رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :مسارات الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها الإقليمية

1. المشهد العسكري والميداني: حدود القوة الجوية وفخ الاستنزاف
تجاوزت الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة الصدمة العسكرية لتدخل مرحلة الاستنزاف المتبادل، حيث أثبتت المعطيات الميدانية ما يلي:
عجز الحسم الجوي وبنيوية العقيدة العسكرية:
اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية لسنوات على عقيدة “الصدمة والترويع” بالقصف الجوي المكثف لتركيع الخصوم. لكن في الحالة الإيرانية، اصطدمت هذه العقيدة بعائق الجغرافيا الجبلية الوعرة والشاسعة، وشبكة “المدن الصاروخية ومصانع المسيرات تحت الأرض” المبنية على أعماق هائلة، مما يجعل تدمير القدرات العسكرية من الجو مستحيلاً دون غزو بري،
وهو خيار يرفضه الرئيس ترامب بشكل قاطع.
أزمة الذخائر الاستراتيجية للبنتاغون:
يواجه رئيس الأركان المشتركة، الجنرال دان كاين، ضغوطاً حادة وتقارير استخباراتية مريرة تؤكد النفاد الخطير والسريع في مخزون الصواريخ الاعتراضية والذكية (مثل باتريوت، ثاد، وتوماهوك).
الحرب تحولت إلى معادلة مالية وعسكرية غير متكافئة بالمرة؛ حيث تُجبر واشنطن على إطلاق صواريخ دفاعية بملايين الدولارات لصد مسيرات انتحارية وصواريخ باليستية إيرانية رخيصة الكلفة.
معركة المضائق البحرية:
نجحت طهران في فرض حصار بحري مضاد عبر إغلاق مضيق هرمز واستهداف السفن التجارية؛ مما أدى إلى تحويل مسار عشرات السفن وارتفاع أسعار الوقود داخل أمريكا إلى ما فوق 4 دولارات للجالون،
مما نقل عبء الحرب إلى الاقتصاد اليومي للمواطن الأمريكي.
2. ميزان القوى السياسي وانقلاب معادلة الردع
بالمعيار الاستراتيجي الكلاسيكي (الحرب كوسيلة لفرض الإرادة السياسية وتغيير سلوك الخصم)، تواجه واشنطن خسارة واضحة بالنقاط لصالح صمود طهران:
كيف خسرت أمريكا الحرب سياسياً؟:
لم تُهزم أمريكا عسكرياً بالمعنى التقليدي (قواتها لم تُسحق)، لكنها فشلت في تحقيق أي من أهدافها السياسية؛ فلا هي أسقطت النظام، ولا صفرت الصادرات، ولا فككت الأذرع.
في المقابل، انتصرت إيران بالمعيار الاستراتيجي الذي ينص على أن “الجيش النظامي يخسر الحرب إذا لم ينتصر حاسماً، بينما الطرف الأقل قوة ينتصر بمجرد صموده وعدم هزيمته”.
انقلاب الردع السياسي:
تظهر الخسارة السياسية بوضوح في تحول الموقف من فرض واشنطن لشروطها، إلى جلوسها على طاولة المفاوضات في سلطنة عُمان لمناقشة “الشروط الإيرانية الستة” (التي تشمل الانسحاب العسكري الأمريكي الكامل من الخليج، رفع الحصار، والتعويضات المالية).
هذا التحول انتزع اعترافاً دولياً ضمنياً بأن طهران باتت لاعباً يفرض قواعد الاشتباك.
الانقسام الداخلي الأمريكي:
تشهد إدارة ترامب شرخاً بين معسكر “التهدئة” (يقوده نائب الرئيس جيه دي فانس والخارجية والاستخبارات) الذي يضغط لإيجاد مخرج دبلوماسي عاجل، ومعسكر “التصعيد” (يقوده قادة البنتاغون وسنتكوم)؛ وسط تراجع التأييد الشعبي للحرب إلى 28% وخوف ترامب من عقاب الناخبين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
3. الحصيلة السياسية والهدف الإيراني الأكبر
تتمثل الحصيلة السياسية الحالية في التراجع التاريخي للهيمنة الأمريكية المطلقة على الخليج العربي وممراته المائية لصالح صعود قوى إقليمية ودولية (مثل الصين وروسيا اللتين تراقبان المشهد عن كثب).
الهدف الإيراني الأكبر:
لم يكن هدف طهران مجرد الدفاع والدبلوماسية، بل كان استغلال هذه المواجهة لكسر الإرادة السياسية الأمريكية وإنهاء “القرن الأمريكي” في المنطقة.
تسعى إيران لفرض واقع جيوسياسي جديد تصبح فيه “الشرطي والمشرف الأمني الأوحد” على مضيق هرمز، وإجبار القوات الأمريكية على الانكفاء والانسحاب من القواعد الإقليمية، مما يمنحها نفوذاً مطلقاً كقوة عظمى في الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزها في أي توازنات مستقبلية.
4. التطورات على الجبهة المصرية: نقل الصراع إلى المتوسط
يمثل استهداف سفينتي الغاز المسال في ميناء دمياط بطائرة مسيّرة منخفضة الارتفاع (في 29 يوليو) منعطفاً خطيراً ينقل الصراع لعمق البحر المتوسط :
طبيعة الحدث: طال الهجوم سفينة التغويز العائمة “إينرجوس وينتر” المملوكة لشركة أمريكية وسفينة “جاسلوج سالم” المجاورة، وتمت السيطرة على الحريق مع عودة الميناء للعمل السريع.
فرضية التنفيذ المتشابك:
تشير المعطيات إلى احتمال وقوف ميليشيا الحوثي وراء الهجوم بالتنسيق اللوجستي مع الحشد الشعبي العراقي، عبر إطلاق المسيّرة من خارج اليمن (الأراضي العراقية أو السورية) أو من زوارق قريبة، كرسالة ضغط مباشرة على مصالح واشنطن والغرب في شرق المتوسط.
طبيعة الرد المصري المتوقع:
تتبنى القاهرة مبدأ “الردع الذكي غير المعلن والضغط الدبلوماسي العنيف”، حيث يشمل ردها تفعيل منظومات الدفاع الجوي الساحلي المتطورة، والضغط الاقتصادي والسياسي على بغداد لكبح جماح فصائل الحشد (عبر تجميد اتفاقيات التنسيق الثلاثي وإعادة الإعمار)، مع التمسك بالحياد الاستراتيجي لتجنب الاستدراج الفوضوي للصراع.
5. الموقف الخليجي وولادة “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”
تخلت دول الخليج العربي عن فكرة “الاعتماد الأعمى” على المظلة الأمنية الأمريكية المتراجعة، واتخذت خطوات تاريخية:
الحياد النشط: منعت دول الخليج (وعلى رأسها السعودية والإمارات والكويت) واشنطن رسمياً من استخدام قواعدها أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران، لتجنب تحول منشآتها النفطية إلى أهداف للميليشيات.
التحالف التركي الباكستاني السعودي:
تم توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” كأكبر تكتل عسكري إقليمي (يضم 1.4 مليون عسكري بمظلة نووية باكستانية وقدرات تصنيعية حربية تركية).
يهدف هذا التحالف لفرض خط أحمر رادع ضد أي استهداف إيراني للمنشآت الحيوية في الخليج، وملء الفراغ الأمني الذي ستخلفه أمريكا
6. الخلاصة الإستراتيجية والنوايا المستقبلية للأطراف
يقف الصراع الأمريكي الإيراني اليوم عند نقطة تحول حتمية تتجه صوب تسوية دبلوماسية قسرية برعاية عُمانية قائمة على معادلة “لا غالب ولا مغلوب”، مدفوعة بإدراك الطرفين أن الاستمرار في التصعيد العسكري يمثل انتحاراً اقتصادياً واستنزافاً بنيوياً لا يمكن تحمله.
وفيما يتعلق بالنوايا المستقبلية:
تتجه نية الولايات المتحدة وبإلحاح مباشر من إدارة ترامب نحو إيجاد “مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه” ويوفر لها سلماً عاجلاً للنزول من شجرة التصعيد؛ حيث تهدف واشنطن لتأمين إعادة فتح مضيق هرمز بأي ثمن لخفض أسعار الوقود العالمية وضمان تدفق الطاقة قبل انتخابات الكونغرس،
مع الاكتفاء بتسويق هذا الاتفاق داخلياً كـ “حقن للدماء العسكرية ومنع لحرب عالمية مدمرة” للتغطية على عجز القوة الجوية في فرض شروطها الأصلية.
في المقابل، تتلخص النوايا المستقبلية لإيران في قضم المكاسب الاستراتيجية ببطء والتعنت في تفاصيل مفاوضات مسقط لابتزاز أكبر قدر من التنازلات الأمريكية؛ فهي تنوي استخدام صمودها الميداني وحصارها لهرمز لانتزاع رفع كامل وعاجل للعقوبات المالية والاقتصادية، مع الإبقاء على المضيق المائي تحت رقابتها الأمنية المباشرة ليكون بمثابة “مشنقة جيوسياسية” جاهزة للاستخدام مستقبلاً ضد أي تهديد غربي،
محققة بذلك هدفها الأكبر في تقليص النفوذ العسكري الأمريكي بالخليج.
أما على الصعيد الإقليمي، فتتحرك القوى العربية بنوايا دفاعية مستقلة تماماً عن الإرادة الأمريكية المتراجعة؛ إذ تتجه نية التحالف العسكري الناشئ بين السعودية وتركيا وباكستان (اتفاقية مكة) إلى فرض ميزان ردع مستقل يملأ الفراغ الأمني، ويمارس “الردع الذاتي الخشن” لمنع إيران أو أذرعها من التغول مستقبلاً أو استهداف المنشآت النفطية الحيوية، مكرسين بذلك نهاية عهد الهيمنة الأمريكية المطلقة على أمن المنطقة.
وفي قلب هذا المشهد، تتبلور النوايا المستقبلية لمصر حول حماية سيادتها ومصالحها الاقتصادية الحيوية في شرق المتوسط؛
فبعد حادثة استهداف سفينتي الغاز في دمياط غالبا بمسيرة حوثية-عراقية، تتجه نية القاهرة الحتمية نحو تحديث وتطوير شبكات الدفاع الجوي والرصد الساحلي للموانئ ومحطات إسالة الغاز.
ويجب علي الدولة المصرية ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية خانقة وغير معلنة على الحكومة العراقية لضبط وتفكيك فصائل الحشد الشعبي المتورطة، مع تمسك مصر الصارم برفض الانجرار كطرف عسكري في المحور المناهض لإيران،
والتركيز بدلاً من ذلك على توظيف ثقلها الدبلوماسي لتعجيل توقيع “اتفاق عُمان” لكونه السبيل الوحيد لضمان أمن ممر السويس والمنشآت البحرية المصرية من شظايا هذا الصراع الإقليمي المتفجر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى