رؤي ومقالاتغير مصنف

الكاتبة وفاء أخضر تكتب: لو أحبّ جسدي!

اشتدّ الصراع، ما عادت تنفع جرعات البنادول المتتالية في تخفيف حدّة الصداع والأسئلة… فقدت الكثير من أنوثتي وأحلامي، ذكرياتي ما عادت تخيفني؛ ماضيّ المثقل بالخوف والتهميش، ابنتي التي غادرت باكرا، يوميّاتي التافهة،الخالية من أيّ حدث استثنائي.
أبي مات أخيراً… حدث استثنائي، لا يتكرّر.
لم أعرف إذا بكته أمّي، أو بكت نفسها…
لما هاتفتني أمّي ذاك اليوم…
– أبوك مات…
رميت الهاتف، صرخت صرخة، أخرجتني من جسدي، تحوّل جسدي كلّه صرخة، لا بل أنا كلّي أصبحت صرخة…
هل كنت متعلّقة به إلى هذا الحدّ؟
أو أنّ جزعي ناجم عن أنّي أدركت من جديد، بوضوح تام وبدون مواربة أنّ الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا شكّ فيها.
مات أبي. آه! لماذا مات الآن…؟ لماذا نموت…؟ أريد أن أرى ابنتي، لماذا ماتت هي الأخرى حتّى قبل أن تعيش؟ كيف يموت الأطفال؟ كيف نكون، وفي لحظة تافهة، ولأسباب تافهة نرحل و لا نكون؟
نتوقّف عن أيّ فعل عندما نموت إلّا فعل الموت عينه. هل ننسى موتانا؟ هل نُنسى؟
ذاك الجرو الوحيد المنسيّ على ناصية الشّارع، مات وهو يرتعش بردا وجوعا ووحدة… كذلك أبي …
حمدا، أنّه في آخر أيّامه، تخلّص ممّا أثقل روحه، من ذاك الهاجس في أن يكون رجلا “كاملا”، فظا، خائفا، حانقا، وقاسيا. كلّ تلك الصفات التي قتلت روحه في شبابه وفي ما بعدها، تبدّدت في كهولته؛ فقد كان لطيفا جدّا عاشقا للحياة؛ عاد طفلا، أنانيا بشكل جميل، محبّا، حنونا، خائفا على أمّي وعلينا.
تجمّع الناس حول جسده الذي أصبح فجأة جثة…
صرخت حنينا الى جسدي وخوفا عليه، جسد زوجي، جسد ابنتي، جسد هذا العالم؛ كلّنا سنغادر وأجسادنا للتوّ وسريعا…!
كنت أسيرة لعوالمي الداخلية، كعادتي، وكان إحساسي بالحزن والفقد شديدا. رغم هذا، كنت أشعر أنّي قادرة على الخروج من عالم الأجساد المتهالكة هذا…
لماذا نحن هنا في هذا العالم؟ ببساطة لنرى ما يجب أن نراه. عليّ أن أكفّ عن إغماض عينيّ خوفا، وعليّ أن أجعل هذا العالم حولي أجمل! أمضي وفي عينيّ صور جميلة… عليّ أن أخفّف القبح في هذا العالم، وهل هنالك أقبح من الخوف والكره؟
عدت إلى البيت، وجدت زوجي كعادته يشاهد الأخبار، يرى العالم من الخارج. كان هاربا من ذاته أبدا، وكنت دائمة النبش في ذاتي أبدا، مشغوفة بالدّاخل حدّ التطرّف. حزني لا ينفكّ يتعاظم. بيننا موت من نوع آخر. ما الفرق بيننا وبين الأموات؟ يرون ما لا نرى، ويدركون ما لا ندرك، عوالم منفصلة أبدا. بيني وبينه موت فعلي… وحيدة جدا، وحيدة أبدا.
لن يراني حتما، ونحن نحتاج من يرانا وحسب. دخلت الحمّام، حاولت إزاحة عطر الموت وأبي عن جسدي. لا أنفك أفكّر. علي أن أفعل لأكون في هذا العالم. أنا لا أفعل شيئا، أنا ميتة… أرعبتني الفكرة، وجدتني أصرخ في الحمّام بطريقة هستيرية بأعلى صوت، كأنّي أؤكد لنفسي وللعالم، أنّي حية، لم أمت، أنا هنا، وجسدي لم تنته مدّة صلاحيته. صرخت وصرخت أكثر مما يتحمّل جسدي، وظليت أفعل حتّى أغمي عليّ…
لا أعرف ماذا حصل، رأيت وجه ابنتي الّرقيق وظهر زوجي. العالم دوما يدير لي ظهره، وكذلك هو… لا ينفع الصّراخ ولا الاحتجاج ولا الحزن ولا البكاء لأثبت أنّي حية. لأكون عليّ ألّا أخشى الهواء الطّلق، عليّ أن أخرج من سجني.
وقرّرت أن أخرج… وأن أخرج كلّ ما في أعماقي. لو أكتب! لو أحبّ جسدي! لو أقف أمام المرآة، دون أن أخشى ملامحي، عليّ أن أرى هذا العالم بكلّ ما فيه من قبح وجمال؛ عليّ أن أخطئ وأن أعيش…
الصّراط المستقيم حلم غبيٌّ غير متاح في هذا العالم، نحن من سيرورة وصيرورة، قوانين العلم ليست صراطا مستقيما، العلم غبيّ رغم ذكائه… الحياة في مكان آخر أبعد من دوافع، واحتياجات…
“تضيق العبارة فتتسع الرؤيا…”
البطل في رواية نجيب محفوظ” الشحّات” كان يبحث عن المعنى، عن النور، خرج من جسده ليرى الطّريق فتاه… هنا على الأرض نرى أبعد من الجسد عبر الجسد! لن أغادر جسدي؛ لن أخرج من الحياة… الحياة تستحق أن نكونها، لا أن نخرج منها… والمعادلة الصّحيحة، هي أنّ الحياة تكمن خارج المعادلات…
هذا ما كتبه لي عمرمنذ سنوات… هو في داخلي رغم السنوات، أردّد بعض العبارات التي كتبها لي، في لحظات صدقي مع ذاتي. لم يمت رغم الصّمت والمسافة…لا أحد يدخل أرواحنا، يموت حقا، وأبدا! أبي لم يمت، كذلك عمر.
وجدته، لا بل بحثت عنه في الفيسبوك يومها…اسمه، بدون صورة، كان يكره الصّور، ها هي كلماته عوالمه، مثلي كان شغوفا بالدّاخل.
أرسلت له رسالة كما فعلت أوّل ما تعارفنا، وبدأ الكلام ولم ينته، لم أنم ولم ينم، وأخذ يحدّثني في ما كنت قد نسيته أو تناسيته.
أسماء روايات وكتاب وزوربا ، وآلام فرتر، عوالم ، قرّرت في وقت مضى، أنّها من أوهام، وأنّ الفشلة يقرأون ويكتبون، وأنّ الأذكياء يعيشون، يتلذّذون… الكتابة ثرثرة، “والثرثرة هي أفيون المضطهَدين الجبناء” حاولت أن أقنع نفسي وأن أصدّق أنّنا مجرّد جسد واحتياجات ودوافع… وأن عليّ أن أمارس الحبّ، وعليّ أن أنجب وآكل، و…و… ولم يرضني كلّ هذا! لم أستطع أن أصدّق أنّي تلك المرأة البلهاء كهرّة! كنت ميتة…
أخذت أصغي إليه وكأنّي أليس، ودخلت عجائبه…
شعرت بطمأنينة وسكينة، وغفوت كطفلة، أمّها تمسّد شعرها على وقع حكاية الشّاطر حسن الذي ينتصر للخير أبدا.
أردت البقاء هناك قيد اللاصعود واللا هبوط …
لكن عينيّ زوجي الغاضبتين، وصراخه هبطا بي …لا بل رأيتني أهوي…
الآن أنا لا أخشى الموت، بل أخشى فوات الحياة.
وفاء أخضر … من روايتي ( أنا أخطئ كثيرا) عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى