رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :إنقلاب هوليودي في الفجر

في استعراض هوليودي فجر اليوم قامت قوات من مكافحة الارهاب والجيش والامن بمداهمة بضعة فاسدين من بينهم عالية نصيف التي لا تحتاج كل هذه القوات للقبض عليها ويكفي ان ترسل لها ثلاثة من أمهات شهداء الإرهاب ونزلاء العشوائيات ونزيلات دور المسنين وأرامل الصرائف للقبض عليها وشرشحتها وسحلها ولو بالقباقيب الكلاسيكية أو شحاطات الحمام المنتهية الصلاحية لكن هذا الصخب هو الطريقة الامريكية التقليدية لخلق مشاهد بصرية زائفة.
مشهد الانزال العسكري الهوليودي الصاخب في قلب المنطقة الخضراء يمثل ذروة ما يُعرف في العلوم السياسية والاجتماعية بـ “سياسة الاستعراض” (Spectacle Politics)، وهي الأداة الأيديولوجية المكملة تماماً لعمليات “التراكم بنزع الملكية” ، أي ان الشركات الأمريكية الرأسمالية عندما تتراكم ثرواتها تلجأ الى نزع ملكية الاصول والثروات للدول الأخرى باختراع ذرائع كحقوق الانسان واسلحة الدمار الشامل كما جرى في العراق وفنزويلا وسوريا ومحاولات فاشلة في الصين وروسيا وكوريا الشمالية وكوبا.
في مجتمع الاعلام اليوم والاستعراض ، تكون الصورة أهم من الواقع بل هي الواقع ، ويكون المشهد المتلفز هو الحدث الحقيقي وفي مجتمع الفرجة ـــــــــــ الميديا لا قيمة للحقيقة والواقع بل القيمة في دقة الصورة خاصة أمام جمهور منهك ومرهق من تلاعب طويل ومُستنزف.
الهدف الأول من الصخب والعرض العسكري الصاخب ــــــــــــــــــ في نفس توقيت الحملة على العراق فجر 20 آذار 2003: الصدمة والترويع ـــــــــــــــ ليس كفاءة القبض على المتهمين إذ يمكن القبض على أي مسؤول فاسد بـمذكرة قبض وهدوء تام وسرية.
هذا الاستعراض مصمم ليوحي للجمهور بأن “الدولة قوية” وأن هناك “حزماً حاسماً”، وفي نفس الوقت يغسل شرعية النظام القائم.
السينما الهوليودية هنا ليست عبثاً، بل هي لغة العصر لإنتاج “صورة ذهنية” تُغطي على حقيقة أن القرار الاقتصادي أو السياسي الفعلي قد يكون مرتهناً للخارج. إنها تصفية حساب مع لصوص فاسدين من الأطراف والحافات وليس من الحيتان الكبيرة واعادة هندسة وتوزيع الثروة.
في كواليس” الإمبريالية الجديدة” غالباً ما تُستخدم تهم الفساد رغم حقيقتها في كثير من الأحيان كـذريعة لإزاحة أطراف محلية معينة ربما أصبحت متمردة، أو منتهية الصلاحية أو موالية لمحاور إقليمية منافسة للولايات المتحدة واستبدالها بوجوه جديدة أكثر تناغماً مع متطلبات المرحلة والشركات الأجنبية.
علينا تذكر ما قاله السفير الأمريكي السابق في بغداد في كانون الاول 2019 وفي جلسة استماع اكد السفير الامريكي دوغلاس سيليمان خلال استضافته أمام لجنة الاستخبارات في مجلس النواب التي خصصت جلسات غير علنية لمناقشة الاوضاع في العراق ، قال:
” لدينا طبقة سياسية جديدة مستعدة لحكم العراق واعادته الى سابق عهده”.
هذه” الطبقة” متغلغلة في كل المؤسسات السيادية والحساسة وفي المجتمع المدني والاعلامي وهذا يتجاوز بكثير دورها كسفارة الى “حكومة ظل” تدير البلاد من السراديب والاقبية والمكاتب مع ترك القادة المحليين للتصرف في الهوامش والخطابات ومنحهم الهيبة أمام الشعب.
الاستعراض العسكري هذا الفجر في المنطقة الخضراء يتضمن ترهيب بقية الأطراف السياسية وإجبارها على الانصياع لقواعد اللعبة الجديدة. رسالة مشفرة الى الفاسدين القدماء في أن الدور انتهى وزمن التساهل ولى.
وفقاً لـكتاب “عقيدة الصدمة: رأسمالية الكوارث” للكاتبة ناعومي كلاين فإن المشاهد الصادمة والعنيفة (حتى لو كانت استعراضية) تضع الرأي العام في حالة من الذهول والترقب والفرح وتتغلب مشاعر الحقد والانتقام على كل قدرة على التفكير في النتائج والأهداف نتيجة الآلالم التي سببها هؤلاء اللصوص الأنذال منذ عام 2003.
إن ما يراه المواطن في المنطقة الخضراء كـإنقلاب عسكري لمحاربة الفساد، ليس في عمقه البنيوي سوى مراسم نقل السلطة والثروة حيث يُطرد اللص المحلي الصغير أو المزعج بقوة السلاح والصخب ليُفتح الباب بشكل قانوني وهادئ تماماً أمام اللص الكبير المنظم :الشركات العابرة للقارات، ليعيد صياغة اقتصاد البلدــــــــــــــــــ من القرصان اللص بسفينة صغيرة الى الامبراطور اللص باسطول كبير. الأول يسمى لصاً والثاني يسمى إمبراطوراً.
في كتابه” الإمبريالية الجديدة” يطرح المفكر اليساري الكبير ديفيد هارفي ـــــــــــــــــ كذلك في كتابه: الليبرالية الجديدة ـــــــــــــــــ سؤالاً: لماذا تندفع الدول الكبرى للاستعمار أو الهيمنة؟ وجوابه يكمن: في الطبيعة الداخلية للرأسمالية. فالنظام الرأسمالي ينتج باستمرار فائضاً من رأس المال وفائضاً من الأيدي العاملة لا يجدان قنوات مربحة لاستثمارهما محلياً. اذا بقيت هذه الفوائض دون تصريف، تحدث أزمات اقتصادية خانقة :ركود، بطالة، انهيار أسواق.
لذلك تلجأ إما الى الغزو كما في السابق في حالة العراق وغيره وفي حالات في هذا القرن أو الى فتح أسواق جديدة في الخارج، وتصدير رؤوس الأموال، والسيطرة على مقدرات الدول الأخرى لاستيعاب هذا الفائض عن طريق القروض والبنك الدولي وصندوق النقد ونزع الملكية من الدول النامية بحجج مختلفة وان ” التراكم عن طريق نزع الملكية” الذي تحدث عنه ماركس لا يزال مستمراُ عندما تفشل الوسائل الاخرى في السيطرة بطرق الخصخصة والقروض والحصار الاقتصادي والعقوبات عن طريق الشركات العابرة للقارات.
الهيمنة الاقتصادية عن طريق المنظمات الدولية والشبكات المالية الكونية بدل الجيوش عدا حالات محددة كغزو العراق يرى ديفيد هارفي إن الحروب ليست مجرد أخطاء سياسية أو قرارات اتخذها قادة متهورون، بل هي حتمية بنيوية للنظام الرأسمالي الذي يحتاج دائماً إلى التوسع ونزع ملكية الشعوب للبقاء على قيد الحياة.
حملة المداهمات على فاسدين فجر اليوم في العراق عملية نقل الثروة من لصوص محليين الى شركات امريكية في حفل صاخب والقبض على لصوص معزولين بلا تيارات سياسية تدافع عنهم.
في المراحل الأولى للاحتلال أو إعادة الهيكلة الاقتصادية، غالباً ما يُغلق الطرف الأمريكي عينيه عن الفساد المحلي، بل قد يساهم في تغذيته لخلق طبقة أوليغارشية” (نخبة مالية وسياسية فاسدة) تسهل تمرير السياسات وتشوه البنية السياسية والاقتصادية من حفاة الأمس ولصوص صغار .
لكن مع الوقت، يتحول هذا الفساد المحلي إلى عائق أمام تدفق رأس المال العالمي لأن اللصوص المحليين يكتنزون الثروات أو يديرونها باحتكار يعيق دخول الشركات العابرة للقارات. هنا، يصبح مكافحة الفساد مبرراً مثالياً للتدخل وإعادة ترتيب المشهد.
وفقاً لهارفي” الرأسمالية العالمية لا تهتم بنزاهة القضاء أو عدالة التوزيع، بل تهتم بـتدفق الثروة. عندما تُشن حملات ضد الفاسدين المحليين، لا تعود الأموال في الغالب إلى البنية التحتية المحلية أو جيوب المواطنين ومن المستحيل أن يتعلق الأمر بالأخلاق بل اعادة هندسة الثروة وتصحيح الخطأ الذي ارتكبه ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة في فشل مشروع احتلال العراق كمشروع هيمنة هم: بوش الإبن، أوباما، بايدن في حين استطاع ترامب بمكالمة هاتفية واحدة ـــــــــــــــ بلا رصاصة واحدة ــــــــ في الغاء نتائج الانتخابات وتعيين رئيس وزراء عن طريق مبعوث في تحويل الإمبريالية العارية إلى الإمبريالية المنقذة وإزاحة أطراف محلية واستبدالها بشركات أمريكية في نظام عراقي مفكك ودولة فاشلة وصراعات عنيفة على الثروة والسلطة.
في النهاية ما يحدث في هذا السيناريو ليس تجفيفاً لسياسات النهب، بل هو مأسسة وتنظيم لعملية النهب ونقلها من نمط عشوائي بدائي يقوده لصوص محليون حمقى، إلى نمط قانوني تقوده شركات عابرة للقارات تحت غطاء الاتفاقيات الدولية من خلال صناعة الوهم البصري الصاخب هذا الفجر وانتاج صورة ذهنية زائفة تغطي على الحقائق الخفية.
في كل الأحوال سواء كانت الثروة بيد لصوص محليين أم الشركات الكبرى لن يستلم العراق دولاراً واحداً لأنه خاضع لنظام “سويفت” SWIFT ويستلم كل شهر بعض عوائد النفط المحمولة بطائرات كل شهر من المطار.
ــــــــــــــ لكي تكون الصورة واضحة أكثر أقترح على القارئ قراءة كتاب” الامبريالية الجديدة” للمفكر ديفيد هارفي وكتاب” عقيدة الصدمة: رأسمالية الكوارث” لنعومي كلاين وكلاهما من المراجع الاساسية اليوم في الاندية الثقافية والفكرية والاعلامية ومنذ سنوات. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى