
لا ينام الشخص نزيهاً وطنياً شريفاً مؤمناً وفي الصباح يتحول الى نهاب ونصاب فجأة،
وبالعكس لا ينام اللص والمحتال في الليل وفي الصباح يتحول الى كاهن أو مصلح،
لأن هذا يتناقض كلياً مع طبيعة البشر بل سبق أن مرّ في مراحل سبات طويلة في انتظار الفرصة السانحة. انها ليست قفزة في الفراغ بل عملية تراكمية خفية في الشخصية تظهر في ظروف ملائمة. هناك حلقة وسطى مفقودة ومنطقة عبور خفية يعبرها اللص أو النصاب أو النرجسي الخفي من السرية الى العلانية وهذه الحلقة المفقودة تتمثل في غياب مصدات قانونية واخلاقية رادعة وفي غياب رقابة شعبية وفي المال السائب وفي مجتمع يعشق المظاهر وسمعة النزاهة والتمثيل. من هنا منطقة عبور اللصوص الكبار.
بلغة علم الاجتماع” التواطؤ المهذب” أو الصامت الذي يخلق” مناخ الجريمة” فلا بعوض بلا مستنقع آسن والسمك لا يسبح في الرمل. لكل جريمة بيئة.
عملية انتقال دراويش من المحراب الى المصرف ومن الصومعة الى العقارات ومن عزلة الناسك الى المقاول،
ومن خطاب تقديس التاريخ الى ممارسة تقديس المال والجاه والثراء،
ليست عملية سهلة رغم أن بذور هذا التحول والمسوخية نائمة في أعماقهم
في انتظار الفرصة السانحة ولا يستيقظ الانسان النظيف في الصباح
لكي يجد نفسه قرصاناً أو لصاً، فجأة، أو نصّاباً.
صناعة مأجور لا تقل كفاءة وعلماً وصناعةً عن صناعة الأحذية والسيارات والقطارات والسفن والمكانس.
هناك معامل ومراكز أبحاث متخصصة في تحويل هؤلاء من الادوار القديمة
الشكلية، من الاستعراض الكاذب ، الى الدور الحقيقي المخفي،
بالاستناد الى معلومات مجهرية وسجلات التاريخ الشخصي بالطريقة نفسها التي يتم فيها اختيار وتصنيع سلعة،
كما هو الأمر في صناعة الدمى وترك هامش مناورة لهؤلاء أمام الناس من أجل الهيبة.
كيف انقلبت صور قادة وزعماء أحزاب في العراق بسرعة قياسية؟ هناك تصور شعبي ونخبوي لدى البعض على ان الولايات المتحدة الامريكية
عندما تستطيع التدخل لبناء نظام جديد لا يتقاطع مع المصالح الامريكية،
فإن أساس الاختيار سيقوم على النزاهة والسمو الاخلاقي والتاريخ الوطني،
والكفاءة،
كما لو انها تختار هؤلاء من حلقات الدراويش والصوفيين ورهبان الجبال المنعزلين،
كما يتم الامر في مضيف أو في محراب أو مؤسسة فلسفية،
لذلك تُنشر، هذه الايام، صوراً لهذا الوزير او ذاك عن الليالي الحمراء وحفلات الرقص،
أو اخبار الفساد وسرقة المال العام والعقارات المهربة الى الخارج،
مع ان ذلك أحد شروط الاختيار الامريكي لكي يصبح المسؤول رهينة مزمنة ودمية يمكن التحكم بها،
لأنه يعرف حجم الثمن ويعرف حجم الملفات.
السفير الامريكي في كابول قال في لقاء مفتوح انه لم يدخل يوما على قرضاي الافغاني الرئيس الاسبق إلا ووجده يهذي، محششا، وفي حالة سكر، ويخرج منه دون أن يستطيع التفاهم معه،
ويقول صراحة:” نحن نعرف انه لص وحشاش ولكننا لم نعثر على بديل”.
ثم جاء بعده آخر رئيس أفغاني أشرف غني الذي هرب من كابول وأخذ معه صناديق المال حتى ان الطائرة لم تستوعب الصناديق فتركت على الأرض وهرب هو بشهادته بالنعال ولم يلحق للبس الحذاء في لقاء متلفز معه.
المدقق في التاريخ الامريكي القريب سوف يدهش من ان الولايات المتحدة اغتالت زعماء وقادة في كل انحاء العالم بسبب وطنيتهم ونظافتهم الاخلاقية والسياسية: من بين هؤلاء باتريس لومومبا رئيس الكونغو،
وكوامي نيكروما رئيس غانا، وادواردو موندلين زعيم تحرير موزمبيق،
وكابرال احد زعماء حركة التحرر في غينيا بيساو، وقتل القائد والرئيس التشيلي سلفادر الليندي،
المشاركة في الانقلاب على الزعيم عبد الكريم قاسم وقتله،
محاولات الانقلاب والاغتيال المتكررة ضد رئيس تنزانيا جوليوس نيريري،
اغتيال سامورا ميتشل رئيس جمهورية موزمبيق،
وليس بعيدا عن الامر شبهة اغتيال عبد الناصر والملك فيصل وانديرا غاندي والجنرال ضياء الحق وغيرهم الكثير.
تذكر الصحف الامريكية والوثائق المفرج عنها باليوم والتاريخ والاسماء والمصادر الامريكية نفسها واعترافات رجال المخابرات أنفسهم في مذكرات أو اعترافات ان الولايات المتحدة قامت بتصفية رؤساء عملاء ومأجورين يتقاضون رواتب شهرية من السي أي ايه بعد انتهاء صلاحيتهم ــــــــــــــــ كما يجري اليوم في العراق في حملة خداع وترقيع عن الإصلاح ـــــــــــ أو العجز عن ضبط الاوضاع خشية من وقوع البلاد تحت حركة وطنية جذرية في نوع من قطع الرأس وتلقيح النظام:من بين هؤلاء الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشنج عام 1979،
ورومان ما غسيسه رئيس الفلبين العميل والمأجور الذي تم التخلص منه عام 1957،
اغتيال سالمون باندارانايكي رئيس وزراء سريلانكا عام 1959 بعد أن ” تنكر وكلاء المخابرات الامريكية” في زي رهبان خلال زيارة سالمون الى دير بوذي ليقتل على يد رهبان السي آي ايه،
اغتيال الرئيس الفيتنامي نجو دنه ديم عام 1963 بعد ان صار غير قادر على التحكم بالاوضاع.
إغتيال رئيس الدومنيكان الجنرال رفائيل تريخو وهو عميل أمريكي مأجور براتب شهري لفشله في ضبط الأوضاع من قبل عملاء في المخابرات الأمريكية، وكتب عن الحادث الروائي ماريا يوسا روايته: حفلة التيس ،
وحصل على نوبل.
في عام 1953 أزيح الدكتور مصدق عن الحكم في ايران ــــ بعد هرب الشاه، الأب ـــ وتأميم النفط بتحريض عاهرات طهران في مظاهرة ضخمة بثمن مدفوع،
وتمت ازاحته من الحكم ليموت موتاً” عادياً” لكن الوكالة تعترف بعد سنوات ان ذلك الموت العادي كان” تصفية حساب” مع مصدق.
من قتل جيفارا في غابات بوليفيا؟ وعرفات هل صعقته الكهرباء؟
أقذر مذبحة في تاريخ القرن العشرين ــــ ملغية تماما من التاريخ ـــ تعرضت لها حركة سياسية وطنية هي مذبحة الحزب الشيوعي الاندونيسي عام 1965،
حيث كشفت الصحيفة الامريكية” سان فرانسيسكو إكسامينر” في 20 ايلول 1990 ويفصل في الكلام عنها المفكر الالماني مايكل اوبرسكالسكي في كتابه” نادي القتلة”،
ان وكالة المخابرات الامريكية قدمت معلومات تفصيلية عن قادة الحزب وكوادره وعناوينهم واماكن التخفي،
وشاركت السي اي ايه مع الجيش والامن وفرق القتل في” اصطياد” هؤلاء بحيث تمت تصفية خمسة الاف في يوم واحد ـــــــــــ كما حدث في العراق في الثامن من شباط 1963 في الانقلاب الدموي على الزعيم.
في عام 1966 نشرت صحيفة” واشنطن بوست” تقريرا موثقاً ذكرت فيه بصورة مفصلة ان عدد الذين قتلوا” في عملية التطهير” تلك والصراع الاهلي الذي نشب بسبب تلك المجازر يقدر بـــــ ” نصف مليون” ووصفت الصحيفة تلك المجزرة: ” أسوأ عمليات القتل الجماعي في القرن العشرين”.
لا حاجة بعد اليوم لادهاشنا بصور مسؤولين أو وزراء يرقصون عراة أو في اللباس الداخلي في بيوت الكاولية أو في بيوت سرية أو في مكاتب الدولة،
ولن تنزعج الولايات المتحدة الامريكية من ان هذا المسؤول أو ذاك انفق ثلاثة أو اربعة ملايين دولار في القمار في دبي، أو ضبط متلبسا يرقص مع راقصة شبه عارية أو قام بغسل أموال مسروقة من المال العام،
لأنه ان لم يفعل ذلك، فسيتم دفعه للرقص والسرقة بل حتى الغناء والعزف على الغيتار حتى لو كان من سلالة صوفيين ورهبان،
لأن المال المغسول هو ثمن بسيط للمال الأكبر والثروات الوطنية المسروقة أو المرشحة، خارج وداخل الأرض.
اذا لم يرقص هو أو تسرق هي ، فكيف يُسرق الوطن؟ من يغتال ما تبقى من عناصر وطنية وتلقى المسؤولية على جماعة ارهابية؟ كيف سنموت موتاً بطيئاً لأن الموت البطيء يفسخ معه كل القيم الاخلاقية مع الزمن ويدمر المؤسسات على مراحل في حين الموت السريع يحافظ على بقايا قيم وبقايا مؤسسات؟