د. أيمن منصور ندا يكتب:ماذا ينتظر مصر في نوفمبر القادم؟
عشر دعوات للعشاء.. وسؤال لا أملك إجابته

خلال الفترة من يونيو وحتى بداية هذا الشهر، أغسطس، تلقيتُ، على غير العادة، عشر دعوات للعشاء مع سفراء دول أوروبية وآسيوية وأمريكية لاتينية كبرى.. بعض هذه الدعوات كانت بحضور عدد قليل من السياسيين والمفكرين المصريين، بينهم برلمانيون ورؤساء أحزاب ووزراء سابقون، وبعضها كانت دعوات فردية شخصية، وفي بعضها كنت المصري الوحيد بصحبة عدد من الشخصيات الأجنبية.. اللقاءات كلها كانت “ودية”.. وبطبيعة الحال، لم تكن هذه لقاءات سرية أو بعيدة عن أعين الدولة..
ليس في هذه اللقاءات شيء مهم أو “رسمي” يمكن ذكره، غير أن الشعور العام، والإيحاء الذي تولد لديّ ولدى عدد ممن حضروا بعضها، لم يكن مطمئناً.. كان هناك شيء يصعب الإمساك به: نوعية الأسئلة، وتكرار بعضها، والاهتمام بالتفاصيل، والرغبة في معرفة كيف يفكر الناس، وكيف ترى النخب الوضع الاقتصادي والسياسي، وإلى أي مدى يستطيع المجتمع أن يتحمل المزيد.. لم يقل لي أحد إن شيئاً سيحدث، ولم يهمس سفير في أذني بموعد محدد، لكنني خرجت من هذه اللقاءات بانطباع يصعب التخلص منه: هناك شيء ما مهم جداً قد يجعل نهاية أكتوبر أو شهر نوفمبر مختلفين عما قبلهما..
ما هذا الشيء؟ وما طبيعته؟ لا أدري…
وافتراضي الأول، وربما المتشائم بحكم المهنة والعمر والخبرة، أنه لن يكون حدثاً إيجابياً؛ فالأحداث السعيدة لا تحتاج عادةً إلى كل هذا الجس للنبض واستطلاع المزاج وسؤال الناس عما يمكن احتماله.. وأضرب منذ أسابيع أخماساً في أسداس، وأجرب السيناريوهات واحداً بعد الآخر، وأبدأ، كالعادة، بالأسوأ.. وأدعو الله في كل الأحوال أن يحفظ مصر وشعبها وجيشها ورئيسها وكل محبيها؛ إذ ليس لنا غيرها، وإن عانينا منها..
لكنني بدأت بعد ذلك أراجع الفرضية نفسها.. ربما لا يعرف هؤلاء السفراء شيئاً سيحدث.. وربما كثرة اللقاءات تعني العكس تماماً: أنهم هم أيضاً يحاولون أن يعرفوا.. فالسفير لا يدعوك دائماً إلى العشاء لكي يخبرك بالمستقبل؛ أحياناً يدعوك لأن عاصمته تسأله عن المستقبل، ولا يملك الإجابة الكاملة.. ومن هنا أصبح السؤال عندي مختلفاً قليلاً: ليس فقط “ماذا يعرف السفراء؟”، وإنما “ماذا يحاول السفراء أن يعرفوا؟”
وأقول هذا حتى لا يتحول الانطباع إلى “معلومة”، ولا العشاء إلى اجتماع مجلس أمن، ولا يصبح طبق “السلمون المدخن” وثيقة مخابراتية! ليس لدي معلومة مؤكدة عن حدث بعينه، ولا أدعي أنني أعرف ما سيحدث في أكتوبر، أو نوفمبر.. لدي فقط مجموعة من المؤشرات، وبعض المصادفات الزمنية اللافتة، وقلق سياسي مشروع يجعل التفكير في السيناريوهات واجباً أكثر منه ترفاً..
وإذا حاولنا ترجمة هذه الإشارات والمصادفات إلى احتمالات واقعية، بعيداً عن الإثارة ونظريات المؤامرة، فإنني أجد أمامي أربعة سيناريوهات رئيسية؛ بعضها أقرب إلى الوقائع، وبعضها أكثر إثارة وأقل سنداً.. وهي ليست بدائل منفصلة بالضرورة؛ فقد يتداخل الاقتصادي مع السياسي، ويتأثر الاثنان بما يجري في الإقليم.. لكنَّ ترتيبها يساعد على الإجابة عن السؤال الذي بدأت منه: ما الذي يمكن أن يجعل أكتوبر ونوفمبر مختلفين؟
السيناريو الأول اقتصادي: ربما تستعد الدولة للإعلان عن مرحلة اقتصادية جديدة، أو حزمة قرارات صعبة تواكب انتهاء البرنامج، أو صيغة مختلفة للعلاقة مع الصندوق ومؤسسات التمويل.. فالصندوق، رغم إتاحته نحو 1.8 مليار دولار بعد المراجعة السابعة، لا يزال يتحدث عن الدين والاحتياجات التمويلية والتخارج وتقليص بصمة الدولة وإصلاح أسعار الطاقة.. وهذه ليست لغة تخص الاقتصاديين وحدهم؛ فعندما يقول الصندوق “إصلاح أسعار الطاقة”، يسمع المواطن “بنزين وكهرباء”، وعندما يتحدث عن “زيادة الإيرادات”، يتحسس الناس جيوبهم.. اقتصاد الصندوق يعيش في جداول إكسل، لكنه في الشارع يصبح فاتورة كهرباء وأجرة ميكروباص وكيس بقالة.. وهنا يصبح السؤال: كم بقي من طاقة الاحتمال؟ ومتى تتحول أزمة الأسعار إلى أزمة سياسة؟
السيناريو الثاني سياسي: أن يصاحب الانتقال الاقتصادي إعادة ضبط محسوبة للمجال العام؛ لا تحولاً ديمقراطياً كبيراً، وإنما إفراجات، وتحريكاً محدوداً للحياة الحزبية، ومساحة أوسع للنقاش، وبعض التغييرات في الإعلام وربما وجوه جديدة.. فالضغط الاقتصادي يحتاج إلى صمام سياسي واجتماعي، وليس من الحكمة أن ترفع الأسعار وتخفض سقف السياسة في اليوم نفسه.. ويعزز هذا الاحتمال الاهتمام الأوروبي بمصر؛ فالمساعدات لا ترتبط بالاقتصاد فقط، وإنما أيضاً بالحوكمة والحقوق والهجرة والاستقرار، ومن الطبيعي أن تسعى السفارات إلى معرفة الفاعلين الحقيقيين وحجم الاحتقان وما قد يحدث إذا اتسع المجال قليلاً..
السيناريو الثالث إقليمي: أن يكون القلق متعلقاً بما يحيط بمصر أكثر مما يجري داخلها؛ السودان، وغزة، وليبيا، والبحر الأحمر، والطاقة والملاحة.. وفي هذه الحالة يصبح السؤال الخارجي الحقيقي: “كم صدمة أخرى تستطيع مصر أن تتحمل؟”.. لكنَّ هذا الاحتمال، رغم خطورته، لا يفسر وحده التركيز على أكتوبر ونوفمبر؛ فالحروب لا تستخدم Google Calendar، والصواريخ لا تحجز موعداً قبل ثلاثة أشهر..
أما السيناريو الرابع، والأكثر إثارة، فهو تغيير كبير في بنية السلطة أو قواعد اللعبة.. لا أملك حتى الآن مؤشراً جدياً يسمح لي بالذهاب إلى هناك.. وفي السياسة ينبغي أن نعرف أين ينتهي التحليل ويبدأ الخيال.. لذلك، إذا أُجبرت على الرهان اليوم، فلن أراهن على ليلة تستيقظ فيها مصر فتجد نفسها بلداً آخر، بل على شيء أقل درامية وأكثر واقعية: بداية إعادة ترتيب للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة..
وبين هذه السيناريوهات الأربعة، أميل إلى استبعاد الرابع ما لم تظهر مؤشرات جديدة، وأرى الثالث خطراً دائماً لكنه لا يفسر التوقيت، بينما يبدو لي السيناريوهان الاقتصادي والسياسي الأكثر قابلية لأن يفسرا معاً ما أشعر به: مرحلة اقتصادية جديدة تحتاج إلى قدر من إعادة الضبط السياسي والاجتماعي، في توقيت إقليمي شديد الحساسية.. وقد لا يقع “حدث” واحد كبير في نوفمبر؛ ربما يكون ما ننتظره بداية مرحلة، لا لحظة بعينها.. وهنا أعود مرة أخرى إلى حفلات العشاء وإلى الأسئلة التي سمعتها فيها.
ربما كان السفراء لا يقولون لنا في حفلات العشاء: “نحن نعرف ماذا سيحدث”.. ربما كانوا، بطريقة دبلوماسية مهذبة، يسألون: “إذا حدث شيء.. ماذا تعتقدون أن المصريين سيفعلون؟” والفارق بين الجملتين هائل..
وقد أكون مخطئاً في كل ذلك.. وربما يأتي أكتوبر ويمضي نوفمبر ولا يقع شيء أكثر درامية من مؤتمر اقتصادي جديد، وبيان حكومي طويل، وبعض الصور التذكارية، وعندها سأكون سعيداً جداً بأنني أهدرت كل هذا القلق مقابل عشر وجبات عشاء جيدة! أتمنى ذلك من قلبي..
لكن ما يجعلني غير قادر على تجاهل الإحساس هو أن عدة ساعات تبدو الآن مضبوطة على موعد متقارب: ساعة انتهاء برنامج صندوق النقد، وساعة البرنامج الاقتصادي الجديد، وساعة الضغوط الأوروبية، وساعة الدين، وساعة الإقليم، وساعة احتمال المجتمع.. لا أعرف أيها سترن أولاً.. كل ما أتمناه ألا ترن كلها في الوقت نفسه..