديم رؤية إسلامية متوازنة في حقل مقارنة الأديان.
لقد جمع بين التكوين الأزهري العريق والانفتاح على الفكر الغربي، مما جعله قادرًا على مخاطبة جمهور عالمي بلغة علمية رصينة.
الأثر: مؤهلاته العلمية رسّخت مكانته كأحد أبرز المتخصصين في الترجمة الدينية ومقارنة الأديان، وأسهمت في تطوير خطاب دعوي عقلاني قادر على مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.
الخبرات الوظيفية
شغل أبو ليلة مناصب أكاديمية متعددة بجامعة الأزهر، حيث عمل أستاذًا ورئيسًا لقسم اللغة الإنجليزية بكلية اللغات والترجمة، وأسهم في تأسيس شعبة الشريعة والقانون باللغة الإنجليزية. كما تولى رئاسة أقسام الدراسات الإسلامية في مؤسسات أكاديمية داخل مصر وخارجها.
إلى جانب ذلك، كان أستاذًا زائرًا بجامعة الإمام محمد بن سعود، وأشرف على أكثر من مائة رسالة ماجستير ودكتوراه، مما يعكس دوره الريادي في تكوين أجيال من الباحثين.
الأثر: خبراته الوظيفية لم تقتصر على التدريس، بل امتدت إلى بناء مؤسسات أكاديمية جديدة، وتعزيز حضور الفكر الإسلامي في الجامعات العالمية، مما جعله أحد أعمدة التعليم الديني المعاصر.
النشاط الأدبي والاجتماعي
تميّز أبو ليلة منذ شبابه بموهبة شعرية لافتة، حتى لُقّب بـ”شاعر الأزهر” في منتصف الستينات. ارتبط بعلاقات وثيقة مع كبار الأدباء المصريين مثل العقاد وعزيز أبوظة ومحمود حسن إسماعيل، وكان حاضرًا في الندوات الأدبية والثقافية الكبرى. كما لعب دورًا بارزًا في الحركة الطلابية، حيث تولى رئاسة اتحاد طلاب الأزهر، وشارك في مؤتمرات دولية نصرةً لفلسطين، وأسهم في تحرير مجلات طلابية.
هذا النشاط الأدبي والاجتماعي منح شخصيته بعدًا ثقافيًا متكاملًا، إذ جمع بين الفكر الديني والوعي الأدبي، وبين الخطابة والشعر، مما جعله صوتًا مؤثرًا في قضايا الشباب والمجتمع.
الأثر: أسهم في إثراء الحياة الأدبية والثقافية، وربط الفكر الإسلامي بالأدب الحديث، مما عزز صورة العالم الأزهري كمثقف شامل.
النشاط العلمي والدعوي
برز أبو ليلة كداعية ومفكر إسلامي عالمي، حاضر في جامعات ومراكز إسلامية بأوروبا وأمريكا والعالم العربي. أسهم في تأسيس مدارس لتعليم اللغة العربية في بريطانيا، وراجع ترجمات القرآن الكريم، وأشرف على مئات الرسائل العلمية. كما كان حاضرًا في الإعلام العربي والدولي، يرد على أسئلة الوفود الأجنبية حول القضايا الإسلامية المعاصرة.
لقد جمع بين التدريس الأكاديمي والعمل الدعوي، فكان نموذجًا للعالم الذي يوظف العلم في خدمة الدعوة، ويستخدم الترجمة كأداة للتواصل الحضاري.
الأثر: عزز مكانة الأزهر كمنارة عالمية، وأسهم في نشر الإسلام بصورة حضارية، مع تصحيح الصور النمطية في الغرب، مما جعله أحد أبرز الأصوات في الحوار بين الحضارات.
العضويات واللجان العلمية
شارك أبو ليلة في تأسيس “الجمعية الثقافية للتواصل الحضاري”، وكان عضوًا في لجان علمية دولية، منها لجنة تصحيح صورة العرب والمسلمين في المناهج الغربية، ولجان مراجعة ترجمات القرآن الكريم بمجمع البحوث الإسلامية. كما تولى عضوية لجان تحكيم في جوائز إسلامية مرموقة، وشارك في تحرير مجلات أكاديمية متخصصة.
هذا الانخراط في اللجان العلمية يعكس دوره المؤسسي في الدفاع عن الهوية الإسلامية، وفي بناء خطاب معرفي متوازن يواجه التحديات الفكرية العالمية.
الأثر: أسهم في تعزيز الحوار الحضاري، وفي تطوير المناهج التعليمية، وفي ترسيخ صورة الإسلام كدين عقلاني وإنساني في المحافل الدولية.
المؤلفات والأبحاث
يُعد الإنتاج العلمي والفكري للأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة أحد أبرز ملامح شخصيته الأكاديمية والدعوية. فقد ألّف عشرات الكتب، ونشر العديد من الأبحاث والدراسات التي تناولت قضايا الفكر الإسلامي، الحوار بين الأديان، الاستشراق، مكانة المرأة، والهوية الثقافية.
المؤلفات المطبوعة
من أبرز كتبه:
• “القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي ” (2002)، وهو دراسة نقدية عميقة تكشف عن مناهج المستشرقين في التعامل مع النص القرآني.
• “الدعوة الإسلامية والقضايا المعاصرة ” (2006)، حيث تناول التحديات الفكرية والاجتماعية التي تواجه الدعوة في العصر الحديث.
• “قراءة جديدة في فكر طه حسين ” (2005)، وهو عمل يعكس انفتاحه على الفكر الأدبي والنقدي العربي الحديث.
• ترجمة “المنقذ من الضلال” للإمام الغزالي إلى الإنجليزية (2001)، وهو إنجاز علمي بارز أتاح للفكر الإسلامي الكلاسيكي أن يصل إلى جمهور عالمي.
الأبحاث والدراسات
شارك في مؤتمرات دولية ببحوث رصينة، منها:
• “الحوار بين أهل الأديان: وجهة نظر إسلامية” (1997).
• “مكانة المرأة في الإسلام” (مؤتمر الفاتيكان، 1995).
• “الأمن والسلام من وجهة نظر الإسلام” (القاهرة، 1995).
• “تصحيح صورة الإسلام في المناهج الدراسية الأمريكية” (2008).
الأثر العلمي والفكري
• في الفكر الإسلامي: أسهمت مؤلفاته في تطوير خطاب عقلاني منفتح، يوازن بين الأصالة والمعاصرة.
• في الأدب والثقافة: قدّم قراءات جديدة لشخصيات أدبية وفكرية مثل طه حسين وابن حزم، مما عزز الحوار بين التراث والحداثة.
• في الترجمة: ترجم نصوصًا إسلامية مركزية إلى الإنجليزية، مما ساعد على نشر الفكر الإسلامي عالميًا.
• في الحوار الحضاري: أبحاثه حول الحوار بين الأديان ومكانة المرأة أسهمت في تصحيح الصور النمطية وتعزيز التفاهم بين الثقافات.
المؤتمرات والندوات
يُعد حضور الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة في المؤتمرات والندوات الدولية أحد أبرز مظاهر نشاطه الفكري والدبلوماسي. فقد مثّل الأزهر الشريف في محافل أكاديمية ودينية حول العالم، من القاهرة إلى كيوتو وكوسوفا، ومن الفاتيكان إلى بروكسل، ومن إستانبول إلى سويسرا.
أبرز المشاركات الدولية
• المؤتمر الدولي للحوار بين الأديان في كوسوفا (أو: إنترفيث كوسوفا): الدين والسياسة – تعزيز الحوار بين الأديان كأداة للتنمية الديمقراطية، ٢٣-٢٥ مايو ٢٠١٤، بريزرن، كوسوفا، بتنظيم من وزارة خارجية كوسوفا.
• المؤتمر العلمي “كوسوفا ومصر” حيث شارك البروفيسور الدكتور محمد أبو ليلى بدراسته العلمية والسياسية والدبلوماسية حول العلاقات بين مصر وكوسوفا 01/11/2008 م، بريشتينا، كوسوفا.
• المؤتمر العالمي الثامن لبديع الزمان سعيد النورسي (إستانبول، 2007): حيث قدّم رؤية متوازنة عن العدالة في الإسلام مقارنة بالنظم الوضعية.
• المؤتمر الدولي عن ابن حزم الأندلسي (بورصا، 2007): قدّم فيه أوراقًا علمية حول نقد ابن حزم وفكره في الأناجيل.
• مؤتمر قمة الأديان العالمي (كيوتو، اليأبون، 1997): مثّل فيه الإسلام في حوار عالمي بين الأديان.
• ندوة الفاتيكان حول المرأة (روما، 1995): عرض فيها موقف الإسلام من المرأة في سياق عالمي.
• مؤتمر البرلمان الأوروبي لنصرة البوسنة والهرسك (بروكسل، 1994): شارك فيه دفاعًا عن قضايا الأمة الإسلامية.
الأثر الفكري والدبلوماسي
• في الفكر الإسلامي: قدّم الإسلام كدين عقلاني وإنساني قادر على مواجهة التحديات العالمية.
• في الحوار بين الأديان: أسهم في تعزيز التفاهم بين المسلمين والمسيحيين واليهود، من خلال خطاب علمي متوازن.
• في السياسة والدبلوماسية: حضوره في مؤتمرات أوروبية وأمريكية جعله صوتًا مدافعًا عن قضايا المسلمين، خاصة في البوسنة وكوسوفا وفلسطين.
• في الثقافة العالمية: مثّل الأزهر كمنارة حضارية، وأثبت أن العالم الأزهري قادر على أن يكون سفيرًا فكريًا ودبلوماسيًا في آن واحد.
الجوائز والتكريم
يُعد التكريم الذي ناله الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة تتويجًا لمسيرته العلمية والدعوية، ودليلًا على الاعتراف الدولي بمكانته الفكرية. فقد حصل على جوائز مرموقة، ورُشح لجوائز عالمية، مما يعكس أثره العميق في خدمة الدعوة الإسلامية والفكر المعاصر.
أبرز الجوائز والتكريمات
• جائزة البردة (2004): وهي جائزة الدولة التشجيعية من دولة الإمارات في مجال خدمة الدعوة الإسلامية عالميًا، وتُعد من أرفع الجوائز التي تُمنح في هذا المجال.
• ترشيح لجائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز في الترجمة (2007): وهو اعتراف بجهوده في نقل الفكر الإسلامي إلى اللغات العالمية، خاصة عبر ترجماته للقرآن الكريم وكتب التراث الإسلامي.
• ترشيح لجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية بمصر (2007): تقديرًا لمكانته الأكاديمية وإسهاماته في الفكر الإسلامي والاجتماعي.
• درع التربويين العالمي (1998): تكريمًا لدوره في التعليم والدعوة، وإشرافه على أجيال من الباحثين والطلاب.
دلالات هذه الجوائز
• الاعتراف الدولي: تؤكد الجوائز أن جهوده لم تقتصر على مصر أو العالم العربي، بل امتدت لتنال تقديرًا عالميًا.
• التأثير الفكري والدعوي: تكريماته تعكس نجاحه في الجمع بين العمل الأكاديمي والدعوي، وبين الفكر النظري والتطبيق العملي.
• المكانة الدبلوماسية: الجوائز والمرشحات التي حصل عليها جعلته شخصية مؤثرة في الحوار الحضاري والدبلوماسي، ممثلًا للأزهر وللإسلام في المحافل العالمية.
البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل: شهادةٌ ذاتيةٌ في رثاء الأستاذ الدكتور محمد أبو ليلة
لا تقوم الدراسات الأكاديمية على الحقائق الموضوعية وحدها، بل تثريها الشهادات الذاتية للشخصيات المعاصرة؛ إذ تُعدُّ هذه الشهادات وثائقَ تاريخيةً ونفسيةً تعكس عمق العلاقات الإنسانية وتجسِّد أثر المترجَم له في وجدان تلاميذه وزملائه. وفي هذا السياق، يأتي ما دوَّنه البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي- ممثل كوسوفا في مصر – كإحدى هذه الشهادات النابضة بالحياة، التي تكشف عن جوانبَ شخصيةٍ وإنسانيةٍ في سيرة الأستاذ الدكتور محمد أبو ليلة، لا تُدركها السير الذاتية البحتة.
أولاً: نشأة العلاقة ومسار اللقاءات
يرجع عهدُ معرفة البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل بالأستاذ الدكتور محمد أبو ليلة إلى ما قبل اللقاءات المباشرة، حيث كان أثرُ الراحل حاضراً في المشهد الإعلامي والثقافي المصري والعربي، من خلال:
– المشاركات الإذاعية والتلفزيونية التي أبرزت شخصيته الدعوية والفكرية.
– المقالات المنشورة في الصحف والمجلات المصرية والعربية، التي اتَّسمت بالعمق والتميُّز في الطرح.
– الحضور الثقافي المتميز في الندوات والمؤتمرات المحلية والدولية.
ومع تكرار الزيارات واللقاءات، تحوَّلت هذه المعرفة الأولية إلى علاقة علمية وثيقة، أثمرت عن عقد العديد من الندوات العلمية والثقافية الموجَّهة لطلاب الشعب الألباني – من كوسوفا، والبوسنة، ومقدونيا، وألبانيا – ممثلةً جسراً للتواصل الثقافي والدعوي بين مصر ومنطقة البلقان.
ثانياً: السمات الشخصية والخلقية
يُجمِع من عرفوا الأستاذ الدكتور محمد أبو ليلة – كما يشهد البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل – على أنه كان نموذجاً نادراً في الجمع بين جلال العلم وتواضع النفس، وتتجلى هذه السمات في:
1. رحابة الصدر والأدب الرفيع: وهي صفات جعلته محطَّ احترام وتقدير طلابه ومريديه، ومختلف طبقات المجتمع التي كانت تحيط به.
2. التواضع الجمُّ رغم المكانة العلمية والشهرة الواسعة: وقد كان هذا التواضع انعكاساً لحقيقة الإيمان، حيث يرفع الله من يتواضع له، فتزيده هذه السمة وقاراً وهيبة لا تزول.
3. السخاء والندى: فقد كان – على حد تعبير الدكتور بكر إسماعيل – “نديَّ الكف، سمحَ الوجه”، ممّا جعله قريباً من الناس، محبوباً لديهم.
4. النزعة الإنسانية والنظرة العالمية: فلم تقتصر اهتماماته على قضايا مصر وحدها، بل امتدَّت لتشمل قضايا العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، مع وعي عميق بالأبعاد الإنسانية الكونية.
ثالثاً: سمات الشخصية العلمية والفكرية
يُقدِّم الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في شهادته صورةً تحليليةً لشخصية الدكتور أبي ليلة العلمية، يمكن إجمالها في النقاط التالية:
– التمكُّن اللغوي والفقهي النادر: حيث يصفه بـ”الشخصية اللغوية العلمية الفذة”، والمحقق النادر في مضمار الترجمات الدينية والفكرية.
– الدور الريادي في الترجمة الإسلامية: فقد رأى فيه الدكتور بكر قامةً استثنائيةً تؤدي دوراً فائقاً في نقل التراث الإسلامي إلى اللغات العالمية، وبخاصة الإنجليزية.
– الفكر الحر المستنير والمنهج المتوازن: الذي جمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في التعامل مع المستجدات، وهو ما جعله مؤثِّراً في العقول والقلوب.
– العمل الدؤوب والأفق المتجدد: فقد لاحظ الدكتور بكر إسماعيل أن الراحل كان قليل النوم، مختلسَ الراحات، يعمل بلا كللٍ من أجل الإسلام والإنسانية بروحٍ تسمو نحو الكمال، ويواجه الصعاب بعزيمة لا تعرف اليأس ولا الخنوع.
رابعاً: الأثر العملي والدعم الملموس
تجاوز أثر الدكتور أبي ليلة الجانب النظري إلى الممارسة العملية، حيث:
– أسهم في تقديم خدماتٍ علمية وإدارية جليلة للطلاب الألبان الوافدين، معتبراً إيَّاهم أبناءه.
– نظَّم البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي نيابةً عن كوسوفا العديدَ من الندوات التي سجِّل بعضها على شرائط كاسيت، لتوثيق العطاء وتعميم الفائدة.
– لقد كان الراحل داعماً حقيقياً لقضية كوسوفا، ولم يتوانَ لحظة عن نصرتها مهما كلَّفه الأمر، وهو ما يعكس إيمانه العميق بوحدة الأمة الإسلامية وترابط مصائرها.
خامساً: الرؤية النفسية والوجدانية
يختتم البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي شهادته بتسجيل انطباع نفسي عميق، حيث صرَّح بأن لقاءاته بالدكتور أبي ليلة كانت تترك في نفسه “راحةً نفسيةً عميقة”، وذلك لأسلوبه الفريد وتأثيره الإيجابي على السامعين، ممّا كان يزرع في النفوس أملاً بمستقبل مشرق للإسلام، ويحفِّز همَّة العمل مهما كانت الظروف قاسيةً أو حالكةً.
يمثل ما دوّنه البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي وثيقةً إنسانيةً وعلميةً رفيعة المستوى، تلتقط جوهر شخصية الأستاذ الدكتور محمد أبي ليلة من زاويةٍ ذاتيةٍ صادقةٍ، وتثبت أنه كان – رحمه الله – عالماً موسوعياً، ومربياً فذاً، وداعيةً حكيماً، وإنساناً متواضعاً، جمع بين جلال العلم وجمال الخلق، فكان قدوةً نادرةً في الزمن المعاصر، وعلماً من أعلام الدعوة والفكر الذين ستبقى سيرتهم منهاجاً للأجيال.
الأستاذ الدكتور محمد أبو ليلة: شهادةٌ متبادلةٌ وتقييمٌ لشخصية الدكتور بكر إسماعيل
لا تكتمل صورةُ أيِّ عالِمٍ أو مفكّرٍ إلا من خلال تظافُرِ الرؤى وتكاملِ الشهادات، إذ إنّ التقييمَ الموضوعيَّ للشخصيات الفكرية لا يقوم على ما يُكتب عن المرء فحسب، بل يتعزّز بما يصدر عنه من تقديرٍ للآخرين، ممّا يكشف عن أبعادٍ أخلاقيةٍ وإنسانيةٍ تعكس نضجَ الشخصية وعُمقَ الرؤية. وفي سياقِ توثيقِ سيرةِ الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة – رحمه الله – وتقييمِ أثرِه الفكري والدعوي، يبرزُ نصٌّ نثريٌّ موجزٌ أدلى به الراحلُ في حقِّ الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل، يمثّلُ شهادةً متبادلةً تُضيءُ جانباً مهماً من العلاقة الإنسانية والعلمية التي جمعت بين الرجلين، وتُقدّمُ قراءةً نقديةً في أبعادِ الشخصيةِ البلقانيةِ المتمثّلةِ في البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل، ودورِه المحوريّ في دعم قضية كوسوفا من داخل الأزهر الشريف والمشهد المصري.
ولئن كان هذا النصُّ موجزاً في بنائه اللفظي، فإنّه يحمل في طيّاته أبعاداً سياسيةً وأدبيةً وفكريةً تستحقّ التحليلَ والتأويلَ، خاصّةً وأنه صدر عن مفكّرٍ بحجم الدكتور أبو ليلة، الذي عُرف بدقّةِ تعبيره وعمقِ رؤيته. وسنعمل في هذا الفصل على تقديمِ قراءةٍ نقديةٍ تحليليّةٍ لهذا النص، متتبعين أبعاده اللغوية، ومراميه السياسية، ودلالاته الفكرية، ومضامينه الإنسانية، مع وضعه في سياقه التاريخي والجغرافي، ومحاولة استنطاق ما بين السطور من رسائلَ موجّهةٍ إلى أكثر من جهة.
النص المؤسّس
النص الأصلي:
“الأستاذ الدكتور/ محمد أبو ليلة (عميد كلية اللغات والترجمة، جامعة الأزهر)
قال: “أشكر لأخي العزيز البروفيسور الدكتور/ بكر إسماعيل الكوسوفي الذي يحرص دائماً على إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه من الناحية الفكرية والناحية العلمية. وهو رجلٌ له نشاطٌ واسعٌ، الذي ورث الأسرة الألبانية والأسرة البلقانية، فهو أَحْسَنَ وِراثةً ومَثَّلَ أَحْسَنَ التمثيل”.
” البروفيسور الدكتور/ بكر إسماعيل الكوسوفي رجلٌ – نحسبه – رجلٌ عظيمٌ، ضحَّى بالكثير من أجل كوسوفا، وكان لسانَها المعبِّرَ وعقلَها المفكِّرَ في داخل مصر وفي الأزهر الشريف، وهو رجلٌ يستحقُّ الاحترامَ من كل المصريين، ولا يجهلُه كبارُ علماءِ الأزهر، وكبارُ السياسيين والدبلوماسيين، وكبارُ العلماء في مصر.”
التحليل النقدي الأدبي
أولاً: البناء البلاغي والأسلوبي
يتّسم النصُّ – رغم إيجازه – ببناءٍ بلاغيٍّ محكمٍ يعكس شخصيةَ المتكلّمِ العلميةَ والأدبيةَ، ويمكن تتبُّعُ ذلك في العناصر التالية:
1. التكرار الدلالي المؤكِّد
يَلجأ الدكتور أبو ليلة إلى تكرارِ لفظِ “الأستاذ الدكتور” ثلاثَ مراتٍ في سياقاتٍ مختلفة، وهذا التكرار ليس حشواً لغوياً، بل هو تأكيدٌ على المكانة العلمية والأكاديمية للدكتور بكر، وإعلاءٌ لقدره، وتذكيرٌ بأنّ المخاطَبَ ليس مجرّدَ ناشطٍ سياسيٍّ أو داعمٍ لقضيةٍ، بل هو عالمٌ أكاديميٌّ له وزنُه في المشهد العلمي المصري.
2. التدرج في التوصيف
يبدأ الدكتور أبو ليلة بالشكر، ثم ينتقل إلى وصف النشاط، ثم إلى الإرث البلقاني، ثم إلى التضحية، ثم إلى المكانة المجتمعية. وهذا التدرج يُشبه بناءَ القصيدةِ الكلاسيكية التي تبدأ بالغرض ثم تتدرج إلى المدح، ممّا يعكس حسّاً أدبياً رفيعاً لدى المتكلّم، ويُضفي على النصّ جماليةً موسيقيةً تزيد من تأثيرِه في المتلقّي.
3. التضادُّ الضمني: (التضحيةُ والمكانةُ)
يُوازن الدكتور أبو ليلة بين وصفِ الدكتور بكر إسماعيل بأنّه “ضحَّى بالكثير” وبين وصفه بأنّه “يستحقُّ الاحترامَ من كل المصريين”. وهذا التضادُّ الضمني يُشيرُ إلى أنَّ التضحيةَ التي قدّمها الرجلُ لم تمرَّ مرورَ الكرام، بل أثمرت عن مكانةٍ رفيعةٍ جعلته محطَّ تقديرِ النخبةِ المصريةِ بأسرِها، وهو توجيهٌ غيرُ مباشرٍ لتثبيتِ شرعيةِ القضيةِ الكوسوفية في الضمير المصري.
4. استخدامُ التعظيمِ المؤكَّد: “نحسبه”
يأتي قولُه “رجلٌ – نحسبه – رجلٌ عظيمٌ” بصيغةِ التوكيدِ مع الاستدراكِ الضمنيِّ “ولا نُزَكِّي على الله أحداً”، وهي إشارةٌ بلاغيةٌ بارعةٌ إلى التواضعِ الشرعيِّ في إطلاقِ الأحكامِ على الناس، مع الإصرارِ في الوقتِ نفسِه على وصفِ الرجلِ بالعظمةِ. وهذا الأسلوبُ يعكسُ ثقافةَ الدكتور أبي ليلة الدينيةَ، حيث يحرصُ على مراعاةِ الضوابطِ الشرعيةِ في الكلام، وفي الوقتِ نفسه يُعبِّرُ عن تقديرِه الصادقِ.
5. الاستعارةُ الإرثيةُ والتمثيليةُ
قوله: “ورث الأسرة الألبانية والأسرة البلقانية” – باستخدام فعل “ورث” – هو استعارةٌ إرثيةٌ مكثفةٌ، توحي بأنّ الدكتور بكر لم يكن مجرّدَ ناشطٍ أو داعمٍ عابر، بل كان وريثاً شرعياً لتاريخٍ وهويةٍ وثقافةٍ، وأنّ صلتَه بالبلقان ليست صلةً طارئةً أو وظيفيةً، بل هي صلةُ نسبٍ فكريٍّ ووجدانيٍّ، تمتدُّ في أعماق التاريخ. أما قولُه “مثَّلَ أَحْسَنَ التمثيل” فيوحي بأنّ البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي كان ممثلاً درامياً بارعاً لدورِه، ليس بمعنى التصنُّع، بل بمعنى الأداء المتقنِ الذي يجمع بين الوعي بالدور والقدرةِ على تجسيدِه بواقعيةٍ وإخلاص.
ثانياً: المقاربات الأدبية والنقدية
من منظور النقد الأدبي، يمكن قراءة هذا النص بوصفه “مدحاً مقنَّعاً” أو “شهادةً موازيةً”، حيث يقدّم الدكتور أبو ليلة صورةً مثاليةً للدكتور بكر إسماعيل، لكنّه في الوقت نفسه يُسقطُ عليها قيماً وأخلاقاً يُريدُ تعميمَها في الخطاب الإسلامي المعاصر. وهذه الظاهرةُ معروفةٌ في الأدب العربي منذ العصر الجاهلي، حيث كان الشاعرُ يمدحُ شخصاً ما ليُعبِّرَ عن قيمٍ أخلاقيةٍ أوسعَ.
فالدكتور أبو ليلة لا يمدحُ الدكتور بكر فقط، بل يمدح من خلاله:
– قيمةَ التضحية من أجل القضايا العادلة.
– قيمةَ الوفاء للأصول والهوية (الوراثة البلقانية).
– قيمةَ التمثيل الحسن للدور (التمثيل الأفضل).
– قيمةَ العلم والمكانة الأكاديمية (التأكيد على لقب الأستاذ الدكتور).
كما يمكن قراءة النص بوصفه “متناقضاً مع ذاته” على نحوٍ بنّاء، إذ إنّ الدكتور أبو ليلة – وهو عميد كلية اللغات والترجمة – يتحدث بالعربية الفصحى عن رجلٍ بلقانيّ، ممّا يخلقُ توتراً خصباً بين اللغة والموضوع، وهذا التوتر يؤكّد على أنَّ الهويةَ الإسلاميةَ الجامعةَ تتجاوزُ الحدودَ الجغرافيةَ واللغوية، وأنّ العربيَّ والبلقانيَّ يجتمعان في إطارٍ واحدٍ من الإخاء والعمل المشترك.
التحليل النقدي السياسي
أولاً: السياق السياسي للنص
يجبُ لفهمِ الأبعادِ السياسيةِ لهذا النصِّ أن نضعه في سياقِه التاريخي، وهو السياقُ الذي أعقبَ انهيارَ يوغوسلافيا، وحربَ كوسوفا (1998-1999م)، والتدخُّلَ الدوليَّ الذي أعقبها، والدورَ المصريَّ – ممثَّلاً في الأزهر والدولة – في دعم قضية كوسوفا. وفي هذا السياق، يمكن استخلاصُ المضامين السياسية التالية:
1. إضفاء الشرعية على القضية الكوسوفية
يُشير الدكتور أبو ليلة إلى أن الدكتور بكر إسماعيل” كان لسانَها المعبِّرَ وعقلَها المفكِّرَ في داخل مصر وفي الأزهر الشريف”. وهذه العبارة تحملُ رسالةً سياسيةً واضحةً: إنّ قضيةَ كوسوفا لم تكن مجرّدَ قضيةٍ إقليميةٍ بعيدةٍ عن مصر، بل كانت قضيةً محوريّةً وجدت مَن يُعبِّرُ عنها، ويُفكِّرُ فيها، ويُقدّمُها للنخبة المصرية. وهذا يعني أنّ مصر – عبر الأزهر – كانت شريكاً فاعلاً في دعم القضية، وأنّ الدكتور بكر إسماعيل لم يكن يعملُ بمفرده، بل كان يعملُ بغطاءٍ مؤسسيٍّ يُعطي كلامَه وزناً وثِقلاً.
2. تكريس الصورة الرمزية للدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
لقد حرص الدكتور أبو ليلة على وصفِ الدكتور بكر إسماعيل بأنّه رجلٌ “يستحقُّ الاحترامَ من كل المصريين”، وأنّه “لا يجهلُه كبارُ علماءِ الأزهر، وكبارُ السياسيين والدبلوماسيين، وكبار العلماء في مصر”. وهذا الوصفُ يُعيدُ تشكيلَ الصورةِ الرمزيةِ للدكتور بكر إسماعيل، من كونه ممثلاً لكوسوفا إلى كونه شخصيةً مصريةً مقبولةً ومُقدَّرةً، ممّا يُسهمُ في دمج القضية الكوسوفية في النسيج الوطني المصري، ويُحَوِّلُها من قضيةٍ أجنبيةٍ إلى قضيةٍ وطنيةٍ ذاتِ بُعدٍ إسلاميٍّ وإنسانيٍّ.
3. التلميحُ إلى الدعم السياسي المصري
بذكره “كبار السياسيين والدبلوماسيين”، يُلمِّح الدكتور أبو ليلة إلى أنّ القضيةَ الكوسوفيةَ كانت حاضرةً في الأوساط السياسية المصرية الرسمية، وأنّ الدكتور بكر كان يحظى بعلاقاتٍ مع هذه الأوساط، وأنّ دعمَه لقضية كوسوفا لم يكن عملاً فردياً، بل كان جزءاً من موقفٍ سياسيٍّ أوسعَ كانت تتبنّاه الدولة المصرية. وهذا التلميحُ مهمٌّ، لأنّه يُضفي على القضية بُعداً رسمياً، ويُذكِّرُ بأنّ مصرَ كانت – في تلك الفترة – تلعبُ دوراً إقليمياً فاعلاً في دعم قضايا المسلمين في البلقان.
4. تأصيل الدور المصري في البلقان
عبارة “ورث الأسرة الألبانية والأسرة البلقانية” تحملُ إسقاطاً سياسياً على مصرَ نفسِها، إذ إنّ الدكتور أبو ليلة يُوحي بأنّ هناك جسوراً تاريخيةً وثقافيةً بين مصر والبلقان، وأنّ مصرَ – من خلال الأزهر – كانت ولا تزال وريثةً لهذه العلاقات، وهو ما يعكسُ امتدادَ النفوذ المصري الثقافي والديني في المنطقة. وهذه إشارةٌ إلى سياسةٍ مصريةٍ تاريخيةٍ تمتدُّ من عصر محمد علي إلى العصر الناصري، وحتى العصر الحديث، حيث كانت مصرُ تحتضنُ طلابَ البلقان، وتُؤهّلهُم علمياً ودينياً، وتُعيدُهُم إلى بلادِهم ليُؤدّوا دوراً في بناء مجتمعاتِهم.
ثانياً: الأبعاد الدبلوماسية
من منظور الدبلوماسية الثقافية، يمكن النظر إلى هذا النص بوصفه وثيقةً دبلوماسيةً غيرَ رسميةٍ تؤكّد على:
– استمرارية العلاقات المصرية – البلقانية: من خلال الإشادة بالدكتور بكر إسماعيل بوصفه وريثاً للأسرة البلقانية، يؤكّد الدكتور أبو ليلة أن مصرَ لا تزالُ على تواصلٍ مع البلقان، وأنّ الأزهرَ ما زال يلعبُ دورَه التقليدي في استقبال الطلاب من المنطقة.
– الشراكة بين الدين والسياسة: يُمثِّلُ الدكتور بكر إسماعيل نموذجاً للرجل الذي يجمع بين العمل الديني (من خلال الأزهر) والعمل السياسي (من خلال تمثيله لكوسوفا)، وهذا التجسيدُ يُظهرُ أنّ الإسلامَ ليس ديناً منعزلاً عن السياسة، بل هو دينٌ يَتدخّلُ في قضايا الأمة ويُوجِّهُها.
– القوَّةُ الناعمة المصرية: يُذكِّر هذا النصّ بأنّ قوَّةَ مصرَ الناعمةَ لا تكمنُ في جيشِها أو اقتصادِها فقط، بل في علمائِها ومؤسساتِها الدينيةِ التي تستطيعُ أن تصلَ إلى أبعدِ الأماكنِ وتُؤثِّرَ في قلوبِ الناسِ وعقولِهم.
التحليل الموضوعي والتقييم الإجمالي..
أولاً: دلالات النص في سياق المقال
يُعدّ هذا النصّ مكمّلاً طبيعياً للشهادة التي قدّمها البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل عن الدكتور أبي ليلة، حيث يُشكّلان معاً ثنائيةَ الشهادات المتبادلة التي تُعزِّزُ من مصداقيةِ كلا الرجلين، وتُقدّمُ للقارئ صورةً متكاملةً عن العلاقة الإنسانية والعلمية التي جمعتهما. وهذا التبادلُ يُذكّرُنا بقول الشاعر:
> إذا أثنى عليك المرءُ يومًا فأحسِنْ أنت يا هذا الثناءَ
فالدكتور أبو ليلة لم يكتفِ بتلقّي الثناء، بل بادَرَ بتقديمِ ثناءٍ مماثلٍ، ممّا يدلُّ على نبلِ أخلاقِه، وكرمِ نفسِه، ووعيِه بأهميةِ الاعترافِ بالجميلِ للآخرين.
ثانياً: التقييم النقدي النهائي
يمكن القول إن هذا النصّ، رغم قِصَرِه، يمثّلُ نموذجاً فريداً في الأدبِ الشهاديِّ المعاصر، حيث يجمعُ بين:
– الدقة اللغوية التي تعكس ثقافةَ المتكلّم الأدبيةَ.
– العمق السياسي الذي يضع القضية الكوسوفية في سياقِها الإقليمي والدولي.
– البعد الإنساني الذي يبرز قيمةَ التضحيةِ والوفاءِ والإخلاص.
– الذكاءُ الدبلوماسي في مخاطبةِ أكثرَ من جهةٍ في وقتٍ واحدٍ.
وإذا كان هذا النصُّ قد صدر عن مفكّرٍ بحجمِ الدكتور محمد أبي ليلة، فإنّه يُضافُ إلى رصيدِه الفكريِّ والأخلاقيِّ، ويُؤكّدُ أنّه لم يكن عالماً جافّاً منعزلاً في برجه العاجي، بل كان إنساناً يَرى في الآخرين ما يستحقّ التقدير، ويُبادِرُ إلى الإشادةِ بهم، ويُدركُ أنّ النجاحَ الحقيقيَّ لا يتحقّقُ إلا بتضافُرِ الجهودِ وتكاملِ الأدوار.
يُشكّلُ هذا النصُّ شهادةً متبادلةً تعكسُ عمقَ العلاقةِ بين الأستاذين الجليلين، وتُبرزُ الأبعادَ المتعددةَ لشخصيةِ الدكتور بكر إسماعيل من منظورِ الدكتور محمد أبي ليلة. وقد تجلّى في هذا النصّ:
– الاعترافُ بالدورِ الفكريِّ والعلميِّ للدكتور بكر.
– التأكيدُ على إرثِه البلقانيِّ ودورِه في تمثيلِ قضيةِ كوسوفا.
– توثيقُ مكانتِه في الأوساطِ الأكاديميةِ والسياسيةِ المصرية.
– الإشادةُ بتضحيةِ الرجلِ وإخلاصِه.
وإنّ من شأن هذا التبادلِ في الشهاداتِ أن يُضفيَ على المقالِ بأكملهِ مصداقيةً أكبرَ، ويُقدّمَ للقارئِ صورةً متوازنةً عن رجلينِ جمعهما حبُّ العلمِ والإسلامِ، ووحّدهما الإخلاصُ لقضايا الأمة، وخلّدَ ذكراهما في سجلِّ العطاءِ الإنسانيِّ.
قصيدة الوفاء والامتنان
الدكتور محمد أبو ليلة في ذاكرة كوسوفا ووجدانها
“من كوسوفا إلى مصر” – تحيةٌ لعالمٍ حمل قضية كوسوفا في قلبه
من كوسوفا إلى مصر
إهداء إلى الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة رحمه الله
بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
يا مصرُ، هل تدرينَ أنَّ بنيلِكِ الزاهي
كانَ لنا أخٌ يمشي على خُطى الأنبياءِ؟
رجلٌ إذا نطقَ البيانُ تفتّحتْ
أبوابُ علمٍ في العقولِ وفي الضياءِ،
وإذا تحدّثَ عن قضايا أمّتِهِ
هزَّ الضمائرَ بالحقيقةِ والإباءِ.
من الأزهرِ المعمورِ جاءَ معلِّماً
يروي العطاشى من ينابيعِ الصفاءِ،
فغدا لأهلِ البلقانِ صوتَ مودّةٍ
وجسورَ وصلٍ بينَ أرضٍ وسماءِ.
كم زارَ كوسوفا بقلبٍ مؤمنٍ
ورأى جراحَ الشعبِ تحتَ العاصفاءِ،
فحملَ القضيةَ في المحافلِ كلِّها
ومضى ينادي بالحقوقِ وبالوفاءِ.
ما كانَ ينظرُ للحدودِ وحاجزٍ
بينَ الشعوبِ وبينَ أهلِ الإخاءِ،
بل كانَ يؤمنُ أنَّ أمَّتَنا التي
بُنيتْ على القرآنِ والإسراءِ،
جسدٌ إذا اشتكى البعيدُ بأرضِهِ
لبّى القريبُ نداءَهُ بعطاءِ.
يا أبا ليلى، وما زالَ الندى
يجري بذكراكَ العزيزةِ في الدماءِ،
ما زالتِ الكلماتُ تشهدُ أنَّكَ
عشتَ الرسالةَ صادقَ الأنباءِ،
وتركتَ في مصرَ الحبيبةِ سيرةً
تزهو، وفي كوسوفا عظيمَ ثناءِ.
نمْ هادئاً، فالعلمُ باقٍ بعدَنا
والخيرُ لا يفنى بطولِ فناءِ،
والصادقونَ إذا رحلوا بأجسادِهم
بقوا مناراتٍ على الأجيالِ والآناءِ.
سلامٌ عليكَ من كوسوفا دائماً
ومن المآذنِ والربى الخضراءِ،
وسلامُ شعبٍ كنتَ تحملُ همَّهُ
في السرِّ والإعلانِ والدعاءِ.
قصيدة “من كوسوفا إلى مصر”
دراسة أدبية نقدية في دلالاتها الفكرية والثقافية والحضارية
تُعدّ قصائد الرثاء والتكريم من أرقى الأغراض الشعرية في الأدب العربي، لأنها لا تقتصر على التعبير عن الحزن أو الوفاء، بل تتحول إلى وثيقة أدبية تحفظ سيرة الشخصيات المؤثرة وتخلّد أثرها في الذاكرة الجماعية. وتندرج قصيدة «من كوسوفا إلى مصر» ضمن هذا السياق؛ فهي ليست مجرد مرثية للأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة رحمه الله، بل هي شهادة وجدانية وفكرية تسجل جانباً من العلاقة العلمية والإنسانية التي جمعته بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، كما تجسد عمق الروابط الثقافية والحضارية بين مصر وكوسوفا.
وتكتسب هذه القصيدة أهمية خاصة لأنها تنطلق من تجربة واقعية عايشها الشاعر، وتتناول شخصية علمية كان لها حضور مؤثر في مجالات الفكر والدعوة والحوار الحضاري والدفاع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية كوسوفا.
أولاً: البنية الفنية للقصيدة
تنتمي القصيدة إلى الشعر العمودي التقليدي الذي يستند إلى الإيقاع الموسيقي والقافية الموحدة، مما يمنحها طابعاً احتفالياً ينسجم مع موضوع التكريم والرثاء.
وقد اعتمد الشاعر لغةً فصيحةً واضحة، بعيدةً عن الغموض والتعقيد، فجاءت الألفاظ منتقاة بعناية لتعكس شخصية الممدوح ومكانته العلمية والدينية.
وتقوم البنية الشعرية على ثلاثة محاور رئيسة:
1. التعريف بشخصية الدكتور أبو ليلة ومكانته العلمية.
2. إبراز دعمه لقضية كوسوفا ودوره الحضاري.
3. تخليد ذكراه والدعاء له بعد وفاته.
وهذا التدرج يمنح القصيدة وحدة موضوعية متماسكة ويجعلها أقرب إلى السيرة الشعرية المختصرة.
ثانياً: الصور البلاغية والدلالات الفنية
توظف القصيدة عدداً من الصور البلاغية التي تسهم في بناء المعنى وتعميق التأثير الوجداني.
1. صورة الجسر الحضاري
في قول الشاعر:
“فغدا لأهل البلقان صوتَ مودّةٍ
وجسورَ وصلٍ بين أرضٍ وسماءِ”
يتحول الدكتور أبو ليلة إلى رمز حضاري يجمع بين الشعوب والثقافات، فلا يعود مجرد أستاذ جامعي، بل يصبح جسراً معرفياً وإنسانياً بين الشرق العربي والبلقان.
2. صورة الرسالة الخالدة
في قوله:
“عشتَ الرسالةَ صادقَ الأنباءِ”
ينتقل الممدوح من كونه شخصاً إلى كونه رسالةً وقيمةً مستمرةً، وهي صورة تحمل بعداً أخلاقياً وروحياً عميقاً.
3. صورة الخلود المعرفي
في قوله:
“نم هادئاً فالعلم باقٍ بعدنا”
يستثمر الشاعر فكرة الخلود الرمزي للعلماء، حيث يبقى أثرهم في الفكر والثقافة حتى بعد رحيلهم الجسدي.
ثالثاً: البعد الإنساني في القصيدة
من أبرز سمات القصيدة أنها لا تنظر إلى الدكتور أبو ليلة بوصفه شخصية أكاديمية فحسب، بل تقدمه إنساناً يحمل هموم الآخرين.
فهو:
• أخٌ للأمة.
• نصيرٌ للمظلومين.
• داعمٌ لقضية كوسوفا.
• حاملٌ لرسالة الحوار والتواصل.
وهذا البعد الإنساني يمنح القصيدة صدقاً عاطفياً ويجعلها تتجاوز حدود المجاملة التقليدية إلى الوفاء الصادق.
رابعاً: البعد الفكري والثقافي
تكشف القصيدة عن رؤية فكرية تعتبر أن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية.
فالدكتور أبو ليلة يظهر فيها بوصفه:
• عالماً أزهرياً.
• مفكراً منفتحاً.
• داعيةً للحوار الحضاري.
• مدافعاً عن قضايا المسلمين.
وبذلك تتحول القصيدة إلى دفاع ضمني عن نموذج العالم الموسوعي الذي يجمع بين العلم والعمل.
كما تؤكد القصيدة أن الثقافة الإسلامية قادرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب المختلفة، وأن مصر وكوسوفا يجمعهما فضاء حضاري وروحي مشترك.
خامساً: البعد الديني والدعوي
يحضر البعد الديني بقوة في النص من خلال الإشارات إلى:
• الأزهر الشريف.
• القرآن الكريم.
• وحدة الأمة الإسلامية.
• الدعاء والترحم.
ولا يظهر الدين هنا بوصفه خطاباً وعظياً، بل باعتباره إطاراً أخلاقياً وإنسانياً يحكم علاقة الإنسان بالعلم والمجتمع.
ومن ثمّ فإن القصيدة تقدم صورة للداعية العالم الذي يجمع بين المعرفة والتسامح والانفتاح.
سادساً: البعد التاريخي والحضاري
توثق القصيدة مرحلة مهمة من العلاقات الثقافية بين مصر وكوسوفا.
فهي تسجل:
• اهتمام العلماء المصريين بقضية كوسوفا.
• التواصل العلمي بين الأزهر والبلقان.
• دور النخب الفكرية في التقريب بين الشعوب.
ومن هذه الزاوية تصبح القصيدة وثيقة أدبية ذات قيمة تاريخية تتجاوز إطار الرثاء الشخصي.
سابعاً: البعد السياسي والدبلوماسي
لا تتناول القصيدة السياسة بصورة مباشرة، لكنها تحمل مضامين سياسية ودبلوماسية واضحة.
فالإشادة بدعم الدكتور أبو ليلة لكوسوفا تعكس:
• تضامناً إنسانياً مع الشعوب المظلومة.
• إيماناً بحقوق الشعوب في الحرية والكرامة.
• دور الدبلوماسية الثقافية في تعزيز العلاقات الدولية.
كما تؤكد أن العلماء والمفكرين يستطيعون أداء أدوار دبلوماسية مؤثرة لا تقل أهمية عن الأدوار الرسمية.
ثامناً: أثر الدكتور محمد أبو ليلة في مجالات الحياة المختلفة
1. الأثر الفكري
أسهم في ترسيخ الفكر الإسلامي الوسطي والحوار العقلاني بين الثقافات والأديان، وقدم نموذجاً للمثقف المسلم المنفتح على العالم.
2. الأثر الأدبي
جمع بين الفكر والأدب، وأسهم في إثراء الكتابة الإسلامية المعاصرة، كما عُرف بموهبته الشعرية والثقافية.
3. الأثر الشعري
مثّل نموذجاً للعالم الذي يوظف الحس الأدبي في خدمة الرسالة الفكرية والدعوية، فكان الشعر عنده وسيلة للتعبير الحضاري.
4. الأثر الثقافي
عزز التواصل الثقافي بين مصر والعالم الإسلامي، وأسهم في بناء جسور معرفية بين الشرق والغرب.
5. الأثر الديني
كرّس جهوده لخدمة الدعوة الإسلامية وتصحيح صورة الإسلام عالمياً، وربط بين الأصالة والانفتاح الحضاري.
6. الأثر العلمي
خرّج أجيالاً من الباحثين، وأشرف على عشرات الرسائل الجامعية، وأسهم في تطوير الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية.
7. الأثر التاريخي
ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من الحضور الأزهري العالمي، وبالدفاع عن قضايا المسلمين في البوسنة وكوسوفا وفلسطين.
8. الأثر السياسي
دعم القضايا العادلة من منظور أخلاقي وإنساني، وأسهم في تشكيل وعي فكري تجاه قضايا الأمة.
9. الأثر الدبلوماسي
مثّل نموذجاً للدبلوماسية الثقافية والدينية، وكان سفيراً للحوار والتفاهم بين الشعوب والثقافات.
خاتمة ..
تكشف سيرة الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة رحمه الله عن نموذجٍ فريدٍ للعالم الموسوعي الذي جمع بين المعرفة الأكاديمية الرفيعة والرسالة الإنسانية النبيلة، فكان أستاذاً جامعياً، ومفكراً مستنيراً، وداعيةً حكيماً، وأديباً وشاعراً، وسفيراً للحوار بين الحضارات والثقافات.
ولم يقتصر أثره على ميادين التعليم والبحث العلمي، بل امتد ليشمل خدمة قضايا الأمة والدفاع عن حقوق الشعوب المظلومة، وفي مقدمتها قضية كوسوفا التي وجد فيها قضية عدلٍ وكرامةٍ وحقٍّ إنساني. وقد أسهم من خلال حضوره الفكري والعلمي والدبلوماسي في تعريف العالم بهذه القضية، وفي تعزيز روابط الأخوة والتعاون بين الشعبين المصري والكوسوفي.
كما تمثل العلاقة العلمية والإنسانية التي جمعته بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي نموذجاً مشرقاً للتواصل الحضاري بين العلماء والمثقفين، وتجسيداً عملياً للدور الذي يمكن أن يؤديه الفكر والثقافة في التقريب بين الشعوب وتعزيز قيم الحوار والتفاهم.
وإذا كانت الشخصيات العظيمة تُقاس بما تتركه من أثرٍ بعد رحيلها، فإن الدكتور محمد أبو ليلة قد ترك إرثاً علمياً وثقافياً ودعوياً باقياً، يتمثل في مؤلفاته وأبحاثه وتلاميذه ومواقفه الإنسانية النبيلة. وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة مصر وكوسوفا معاً، بوصفه أحد العلماء الذين جعلوا من العلم رسالةً، ومن الحوار منهجاً، ومن خدمة الإنسان غايةً ساميةً.
رحم الله الأستاذ الدكتور محمد محمد أبو ليلة، وجزاه خير الجزاء على ما قدّمه للإسلام والعلم والإنسانية، وعلى ما تركه من أثرٍ طيبٍ في قلوب محبيه وتلاميذه وفي تاريخ العلاقات الثقافية والفكرية بين مصر وكوسوفا.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر