محمد خالد الحسيني يكتب:عباس محمود العقاد: عبقرية فكرية وأدبية متعددة الأبعاد وعصيّة على التكرار

صنع مجد الكلمة، فتهافتت عليه المعارف، واتسعت آفاق رؤيته، ففاض إنتاجه أدبًا وفكرًا وثقافةً وفنًا، حتى غدا أحد أبرز رموز العبقرية العربية في العصر الحديث، وأحد أبرز الأعلام الذين أسهموا في تشكيل الحياة الفكرية والأدبية العربية خلال القرن العشرين.
استطاع العقاد أن يرسخ حضوره في ميادين متعددة شملت الأدب والشعر والنقد والفلسفة والفكر الإسلامي والتاريخ والسير الذاتية، حتى غدا نموذجًا استثنائيًا للمثقف الموسوعي الذي تجاوز حدود التخصص الواحد إلى آفاق معرفية واسعة.
وبعد أكثر من نصف قرن على رحيله، لا يزال اسمه حاضرًا بوصفه رمزًا للعبقرية الفكرية والإبداع الأدبي، وواحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الثقافة العربية الحديثة.
ملامح العبقرية في شخصية العقاد
تجلت عبقرية العقاد في قدرته على الجمع بين صفات قلما اجتمعت في شخصية واحدة؛ فقد كان أديبًا وشاعرًا وناقدًا ومفكرًا وفيلسوفًا وصاحب مشروع ثقافي متكامل.
ولم تكن هذه المكانة نتيجة موهبة فطرية فحسب، بل ثمرة جهد استثنائي في القراءة والبحث والتأمل.
امتاز العقاد باستقلاله الفكري وقوة شخصيته، فكان صاحب رأي واضح لا يتردد في الدفاع عنه مهما كانت المعارضة.
كما عُرف بجرأته في مواجهة الاستعمار والاستبداد والتيارات الفكرية التي رأى أنها تتعارض مع القيم الإنسانية أو مع ثوابت الحضارة العربية والإسلامية.
وقد منحته هذه الصفات حضورًا مؤثرًا في الحياة العامة، وجعلت كلمته محل اهتمام وتقدير لدى القراء والمثقفين.
القراءة أساس المشروع الفكري
يُعد الشغف بالقراءة أحد أهم مفاتيح فهم شخصية العقاد وإنتاجه الضخم، فقد كان قارئًا نهمًا يقضي معظم وقته بين الكتب، الأمر الذي مكّنه من بناء ثقافة موسوعية واسعة انعكست على مؤلفاته المتنوعة.
وقد تميزت كتاباته بعمق التحليل وكثرة الإحالات المعرفية، إذ كانت آراؤه تأتي غالبًا نتيجة دراسة طويلة ومقارنة بين المصادر المختلفة ومراجعة دقيقة للأفكار المتعارضة.
لذلك اتسمت أحكامه الفكرية بدرجة عالية من الاستقلال والأصالة، وأصبحت كتبه مراجع مهمة في مجالات متعددة.
العقاد الأديب والشاعر
احتل الأدب مكانة محورية في حياة العقاد، وكان الشعر من أقدم مجالات إبداعه وأكثرها التصاقًا بشخصيته.
وقد مثّل مع رفاقه في مدرسة الديوان مرحلة مهمة في تجديد الشعر العربي ونقله من التقليد إلى التعبير عن التجربة الإنسانية والفكرية.
ورأى معاصروه أن شعره يتميز بالثراء والتنوع وعمق التجربة، إذ يجمع بين التأمل العقلي والانفعال الوجداني.
كما برزت موهبته في المقالة الأدبية والنقد والدراسات الأدبية، حيث قدم أعمالًا رائدة تناولت شخصيات أدبية كبرى مثل ابن الرومي، ونجح في الربط بين النصوص الأدبية والظروف النفسية والتاريخية لأصحابها.
العقاد والفكر الإسلامي
يشكل الفكر الإسلامي جانبًا أساسيًا من مشروع العقاد الثقافي، فقد خصص عددًا كبيرًا من مؤلفاته لدراسة العقيدة الإسلامية وشخصياتها التاريخية وقضاياها الفكرية، مقدمًا رؤية تجمع بين الإيمان والعقل.
ولم يكن اهتمامه بالدين مجرد امتداد للتنشئة الاجتماعية، بل نابعًا من قناعة فكرية تشكلت من خلال التأمل في الكون والنظام والجمال.
ولهذا خاض معارك فكرية عديدة دفاعًا عن الدين في مواجهة النزعات المادية والإلحادية التي انتشرت في عصره.
وقد تميزت معالجته للقضايا الدينية بمحاولة تقديم الإسلام بوصفه منظومة فكرية متكاملة قادرة على التفاعل مع متطلبات العصر دون التفريط بأصولها ومبادئها.
رؤية العقاد للعلم والفلسفة
لم ينظر العقاد إلى العلم والدين بوصفهما مجالين متعارضين، بل سعى إلى إبراز العلاقة التكاملية بينهما.
ولذلك اهتم بفلسفة العلوم ومناهج التفكير، ودافع عن أهمية العقل في فهم الدين والكون والإنسان.
وقد أسهم هذا التوجه في بناء مشروع فكري يقوم على احترام المعرفة العلمية من جهة، والمحافظة على القيم الروحية والأخلاقية من جهة أخرى، وهو ما منح كتاباته طابعًا متميزًا في الساحة الفكرية العربية.
شهادات معاصريه في عبقريته
حظي العقاد بتقدير واسع من كبار الأدباء والمفكرين في عصره، فقد وصفه سعد زغلول بـالكاتب الجبار، بينما رأى إبراهيم المازني أن الحياة كانت ستبقى أكثر غموضًا لولا ما قدمه العقاد من تفسير وتحليل.
أما طه حسين فقد دعا الشعراء إلى الاستظلال بلوائه، في إشارة إلى مكانته الشعرية المرموقة.
ووصفه الكاتب المصري أنيس منصور بأنه شخصية يصعب احتواؤها أو تصنيفها في إطار واحد، لأنه جمع في شخصه الشاعر والناقد والمؤرخ والمفكر والفيلسوف وصاحب الرؤية النفسية للتاريخ والأدب.
وتعكس هذه الشهادات حجم التأثير الذي مارسه العقاد في الحياة الثقافية العربية.
سر الخلود الفكري للعقاد
يكمن سر استمرار حضور العقاد في الوعي الثقافي العربي في عدة عوامل؛ أبرزها موسوعية معرفته، واستقلاليته الفكرية، وغزارة إنتاجه، وجرأته في الدفاع عن آرائه، إضافة إلى قدرته على معالجة القضايا الكبرى بلغة تجمع بين العمق والوضوح.
كما أن العقاد لم يكن مجرد مؤلف لكثير من الكتب، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل يسعى إلى بناء الإنسان الواعي القادر على التفكير الحر والنقد الموضوعي.
ولهذا تجاوز تأثيره حدود عصره، وظلت مؤلفاته حاضرة في المكتبات والجامعات والمنتديات الفكرية حتى اليوم.
خاتمة
يظل عباس محمود العقاد واحدًا من أعظم الشخصيات الفكرية والأدبية في التاريخ العربي الحديث.
فقد وهب حياته للعلم والفكر والأدب، وترك تراثًا متنوعًا يعكس اتساع ثقافته وعمق رؤيته، ولم تكن عبقريته في كثرة إنتاجه فحسب، بل في قدرته على تحويل المعرفة إلى مشروع حضاري وفكري متكامل.
ومن هنا فإن استذكار العقاد ليس استحضارًا لشخصية تاريخية فحسب، بل استدعاء لنموذج فريد من نماذج الإبداع العقلي والإرادة الثقافية التي أسهمت في صناعة نهضة الفكر العربي الحديث.
_ اليمن