
في علم التسويق التجاري، عندما تفلس شركة ما أو تبور سعلتها، يلجأ العباقرة فوراً إلى حيلة سحرية تُسمى “إعادة الـ Branding”؛ يغيرون شكل الكرتونة، يختارون خطوطاً براقة، ويطبعون ملصقاً عريضاً يقول: “تركيبة جديدة ومطورة!”، مع الاحتفاظ بنفس المكونات القديمة الراكدة بالداخل.
يبدو أن هذا العلم الاستهلاكي العظيم قد وجد ضالته في دهاليز السياسة لدينا، فاستيقظنا ذات صباح لنجد أن جمهورية مصر العربية التاريخية – التي تأسست رسمياً عام 1953 واختُطفت عابراً ثم استردها مسار التاريخ في 30 يونيو 2013 – قد تم جرفها بجرة قلم دعائية، واستبدالها بمنتج “فوقي” هبط علينا من الطائرة يُدعى “الجمهورية الجديدة” (إصدار ما بعد 2014، أو براءة اختراع العاصمة الإدارية)!
المثير للسخرية السوداء ليس الشعار في حد ذاته، بل ذلك العبث الفج والسخف الذي لا يحتمله عقل باحث عن المنطق:
من الذي منح نفسه، فجأة وبلا تفويض، الحق القانوني والتاريخي ليعيد تسمية دولة بحجم مصر وتاريخها؟ وكأن الأوطان أصبحت “شركات عقارية” يُعاد تسميتها مع كل مجلس إدارة جديد، أو كأن التاريخ بدأ فقط عندما تحركت اللودرات لرصف الصحراء!
عقدة النقص الإنتاجية: الصين تفعلها صامتة ونحن نغني للسراب
عندما قررت الصين وماليزيا أن تتحولا إلى قوى عظمى واقتصاديات يشار إليها بالبنان، لم يخرج قادتهما ليصدعوا رؤوس الشعوب بإعلان “جمهورية الصين الحديثة طحن” أو “ماليزيا ليميتد إيديشين”. ببساطة، لأنهم كانوا مشغولين بأشياء تافهة بنظر جهابذة التخطيط لدينا:
كانوا يبنون مصانع، ويزرعون أراضٍ، ويطورون تكنولوجيات، ويخلقون طفرات إنتاجية حقيقية غيرت ملامح دخل الفرد والدولة.
أما في كتالوج “الجمهورية الكرتونية”، فالإنتاج والصناعة والزراعة هي رفاهيات يمكن تأجيلها إلى ما بعد اكتمال بناء أطول برج وأكبر مسجد وأضخم كنيسة في عمق الصحراء. وبما أن “الجديد” لدينا لا يقاس بحجم الصادرات بل بحجم المديونيات، فقد تجاوزنا مرحلة الاعتماد على النفس ودخلنا مرحلة الاعتماد المطلق على القروض الدولية.
المعجزة الاقتصادية هنا تتمثل في أن هذا المواطن المسكين، المطالب ليل نهار بالتصفيق والإشادة بالنهضة، هو نفسه الذي يمول أكثر من 80% من الموازنة العامة للدولة من جيبه وقوته وعبر ترسانة لا تنتهي من الضرائب والرسوم والجبايات الفوقية، ليدفع فاتورة “الفخامة الخرسانية” التي لا يراها إلا في الشاشات، بينما يغوص هو في بحر الغلاء لتوثيق اللحظة التاريخية!
مواصفات “الجديد” الحقيقي: العقد الاجتماعي ضد “الخرسانة المسلحة”
إن محاولة إقناعنا بأن الحلة الجديدة (من طرق وكباري ومدن معزولة) تعني ولادة دولة جديدة، هي قمة النفاق السياسي. العصر المغاير بحق، والجمهورية التي تستحق وصف “الجديدة”، لا تبدأ من رصيف أسفلت، بل تبدأ عندما تتوفر المقومات السياسية والإنسانية كحد أدنى، ومنها:
دستور حديث متطور كفيل بالحريات:
دستور حقيقي لا يُعامل كقصاصة ورق يتم تعديلها حسب مقاس الإدارة، بل دستور يكفل الحريات المطلقة، ويحقق العدالة الناجزة، ويحرر الدولة والمواطنين تماماً من أي وصاية دينية أو أيديولوجية على السياسة ونظام الحكم وخيارات الأفراد.
اقتصاد إنتاجي حقيقي:
اقتصاد يقطع حبل السرة مع صندوق النقد الدولي، ويركز على التصنيع والزراعة، ويخفف الأعباء عن جيب ذلك المواطن المطحون الذي بات يدفع رسوماً حتى على الهواء الذي يستنشقه فوق الكباري الرائعة.
كسر سيف الرقيب:
عندما تتوقف الوصاية الأمنية الخانقة، ويستطيع المواطن أن يعبر عن رأيه الرشيد بحرية تامة وبأمان، دون خوف من سيف معلق فوق رقبته، وفي ظل قضاء عادل يحميه ويضمن حقوقه بحق، لا قضاء يُدار بالهاتف والتعليمات.
إعلام الشعب لا بوق السلطان:
عندما يتحرر الإعلام من التوجيه الأمني الفج، ويتوقف عن النفاق والتملق الرخيص وتبرير الفشل، ليتحول إلى منبر ينشر الحقيقة، والثقافة، والفنون الراقية التي تبني وعي الإنسان، بدلاً من إعلام يبدو وكأنه ناطق باسم شركة مقاولات.
الثوب الجديد والجسد العليل: الـ Update الفاشل للسيارة المتهالكة
الواقع المعيشي اليومي يصر على صفع هذا النفاق الدعائي؛ فالدولة المصرية تظل هي الدولة المصرية بجغرافيتها وبشرها. والملامح الأساسية لم تتغير قيد أنملة: فالفقر هو الفقر، والجهل هو الجهل، والمعاناة اليومية هي ذاتها بل تضاعفت بفعل انهيار القوة الشرائية للجنيه والتضخم غير المسبوق.
إن هذا الوضع يشبه تماماً رجلاً يملك سيارة قديمة متهالكة، موتورها منفجر، وإطاراتها ممسوحة، وفراملها معطلة، وبدلاً من أن ينفق أمواله لإصلاح المحرك لكي تسير، ذهب واقترض مبالغ طائلة ليطلي الهيكل الخارجي باللون الفضي اللامع، ولصق على زجاجها الخلفي عبارة: “سيارة خارقة للجيل الخامس”!
السيارة لن تتحرك خطوة واحدة للأمام، وسيموت الركاب بداخلها من الحر ونقص الخدمات، لكن منظرها في “المرآب” يبدو حضارياً ومبهراً في الصور التذكارية!
ختاما: متى تصبح الجمهورية جديدة؟
الجمهورية لا تتجدد بتبديل المقرات الحكومية ولا بنقل جدران الوزارات إلى مدن ذكية معزولة خلف الأسوار. العصر الجديد لا يعلنه مذيع منافق في التلفزيون، بل يعلنه واقع المواطن.
لن ترتدي جمهوريتنا التاريخية الأصيلة (جمهورية 1953) ثوبها الجديد، إلا عندما نرى إنساناً مصرياً جديداً؛ إنساناً حراً، متعلماً تعليمًا حقيقيًا لا يخرج أميين، صحيح الجسد يجد سريراً وعلاجاً آدمياً في المستشفى، وآمناً أمنًا حقيقيًا على قوت يومه وقوت أولاده ومستقبلهم. وحتى يتحقق هذا الحد الأدنى، ستبقى “الجمهورية الجديدة” مجرد فيلم كرتوني قصير مدهون بألوان زاهية، ومقاوم تماماً لعوامل المنطق، والواقع، والتاريخ!