
قلب الآية المعرفية
يعيش الفضاء السياسي والإعلامي في مصر حالة من التشويه الممنهج للمفاهيم السياسية والدستورية؛ حيث جرى اختزال “الدولة” بكافة مقوماتها التاريخية والجغرافية والبشرية في مفهوم ضيق لا يتعدى “نظام الحكم”.
هذا الاختزال ليس مجرد خطأ عابر، بل هو آلية سلطوية متعمدة تهدف إلى تحويل نظام الحكم من مجرد “وكيل” مؤقت ومفوض، إلى “مالك” أصيل يتمتع بقداسة وطنية، ومن ثم يُمسي أي نقد لتوجهاته أو سياساته بمثابة خيانة أو محاولة لتقويض أركان الدولة ذاتها.
فمن الخطأ الفادح اختصار الدولة في جوهرها لتقتصر على نظام الحكم؛ إذ تنعدم قيمته تماماً دون المقومات الأخرى، فبلا شعب يعمر الأرض، وبلا حيز جغرافي، لا حاجة أصلاً لوجود هذا النظام.
أولاً: الشعب هو الأصل والمالك الحقيقي للثروات
إن القراءة المجردة لمفهوم الدولة الحديثة تؤكد أن الشعب هو المقوم الأساسي والأول؛ هو صاحب الأرض، ومؤسس المؤسسات، والمالك الشرعي لكل الثروات والموارد الطبيعية التي تقع في حيزه الجغرافي، من مياه إقليمية وجو وباطن الأرض.
ترتبط هذه الكتلة البشرية بروابط العرق والتاريخ والثقافة المشتركة قبل وجود أي سلطة.
وفي إطار ترسيخ العدالة -كمهمة رئيسية لنظام الحكم- يجب أن تتحقق لكافة فئات الشعب الفرص المتكافئة للاستفادة من هذا الحيز الجغرافي والموارد الطبيعية، بحيث لا تُوجّه خيرات البلاد لصالح فئة معينة دون أخرى.
في الدولة الرشيدة، لا تعلو فئة على أخرى إلا بمقدار ما يبذله الفرد من جهد حقيقي وإنتاجية ملموسة، وليس بسبب الاقتراب من دوائر نظام الحكم، أو بسبب تفشي المحسوبية والفساد والسكوت عنه.
إن تحويل المواطن في مصر إلى مجرد “متلقٍّ للقرارات” مطالب بالتضحية دون شَرَاكة حقيقية في إدارة ثرواته، يمثل انقلاباً بنيوياً على فلسفة العقد الاجتماعي.
ثانياً: القوانين كأداة لحماية الحقوق لا لتكبيل المحكوم
المقوم الثالث للدولة يتجسد في الدستور والقوانين والأعراف التي يقرها الشعب لتنظيم شؤونه.
في المفهوم الدستوري السليم، تُشرّع القوانين أساساً لتنظيم شكل وإطار السلطات، والفصل والتنسيق بينها، لضمان إعطاء الحقوق لجميع أفراد الدولة، وحمايتهم من تغول السلطة.
أما في الواقع المصري الحالي، فقد تحول القانون إلى أداة طيعة في يد السلطة التنفيذية لشرعنة ممارساتها وتقييد الحريات.
وعندما تبتلع السلطة التنفيذية البرلمان والقضاء، يغيب الفصل الحقيقي بين السلطات، ويتحول القانون من درع يحمي المواطن ويضمن أمنه العام، إلى وسيلة سلطوية لتكميم الأفواه وحصار المجتمع المدني وتمرير السياسات دون رقابة شعبية حقيقية.
ثالثاً: تفكيك ذرائع النظام.. مسؤولية السلطة عن سلوك المجتمع
من أبرز المفاهيم المغلوطة التي تروّج لها الآلة الدعائية للنظام المصري الحاكم، لوم الشعب ووصمه بـ “الكسل” أو “الفساد” أو “ضعف الوعي” لتبرير الإخفاقات المتتالية.
والحقيقة العلمية والسياسية تؤكد أنه لا يوجد شعب فاسد أو كسول بطبعه؛ فنظام الحكم هو المسؤول الأول والأخير عن السيطرة، وممارسة السيادة، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
على السلطة أن تتخذ من الإجراءات والتشريعات ما يضمن انتظام العمل، ومحاسبة المخطئين، وتنظيم العلاقة بين أصحاب العمل والعاملين بشكل متوازن وعادل.
وبالتالي، فإن تفشي الفساد، أو الكسل، أو ضعف الإنتاج في الحالة المصرية هو خطأ النظام ومسؤوليته الكاملة، نظراً لفشله في بناء بيئة مؤسسية تحفز الكفاءة وتحاسب الفاسدين.
رابعاً: وهم الإصلاح الاقتصادي وأزمة الأولويات المقلوبة
يظهر الخلل النقدي الواضح في النهج الاقتصادي المصري الحالي، حيث يختزل النظام “الإصلاح” في مجرد عمليات محاسبية لضبط طرفي الموازنة العامة، والاستدانة المفرطة، وإهلاك الأموال والموارد الطبيعية عبر التوسع غير المدروس في الأعمال الإنشائية من مدن جديدة وعقارات وطرق وأنفاق.
ورغم أهمية البنية التحتية، إلا أن التوسع فيها يجب أن يقتصر على القدر الضروري والملح فقط؛ لأن هذه المشروعات الخرسانية لا تؤدي بطبيعتها إلى زيادة الإنتاج الحقيقي أو تعظيم الموارد المستدامة، بل تأتي في مرتبة تالية من الأهمية بعد ضبط عملية الإنتاج والتوسع فيها (كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا).
إن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يعتمد بشكل أساسي على منظومة متكاملة تشمل: الفرد، والآلة، والموارد المتاحة، ونظام العمل. وفي هذه المنظومة، يشكل تأهيل ورفع قدرات الأفراد على الإنتاج، وتحسين ظروف معيشتهم، العنصر الأساسي والشرط الأول لبدء أي إصلاح.
بناءً على ذلك، لا يعقل في الحالة المصرية أن يُحمّل الأفراد في الطبقتين المتوسطة والفقيرة بأعباء إضافية وسياقات تقشفية تثقل كاهلهم وتستنزف قدرتهم الشرائية والصحية، وهم بالأساس المنوط بهم قيادة عملية الإنتاج وعصب الاقتصاد، ثم يُطلب منهم بعد ذلك مزيد من العمل والإنتاج في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة والتعقيد.
خاتمة: استعادة مربع “الوكالة” المشروطة
ختاماً، إن انعدام قيمة نظام الحكم دون مقوماته الأساسية (الشعب والأرض والقانون) هي حقيقة مطلقة؛ فالسلطة ليست تشريفاً بل تفويض مشروط.
إن محاولة النظام المصري اختصار الدولة في شخصه، وتوجيه الموارد لصالح فئات قريبة منه، وإرهاق الفئات المنتجة بالديون والضرائب لتمويل مشاريع بصرية، هو مسار غير مستدام يهدد الأمن القومي الحقيقي.
إن استعادة الدولة المصرية لعافيتها وتبوؤها مكانتها المستحقة من التقدم والرقي يرتبط شرطياً بتصحيح هذه المفاهيم، وإعادة نظام الحكم إلى مربعه الحقيقي كـ “وكيل وموظف” يخضع لإرادة ومحاسبة “الأصيل”، وهو الشعب.