رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:غرباء في وطن مسروق

كيف استطاع المجتمع العراقي أكثر المجتمعات في العالم حديثاً عن المثل العليا والأخلاق من إنتاج هذه الأعداد الهائلة من اللصوص الكبار ومن القتلة ومن المسوخ في كل مكان؟
من الممكن مطاردة اللصوص مثلاً لكن كيف يمكن مطاردة البيئة المنتجة لهم وهي ليست جغرافيا بل شبكة معقدة من القوانين والتقاليد والاقتصاد والثقافة والمعايير والانتقال من عقلية المحاسبة القانونية الى عقلية الرقابة الذاتية وسلطة الضمير؟ يمكن انتاج أي شيء إلا الضمير.
الطريقة الأفضل لانتاج اللصوص هو تطبيق القانون على الضعفاء واعفاء الأقوياء وهذا الانتقاء يشرعن الجريمة بدل رفع الغطاء العشائري والسياسي والديني عن اللصوص.
عندما تتحول المثل العليا والاخلاق الى أدوات زينة للوجاهة تتحول الى ديكور وقناع اخلاقي بلا محتوى في التطبيق. يتحول اللص الى أن يبدو نزيهاً في الظاهر لا نزيها في الحقيقة خلف الأبواب المغلقة. عندما يغيب الضمير ويحل الحذر والخوف.
أخطر ما يمكن أن يتعرض له مجتمع أن تتحول الأخلاق الى تبرير للعنف والسرقة عندما يبرر اللص لنفسه إنه يسرق حقه قبل غيره وعندما يعتبر القاتل نفسه مطهراً لا مجرماً.
المجتمع المغرم بالثرثرة المنافقة عن القيم المثالية مرتع لانتاج اللصوص والمسوخ والانتهازيين والقتلة ويلجأ الى خلق معايير شكلية وانتاج أقنعة وممثلين.
الذين يعتقدون ان التاريخ بدأ من لحظة وعيهم وعلينا تغيير الروزنامة على توقيتهم، نقول كنا حذرنا من سرقة الوطن قبل سرقته بسنوات ويوم كانت السلطة السابقة قائمة والمعارضة في المنافي لاننا لم نخدع بالشعارات،
وقبل ولادة واقع اليوم وكنا أول من إشتق مفهوم” النخبة الفاسدة” في رواية ” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” عام 2000.
مقاطع من الرواية الصادرة عام 2000 من بيروت دار كنوز:
” هؤلاء سيسرقون الوطن يوماً
كما سرقوا المنفى، تسقط الحرب الاهلية القادمة، هذا الوطن سينفجر يوما بحرب او بلا حرب، قدرنا ان نكون مشردين وقدرهم ان يكونوا زعماء، هذه النخب الفاسدة غير قادرة على التغيير حتى تغيير قن دجاج، ستعود يوما هذه الحثالات عودة الابطال من المنافي وهم تاجروا بلحم الوطن في المنفى،
ستتغير الشعارات والموت واحد،
أشم في الهواء رائحة مذبحة قادمة وسوف تفتح أبواب السجون وتغلق أبواب الأمل،
وسيكتبون التاريخ مرة اخرى بل سيصنعونه ،
لقد أخذ التاريخ شكل البورديل.
هؤلاء سيسرقون يوماً كل شيء الأشجار والأضرحة
والمقابر والجبال والسهول. في يوم ما عندما يعود مناضلو وشعراء وحزبيو الطاولة والنرد والقبض والحشيش والصحف الصفراء وعارضو منائر واضرحة ومساجد وقناطر وطيور وخيول الوطن للبيع، سوف لن نجد مكاناً فارغاً للنوم أو الحلم
على مائدة ذئاب تخجل منها حتى الذئاب”.
وفي مقطع آخر:
” قلت يوما ليوسف البابلي : قد لا نجد يوما وطنا أو حائطا نتكئ عليه. سيحرقه” الطاغية” ويرحل”.
في غمرة نشاف الريق والقهر و الحزن المتراكم والغضب النبيل، قال يوسف:
ـ” هذا أحسن”.
” لماذا، يوسف؟”
ـ” لكي لا نجد أنفسنا غرباء يومذاك مرة أخرى في وطن مستعار ومسروق. الجبناء على الأبواب كضباع الفطايس . هؤلاء في الانتظار. يومها بدل أن تفتح أبواب الأمل، ستفتح أبواب السجون وتحت أسماء ورايات جديدة. لن تتغير سوى العناوين والموت واحد. هذه النخب الفاسدة غير قادرة على إدارة مشروع التغيير الحقيقي بل عاجزة حتى عن مشروع دواجن”.
هذا ما حدث بعد ثلاث سنوات وحتى اليوم. وما سيحدث في المستقبل وستزول كل هذه الضجة عن التغيير ومطاردة اللصوص لأن البيئة المنتجة باقية وراسخة وتمأسست صارت مؤسسات. العراقي اليوم يعاني من الاغتراب (Alienation) في وطنه وهو أقسى من الغربة المكانية المنقذة لأنه يشعر أنه تفصيل ملحق بعجلة ميكانيكة ضخمة ومستلب المصير وفقدان معنى الحياة والأمل.
إن من يعتقد أن رئيس الوزراء الحالي اليوم يقود حملة مكافحة الفساد يقع في خطأ فادح لأن ” الرأسمال جبان” يبحث عن بيئة آمنة للاستثمار والرأسمالي العربي خاصة شخصية مسطحة يخاف المغامرة ويحب الاستثمار في الاعمال السريعة المربحة ويخاف الاعمال الاستراتيجية البعيدة المدى خوفاً من تحولات عاصفة وانقلابات وعواصف سياسية غير متوقعة.
“”” يدير الزيدي شبكة أعمال ضخمة تتضمن مجموعة الأويس، والتي تضم تحت مظلتها 15 شركة.تشمل هذه الشركات مجموعة واسعة من القطاعات، أبرزها:مجموعة الأويس وتضم شركات تعمل في المقاولات، والتجارة الغذائية، والإنتاج الزراعي والحيواني، والنفط، والطباعة وفي قطاع المصارف يدير” المصرف الاسلامي الجنوبي”””.
إن الولايات المتحدة تقوم اليوم بحملة ” تنظيف” ورفع الغطاء عن لصوصها القدامى الذين انتهت صلاحيتهم وصاروا عبأ ثقيلاً وحان وقت التخلص منهم في عملية” ترقيع” للتخلص من هؤلاء لكن للحفاظ على النظام نفسه.
إن مصير رئيس الوزراء هذا سيكون غامضاً في الفترة القادمة في مهمة لم يكن مستعداً لها ولا راغباً فيها وصار في الواجهة هو المعتاد على التجارة والعمل السري الصامت ويتحاشى المواجهات ويتعامل حتى اليوم مع موقعه في السلطة كرئيس وزراء بالعمل من خلف ستار لأنه مدرك كونه واجهة، ومن المحتمل تعرض لضغوط لاستلامها خاصة عليه عقوبات من الخزانة الأمريكية بتهم الفساد.
هل سيكون علي الزيدي مصلحاً أم ضحيةً؟ من تقاليد الولايات المتحدة مع النظم التابعة أنها تستفيد من السياسيين عندما تأتي بهم الى السلطة للعب أدوار تخدمها وعندما تتخلص منهم لكي تظهر بدور المنقذ وتاريخها مليء بالأمثلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى