كتاب وشعراء

هل مات المثقف أم ماتت صورته القديمة؟ بقلم: حامد الضبياني

ثمَّة أصوات مازالت تتردد في فضائنا الثقافي كلما اشتدَّ الظلام أو تعقَّدت الأزمات، فتسأل بجدِّيَّة تكاد تكون مقدَّسة: أين المثقف؟ وما دور المثقف؟ وكيف يمكن للمثقف أن ينقذ المجتمع؟ لكنَّ السؤال الذي يتسلَّل من بين هذه الأسئلة كلها أكثر خطورة وإزعاجاً؛ هل نحن نبحث فعلاً عن المثقف، أم نبحث عن شبح قديم تركه القرن الماضي خلفه ومضى؟
لقد تغيَّر العالم بطريقة لم تحدث منذ قرون. المدن لم تعد كما كانت، والمعرفة لم تعد تسكن الرفوف، والحدود بين الشعوب تآكلت تحت ضغط التكنولوجيا، والأفكار أصبحت تعبر القارات في ثوانٍ، بينما لايزال كثيرون يتخيَّلون المثقف رجلاً يجلس بين أكوام الكتب الصفراء، يتحدَّث بلغة معقَّدة، ويحفظ أسماء الشعراء والفلاسفة، وكأن الزمن توقَّف عند صورة بالأبيض والأسود التقطت في ستينات القرن الماضي.كان مثقف الأمس يعيش في عالم مختلف؛ كانت المعلومة نادرة، وكان الكتاب نافذة وحيدة تقريباً على المعرفة، وكان الوصول إلى الأفكار يحتاج سنوات من البحث والتنقيب. لذلك اكتسب المثقف مكانته من امتلاكه لما لا يمتلكه الآخرون. أما اليوم فقد انهارت تلك الحواجز كلها. أصبح الهاتف الصغير يحمل من المعرفة ما لم تكن تحمله أعظم المكتبات قبل عقود، وأصبح السؤال ليس من يملك المعلومة، بل من يفهمها، ومن يستطيع تحويلها إلى وعي وسلوك ورؤية.
وهنا تبدأ المأساة.فكثير من الذين ما زالوا يرتدون عباءة الثقافة القديمة يتعاملون مع العالم الجديد بوصفه خطراً لا فرصة، ويتعاملون مع التغيير بوصفه مؤامرة لا تطوراً طبيعياً للحياة. تراهم يكررون الكلمات نفسها، ويستدعون المعارك نفسها، ويعيشون داخل أرشيف الذاكرة أكثر مما يعيشون داخل الواقع. إنهم يشبهون بحارة يحفظون خرائط بحر جف ماؤه منذ زمن، ثم يتساءلون: لماذا لم يعودوا يصلون إلى الموانئ.ليس عيباً أن نقرأ المتنبي، لكن العيب أن نقرأه ونفشل في قراءة عصرنا. وليس نقصاً أن نحفظ التراث، بل النقص أن نتحول إلى حراس للماضي بدلاً من أن نكون جسوراً نحو المستقبل. فالثقافة ليست متحفاً للأفكار القديمة، بل قدرة مستمرة على إعادة اكتشاف الإنسان والعالم.لقد نشأ وهم كبير في وعينا العربي مفاده أن المثقف هو الشخص الأكثر قراءة، بينما الحقيقة أن أكثر الناس قراءة ليس بالضرورة أكثرهم فهماً للحياة. قد تجد إنساناً لم يكتب مقالاً واحداً لكنه يفهم تحولات العالم وأسئلته الكبرى أكثر من آخر أمضى عمره بين الكتب. فالثقافة ليست كمية ما يدخل إلى العقل، بل نوعية ما يخرج منه.ما قيمة آلاف الكتب إذا بقي صاحبها أسيراً للتعصب؟ وما قيمة مئات القصائد إذا كان عاجزاً عن قبول رأي مخالف؟ وما جدوى الحديث عن التنوير إذا كان صاحبه يخاف من فكرة جديدة تهزُّ قناعاته القديمة؟ إنَّ الثقافة التي لا تنتج إنساناً أكثر رحابة ليست ثقافة، والمعرفة التي لا تكسر جدران الانغلاق ليست معرفة، والقراءة التي لا تجعل صاحبها أكثر تواضعاً ليست سوى شكل أنيق من أشكال الغرور.
في عالم اليوم لم تعد الثقافة تسكن المكتبات وحدها. إنها تسكن المطارات أيضاً، واللغات الجديدة، والتجارب الإنسانية المختلفة، والتعرُّف إلى الشعوب، وفهم أنماط الحياة الأخرى، ومواكبة التحولات الرقمية، والقدرة على التكيف مع اقتصاد ومعرفة وتقنيات تتبدل كل يوم. الثقافة أصبحت مرونة عقل قبل أن تكون امتلاء ذاكرة.ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا ليس نقص المثقفين، بل وجود نماذج ما زالت تتحدث باسم الثقافة وهي عاجزة عن فهم طبيعة العصر. نماذج تحاكم الحاضر بأدوات الماضي، وتقيس سرعة الطائرات بعقلية راعي القوافل، وتحاول تفسير ثورة الذكاء الاصطناعي بلغة معارك فكرية انتهت قبل نصف قرن. لذلك تبدو الفجوة هائلة بين عالم يتحرك بسرعة الضوء وعقول ما زالت تنتظر قطاراً غادر المحطة منذ زمن طويل.
لكن المشكلة ليست قدراً محتوماً، فالعلاج يبدأ حين ندرك أن الثقافة ليست لقباً يمنحه أحد لأحد، وليست شهادة تعلَّق على الجدار، ولا صورة يلتقطها المرء مع كتاب. الثقافة فعل يومي من التعلُّم، والمراجعة، والشك الصحي، والانفتاح على المختلف، والقدرة على الاعتراف بأن العالم أكبر من أفكارنا جميعاً. نحن بحاجة إلى مثقف يتعلَّم قبل أن يعلم، ويصغي قبل أن يتحدَّث، ويكتشف قبل أن يحكم، ويعيش في زمنه لا في حنينه إليه. بحاجة إلى إنسان يرى المعرفة رحلة لا محطة، وسؤالاً لا جواباً نهائياً، وتطوراً لا جموداً.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرِّقنا اليوم ليس: أين المثقف؟ بل: هل مازلنا نبحث عن إنسان يفهم العالم كما هو، أم أننا مازلنا نطارد صورة قديمة صنعها الماضي واحتفظنا بها حتى بعد أن تغير كل شيء حولنا؟

بقلم: حامد الضبياني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى