
«شعرتُ بالخجل من نفسي عندما أدركت أن الحياة عبارة عن حفلة تنكُرية، حضرتها بوجهي الحقيقي»* كافكا.
كلما سقط دكتاتور عربي، ولد المجتمع المستشفى، أو ولادة المصح النفسي الكبير ، بسبب سياسات العنف والحجر والرعب،
وكبح الدوافع الانسانية المشروعة وقواعد الضبط والتحكم بالأحلام واللاوعي وأساليب العقاب والسجن والخوف الطويل
الذي يحدث تشوهات عميقة بنيوية في العقل مما يجعل العلاج الفردي مستحيلاً لأن الفرد سينتقل من المصح النفسي الى المجتمع الذي أنتج المرض .
حتى عندما ينتقل هؤلاء الى منافي ديمقراطية وفي ظروف عادلة ينقلون معهم عاهاتهم وامراضهم دون ان يشعروا بذلك بعد وضعها في اطار ايديولوجي للتبرير ولانهم يعيشون في تجمعات معزولة عن المجتمع النظيف الجديد ويستعملون المعايير والمقاييس المشوهة نفسها ويضيع الغراب بين الغربان ويظهرون في مجتمع ديمقراطي كطفح جلدي او مخلوقات عائمة من المجترات لا هم في واقع جديد ولا في واقع قديم.
كان الكاتب المسرحي النرويجي الشهير هنريك ابسن قد وصف المجتمع النرويجي في القرن التاسع عشر بالمجتمع المريض وكان يرى نفسه كطبيب جراح وليس كاتباً فحسب في مجتمع يتظاهر آنذاك بالفضيلة ويمارس النفاق عملياً.
يقترب هذا الوصف من وصف علي الوردي للمجتمع العراقي عندما علّق في كتابه” مهزلة العقل البشري” في أوائل خمسينات القرن الماضي على اقتراح بوضع العراقيين في مصح عقلي بالقول: ومن أين لنا الكادر الطبي والخدمي السوي غير المريض في المصح وهم من هذا المجتمع ويحملون أمراضه؟
تجلى ذلك في مسرحية أبسن ” عدو الشعب” ومسرحية” الأشباح” وكانت محاكمة للمجتمع الذي يحاول الظهور عكس حقيقته والنتيجة ولادة بشر مشوهين رغم الحفاظ على المظاهر من خلال الأقنعة.
بتأثير تلك الثورة الثقافية للنخب الادبية والفكرية تحول المجتمع النرويجي اليوم الى مجتمع الرفاهية الأول في العالم بعد قطيعة مع التاريخ والقطيعة لا تعني الانفصال بل التصفية ودخل الحداثة الى ما بعدها وتطرف في الحقوق الفردية والعامة بحيث تم الغاء كل الممنوعات عن النشر عدا الحث على العنف والكراهية التي تعامل كجرائم.
من العاهات الأخلاقية الشائعة ان ضحايا المصح الكبير يعيرون بعضهم بالمرض النفسي كما لو انه خيار عقلاني او اخلاقي وليس وباء ضرب المجتمع. في هذا النوع من المجتمعات المغلقة حتى الحق الطبيعي في المرض يصبح خطا فرديا. كيف يحق له المطالبة بحقوق سياسية واقتصادية أذن؟
في بيئة غير مناسبة تمرض الازهار والطيور والحشرات والحيوانات. الذين لم يمرضوا من القمع اما عاشوا جلادين او منتفعين وهو انهيار عضوي اخلاقي لا علاج له لأنه انحراف جذري في الذات الطبيعية عكس المرض النفسي الذي يمكن علاجه او اذلاء. حسب مارتن هايدجر: الإنسان الذليل لا يفرق بين الحياة الحقيقية وبين المزيفة. الذل حجاب.
عند انهيار النظام الدكتاتوري ورفع المكبس، تخرج كل هذه الدوافع والرغبات والأحقاد المعتقة ونزعات الانتقام المؤجلة الى العلن،
وتخرج خفافيش الكراهية من الاوكار النفسية وتتغير الوجوه وتسقط الأقنعة كما لو ان الجميع كانوا في حفل تنكري ويُصدم الجميع من الجميع في المظهر الجديد بعد نزع الاقنعة وفي الحقيقة أن هؤلاء لم يتغيروا بل كانوا مختفين في سراديب نفسية عميقة وحان وقت سقوط الأقنعة.
يسلم الدكتاتور السابق رعيته في الرمق الاخير التي تبحث عن خلاص الى دكتاتور أو جماعات أشد عنفاً ووحشية منه لأنها تحاول التنفيس عن عار داخلي باختراع الضحايا في دورة تكرارية دائرية في اعادة انتاج العنف على نحو اكثر وحشية لكي يثبت الحاكم او الجماعات الحاكمة سلطتها بالقوة والاكراه لانها لم تولد من ثقافة بديلة ولا من مشروع حقيقي للتغيير بل ولدت من رحم النظام السابق من فكرة الانتقام والحيازة والمحو والاستفراد وفكرة المختلف عدو وملكية الشرف والحقيقة والتاريخ كما يولد الصل من الافعى، وتقمصت أساليب النظام وتدربت عليها وتماهت معها والتماهي من باب الإعجاب الخفي او التقليد او تصريف مشاعر العار على ضحايا عزل ضعفاء ولا يقترب من ضحية قوية لان الدكتاتور زرع فيه الجبن من القوة. هذه النماذج تتواجد عادة في الاحزاب الشمولية.
وعندما جاءت للسلطة مارست كالنظام السابق القوة في الاحياء والإماتة، وتحول نزلاء المصح ـــ المجتع السري الى قادة ومؤسسات وقوانين وتشريعات وولادة المصح الجديد أو المجتمع ــ المستشفى بقواعد مختلفة.
نظم الحكم الدكتاتورية والجماعات الحاكمة المتوحشة لا تنتج مجتمعات سوية وطبيعية مطلقا بل تنتج المجتمع المصح النفسي، المستشفى، العيادة،أو الغيتو ـــ العزل بسبب العقيدة او الطائفة او العرق أو الثقافة السائدة. عرض أقل