كتاب وشعراء

القصيدة الحميرية (النشوانية) بين الفخر الحضاري والاحتجاج اللغوي …بقلم عماد خالد رحمة

تُعَدُّ القصيدة الحميرية (النشوانية) للشاعر والعالم اليمني نشوان بن سعيد الحميري واحدةً من النصوص الشعرية الفريدة في التراث العربي؛ إذ تجاوزت حدود الفخر القبلي المألوف لتغدو وثيقةً لغويةً وتاريخيةً وحضاريةً، تلتقي فيها الذاكرة الجمعية بالوعي الثقافي، ويجتمع فيها الشعر بالتاريخ، واللغة بالهوية، والحجة العقلية بالعاطفة الوطنية. فهي ليست قصيدة تُنشَد فحسب، بل خطابٌ ثقافيٌّ متكامل أراد صاحبه من خلاله إعادة الاعتبار للتراث اليمني الحميري، وإثبات مكانته في البناء الحضاري العربي والإسلامي.
لقد كان نشوان الحميري فقيهاً لغوياً واسع الاطلاع، يدرك أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل وعاءٌ للهوية ومستودعٌ للذاكرة التاريخية. ومن هنا جاءت قصيدته النشوانية محاولةً لإحياء الموروث اليمني وإبرازه في مواجهة النزعات التي حصرت المجد العربي في جغرافيا معينة أو قبائل بعينها.
اللغة في النشوانية: بين الجزالة والحجاج
تمتاز لغة القصيدة بجزالة اللفظ وقوة التركيب وثراء المعجم. وقد استثمر الشاعر ألفاظاً ذات جذور عربية أصيلة، مستحضراً أسماء الملوك التبابعة، وأعلام اليمن القديم، ومواطن الحضارة الحميرية، في نسيج شعري متماسك.
ومن خصائصها اللغوية:
كثافة الأعلام التاريخية.
توظيف الأنساب بوصفها حججاً ثقافية.
شيوع الأساليب الخبرية التقريرية.
كثرة الاستشهاد بالتاريخ لإسناد الرأي.
اعتماد المقابلات والموازنات البلاغية.
فالشاعر لا يكتفي بالمدح، بل يسوق الأدلة والوقائع، وكأنه يخوض مناظرة فكرية أكثر من كونه ينظم قصيدة وجدانية.
موقف النحاة البصريين والكوفيين من اللغة التي تمثلها النشوانية
لو نظرنا إلى هذه القصيدة بعين المدرسة البصرية لوجدنا أنها تمثل نموذجاً للاحتجاج باللغة الفصيحة الموروثة. فقد كان البصريون، وعلى رأسهم سيبويه، يحتكمون إلى القياس ويرون أن سلامة العربية تقوم على القواعد المطردة المستنبطة من كلام العرب الفصحاء.
فعندما يقول الشاعر:
نحن بنو قحطان أصلُ العُلا
وبنا استقام المجدُ بعد اضطرابِ
فإن البصريين يرون في هذا التركيب مثالاً لاستقامة الإسناد ووضوح العلاقات النحوية بين المبتدأ والخبر.
أما الكوفيون، وفي مقدمتهم الكسائي والفراء، فكانوا أكثر تسامحاً في قبول الشواهد وتوسيع دائرة الاحتجاج، ولذلك كانوا سيجدون في النشوانية مادةً غنيةً بالشواهد التاريخية واللغوية التي تؤكد تنوع الاستعمال العربي واتساعه.
وقد اختلف الفريقان في مسائل كثيرة، منها:
المثال الأول: العطف على الضمير المرفوع
يقول البصريون:
جاء زيدٌ وأنا.
ولا يجيزون:
جاء زيدٌ وأنا وعمرو.
إلا مع تأكيد الضمير أو الفصل.
أما الكوفيون فيتوسعون في ذلك اعتماداً على السماع.
وهذا الاختلاف يكشف أن اللغة التي يستثمرها نشوان تنتمي إلى فضاء عربي واسع تتجاور فيه الظواهر المختلفة التي قبلتها العرب في كلامها.
المثال الثاني: التنازع
في قولنا:
أكرمني وأحسن إليَّ خالدٌ.
يرى البصريون أن أحد العاملين أولى بالعمل وفق قواعد دقيقة.
بينما يميل الكوفيون إلى التوسع في الأخذ بالسماع.
وهذا ما يفسر اهتمام نشوان بالنصوص المروية والأخبار المتوارثة بوصفها شاهداً لغوياً وتاريخياً معاً.
فقهاء اللغة والنشوانية
إن قراءة القصيدة في ضوء جهود فقهاء اللغة تكشف عن عمقها المعجمي.
فلو عرضت ألفاظها على ابن فارس لبحث عن أصولها الدلالية المشتركة، إذ يرى أن لكل جذر معنى كلياً تتفرع عنه الاستعمالات المختلفة.
ولو تأملها الجوهري لوقف عند سلامة المادة اللغوية وصحة الاستعمال.
أما ابن جني فكان سيجد فيها دليلاً على العلاقة العضوية بين الصوت والمعنى، إذ إن كثيراً من ألفاظ الفخر والقوة تأتي بأصوات مجلجلة تحمل في ذاتها إيحاء العظمة والهيبة.
ومن منظور فقه اللغة، تمثل النشوانية نموذجاً لما يُعرف بـ”الهوية اللغوية”، حيث تتحول الألفاظ إلى علامات ثقافية تشير إلى تاريخ أمة كاملة لا إلى أفراد متفرقين.
البنية البلاغية في القصيدة
تعتمد النشوانية على عدد من الأدوات البلاغية المؤثرة:
التكرار لترسيخ الفكرة.
الاستدعاء التاريخي لإضفاء المصداقية.
المقابلة بين المجد والانحطاط.
الاستفهام الإنكاري لتأكيد الحجة.
الالتفات لإثارة انتباه المتلقي.
ومن أمثلة ذلك أن الشاعر ينتقل من الحديث عن الملوك التبابعة إلى مخاطبة معاصريه مباشرة، فيخلق جسراً زمنياً بين الماضي والحاضر، وكأن التاريخ لا يزال حياً في الوجدان.
النشوانية بوصفها خطاباً حضارياً
ليست قيمة القصيدة في جمالها الفني فحسب، بل في كونها مشروعاً ثقافياً متكاملاً. فقد أراد نشوان الحميري أن يثبت أن العربية ليست حكراً على إقليم أو قبيلة، وأن الحضارة العربية الإسلامية قامت على إسهامات شعوب وأقاليم متعددة، كان لليمن فيها نصيب وافر.
ومن هنا تتحول القصيدة إلى دفاع عن التعدد داخل الوحدة، وعن الانتماء الحضاري الذي لا يلغي الخصوصيات المحلية، بل يجعلها روافد تصب في نهر الثقافة العربية الكبير.
إن القصيدة الحميرية ليست مجرد أثر شعري من آثار القرن السادس الهجري، بل نصٌّ تتقاطع فيه علوم اللغة والتاريخ والبلاغة وفقه الثقافة. وهي شاهدٌ على أن الشعر العربي كان، في أرقى تجلياته، أداةً للمعرفة والاحتجاج وبناء الوعي. ولعل سر خلودها يكمن في أنها لم تتحدث عن أمجاد الماضي بوصفها أطلالاً منسية، بل جعلت من التاريخ قوةً حيةً تُسهم في تشكيل الهوية، ومن اللغة جسراً يصل الإنسان بجذوره الحضارية وذاكرته الثقافية العميقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى