كتاب وشعراء

د. غنوة الموجي: “الإنترنت والعولمة طمسا هويتنا تماماً”.. حاورتها: نداء الدروبي

تُعَدُّ الموسيقى مرآة الشعوب نخاطب من خلالها الوجدان الإنساني فهي ليست مجرَّد نغمات عابرة أو وسيلة للترفيه؛ بل سجل تاريخي حيّ يوثِّق تحولات المجتمعات، ويعبِّر عن هويتها بأفراحها وآلامها.
من هذا المنطلق وقفنا مليَّاً عند آراء الدكتورة غنوة الموجي وذكرياتها مع والدها الموسيقار الكبير محمد الموجي لنسلِّط الضوء على نشأتها وآرائها الفنية، ونفهم الأثر الذي تركته في الوعي الإنساني.
وتكمن أهمية هذا البحث في محاولة الحفاظ على الإرث الفني الغني من الاندثار، وتقديم قراءة توثيقية تجمع بين الأصالة التاريخية والتحليل الموسيقي والحفاظ على إرث والدها الكبير (محمد الموجي)، لذا كان لنا معها اللقاء الآتي:

*ليتك تقدِّمين لنا لمحة عن حياتك؟
**أنا الابنة الصغرى لمحمد الموجي.. اسمي الحقيقي إلهام، واسم الشهرة غنوه. تخرَّجت في كلية التربية الموسيقية، وتعيَّنت مُعيدة، ثمَّ انتقلت لأكاديمية المعهد العالي للموسيقى العربية وتعيّنت هناك سنة 86، كما حصلت على درجة الماجستير سنة 93، وعلى درجة الدكتوراه سنه 2000.. وبعد هذا تدرَّجت في وظيفتي وعملت أبحاثاً من أجل الترقية حتى أصبحت أستاذ مساعد سنة 2010، ثمَّ حصلت على الأستاذية سنة 2016.
هذا التدرُّج الوظيفي لدي.. ومن ثم حصلت على بعض التكريمات من الحزب المصري ومن وزارة التربية والتعليم، كذلك شاركت في الإشراف على أبحاث ماجستير ودكتوراه، واشتركت في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، وأشرفت على التحكيم في أبحاث الترقية للزملاء.. هذا بالنسبة للكادر الوظيفي، ولكن ليس لي أيَّة أنشطة خارجية سوى أنني داخل عملي وقت الدكتوراه، عملت ريسيتيل مسرحية أوبريت صغيرة اسمها (تمثال الحرية) كي أكمل بها الدكتوراه وكان أوبريت وطني نال استحسان اللجنة كثيراً.
هذه المؤلفات عملتها وأبحاث الترقية نفس الحكاية أنجزت مؤلفات خاصة بي.. عملت لونغاو سماعي فالس واكابيلا، وألَّفت أيضاً موسيقى لمقامات غير شائعة، وهذا نشاط أنجزته داخل شغلي، لكن أي نشاط خارجي أنا لم أقم به. الحقيقة يعني أنّ الوالد كان أمله أن أدرس موسيقى بعيداً عن الاحتراف وكان هذا أمله. وقد أصبحت أستاذ دكتور في المعهد العالي للموسيقى العربية قسم التأليف والنظريات والقيادة وخرَّجت الكثير من الطلبة.

*هل التعليم الأكاديمي الصارم في المعهد العالي للموسيقى العربية يقيِّد الإبداع الفردي أم ينظِّمه؟
** لا.. طبعاً التعليم الأكاديمي في المعهد العالي للموسيقي العربية يُنظِّم وينمِّي الإبداع ويطوِّره لأنَّ الطالب المتقدِّم لدينا يأتي موهوباً أصلاً، كما يخضع لاختبارات قبول ومتابعة جدِّيَّة للطلبة الموهوبين، وندخلهم في المعهد على هذا الأساس.. ويتجلى هذا لديهم في المواد العلمية الموجودة. وأنا أتكلَّم بصفة شخصية في المادة التي أدرِّسها، سواء مادة الصولفيج الغربي أو التأليف الموسيقي العربي.
ونحن كمدرِّسين نقدِّر مواهبهم وحسهم الفني حيث يبدعون سواء في مادة الصولفيج الغربي أو تأليف الموسيقى العربية، فلو اجتمعت الموهبة مع العلم لكان ذلك جميلاً جداً جداً؛ ولا يصح أن يبقى علم من غير موهبة لأنَّ الموهوب وفي نفس الوقت لديه علم يكون أفضل.. وفعلاً هناك طلبة يتعلمون بمستوى عالٍ جداً من الثقافة الموسيقية، ويظهر هذا أيضاً في عملهم وقدرة مواهبهم بعد التخرُّج، فقد لمست ذلك من خلال طلبة كثيرين ومع أولادي أيضاً أحمد ويحيى الاثنين تخرَّجا في المعهد العالي للموسيقى العربية- قسم تأليف مثلي، والثاني قسم آلات كمنجه فالاثنان موهوبان جداً لأنهما عندما تعلَّما الموسيقى درسا تحت إشراف أساتذه ودكاتره فأصبحت مواهبهم مثقلة وعلمية وتخرجا ولديهم خلفيات موسيقية ثقافية علمية ثرَّة، ما انعكس على نتاجهما فيما بعد وأصبحا على مستوى عالٍ جداً في حياتهما العملية.

*ما هو تعريفك الشخصي للموسيقى الحقيقية وسط هذا الصخب المعاصر؟
** نعم، كلامك يثبت أنه يوجد حولنا صخب، إذ يجب على الأجيال الجديدة أن تسمع الموسيقى المصرية الأصيلة الحقيقية التي تربَّينا عليها من بداية السيد درويش وحتى الآن. ونرى وجود فئة لاتزال محافظة على الموسيقى الرائعة الحقيقية وتتجه نحو موسيقانا الأصيلة، لأن ذلك يحقِّق حاجات كثيرة جداً، وهذا ما يجب أن يحصل لكن عندما يسمعون الصخب الذي تتحدثين عنه فهذا ليس موسيقى لأننا لم نتربَّ عليها، وهي لا تخصُّنا، نحن عشقنا الأغاني الوطنية والعاطفيه.. كذلك أحببنا الأغاني الوصفية التي جعلتنا نحبُّ الطبيعة كثيراً.. يعني أنواع الأغاني التي تربينا عليها المفروض تكون موجودة؛ وليس الصخب والخبط ومغنى الزعيق هذا ليس غناء أبداً.

*هل العولمة والانترنت ساعدا في نشر الفن الراقي أم سحقا الهوية الموسيقية؟
** الإنترنت والعولمة طبعاً طمسا هويتنا تماماً لأن الإنترنت يشجِّع الجيل الجديد أو الناس عموماً على الأغاني المتداولة حالياً.. يوجد في الإنترنت موسيقى جادَّة؛ ولكن بجانب هذا يوجد أغانٍ وموسيقى بعيدة عن هويتنا تماماً. هذا غير الذكاء الاصطناعي الذي يساعد بشكل كبير على طمس هويتنا، لذا أصبح الجميع يعمل ضمن الآي إي أو بالذكاء الاصطناعي من غير أي إبداع شخصي أو آدمي. لكن هذه ليست موسيقانا أصلاً لأن فيها اتجاهاً سلبياً أكثر مما هو إيجابي.

*ما رأيك في الذائقة الموسيقية بالنسبة للجيل الجديد؟
**طبعاً إنَّ هذا الجيل معذور لأنه يسمع أنواعاً من الأغاني دون المستوى، وبالتالي الذائقة الموسيقية لديهم منحدرة جداً؛ لكن لو أنهم سمعوا القديم فستتغيَّر ذائقتهم الموسيقية ذات المستوى الردئ؛ لكن للأسف المسموح حولهم لا يسمعون غيره فهم غير مقبلين على القديم ويريدون الأغاني السريعة الراقصة الهابطة والحفلات، الموجودة في الساحل وغيره وهي بعيدة تماماً عن هويتنا. أكيد أتمنَّى من الجيل الجديد أن يسمع القديم ويعرف ما هي موسيقانا.

*من الملاحظ الوعي الكبير لديكم في الحفاظ على إرث والدكم الغني محمد الموجي، كيف تشكَّل لديكم هذا الوعي الذي نفتقده لدى الكثير من العائلات؟
**طبعاً تراث الوالد كبير جداً وتاريخ عريق ومليئ بالإبداعات والإنجازات الموسيقية الموجودة في مصر والعالم العربي، طبعاً لا بدَّ من المحافظة عليها.
حالياً حاولتُ المحافظة على تاريخه عن طريق رسالة الماجستير التي قدَّمتُها سنة (١٩٩٣)، وكان والدي وقتها على قيد الحياة حضرها وكتبت تاريخه، وكانت كلُّ كلمة أكتبها يقولها أبي لي ويشرف عليها، حيث تركت منزلي وجلست معه كي أعمل رسالة الماجستير، وكان والدي يُملي عليَّ كلَّ شئ عن أعماله، وهذا يعتبر توثيقاً بالنسبة للتاريخ. وفي نفس الوقت وثَّقت بعض أعماله كتحليل علمي وليس كلها لأنها إنتاج كبير جداً من الألحان التي بلغت حوالي 1800 لحن إلى 2000..
طبعاً، كان من الصعوبة أن آخذ كلَّ هذه الأعمال وأوثقها في الرسالة.. وما حرصنا عليه هو المحافظة على تسجيلات وأغراض والدي ونوتته الموسيقية الموجودة في مكتبه، وعوده ثاني مقتنياته في شارع الشواربي، وما يعمله الآن أحفاده الدارسين موسيقى مثل: ( أحمد الموجي ويحيى أولادي .. ومريم ومحمد أولاد أخي الموجي الصغير) درسوا موسيقى وسوف يحافظون على تراث جدِّهم، ولو دخلتم على صفحتي في الفيسبوك فسوف تشاهدون بوست مثبتاً عن أحفادنا الأربعة وهم سوف يحافظون على تراث جدهم بشكل علمي وجديد وموثق، وكل واحد منهم له رؤية فمثلاً (مريم ابنة الموجي الصغير تعمل فيديوهات عن أعمال جدِّها ووصلت الآن إلى الحلقة (رقم 60)، والحلقات تصدر كلَّ أسبوع وهي تعتبر توثيقية، كما لاقت صدىً كبيراً لدى المتابعين.. أما ابني أحمد فهو موزِّع ومؤلِّف موسيقي وبيانست يعمل على توزيع وتوثيق بعض أعمال جدِّه القديمة بأسلوب حديث. أما بالنسبة لابني الثاني يحيى فهو أيضاً يُحَدِّثُ أعمال جدِّه بشكل متطور، وبالتالي سوف يعملون له مكتبة موسيقية متطورة تحافظ على تراثه وتسجيلاته القديمة.. يعني أحمد سوف يتعاون مع استديو ويجلب تسجيلات جدِّه ويقدِّمها بشكل جديد كي تعيش لأنه ممكن يأتي عليها وقت من الزمن وتتلف..

*كواليس صناعة الألحان الخالدة لوالدك مثل “جبَّار وحبيبها لعبد الحليم حافظ”.. ماذا تخبرينا عنها؟
**طبعاً أعمال والدي الخالدة كثيرة جداً فمثلاً أغنية “جبَّار” من الأعمال المهمَّة التي لحَّنها وأخذت منه ساعة زمنية واحدة. أما أغنية “حبيبها” فهي من القصائد الوحيدة التي لحنها والدي من غير عود حيث غنَّاها بسرعة ثم سجَّلها، بينما كان غير مقتنع كثيراً من آخر كوبليه لعبد الحليم حافظ في أغنية “نار يا حبيبي” وهو “يا مدوِّبني في أحلى عذاب”، إذ كان يريد من والدي أن يغيِّره فطلب منه أن يأخذ مفتاح الشاليه الذي يمتلكه في العجمي ويحاول الجلوس مع نفسه عندما قال له: “سافر وسوف تلاقي فكرة جديدة وتعدِّل اللحن”، ولكن بعد قضائه أسبوعين في الشاليه رجع فقال له عبد الحليم حافظ هل غيرت اللحن قال له والدي محمد الموجي: (لم أغيِّر اللحن ولكنني غيرت الجو في البحر.. لم أغيِّره لأنَّ اللحن مثبت عندي لا أستطيع تغييره) وكان هذا أحلى كوبليه وقد أزيعت هذه الأغنية في (فيلم حكايه حب) عندما عرضت في السينما وصلني هذا الكلام من الناس الذين حضروا الفيلم وكانوا يطلبون إعادة هذه الأغنية أكثر من مرة لشدة إعجابهم بها فكانوا في السينما يوقفون الشريط ويعيدون بثَّ الأغنية مرَّات ومرَّات لأنَّ آخر كوبليه أعجبهم وهذه الحادثة من الطرائف والقصص النادرة لوالدي.
ومهما حدَّثتك لن انتهي لأن هناك قصصاً كثيرةً…. وبجانب كل ذلك كان والدي دائماً يحبُّ الغناء مع الكورال الذكور الذي يصاحب المطرب، يعني دائماً يبدو صوته واضحاً من بين أصوات رجال الكورال مثل: “نار.. إلخ” كان يحبُّ أن يشدَّ الكورال معه.

*ما طبيعة علاقته الخاصة بالفنان عبد الحليم حافظ؟
**كانت علاقته بالفنان عبد الحليم مثل الأب وابنه مع أن فارق السن بينهم حوالي خمس أو ست سنين، يعني عبد الحليم كان أصغر من والدي بستِّ سنين.. بابا يعتبره ابنه، وكانت علاقتنا به وبعائلته قويَّة جدَّاً وماتزال قويَّة إلى الآن مثل أبناء زينب (بنت عليَّة أخت عبد الحليم)، و(ابن زينب نور) كان طالباً عندي في المعهد وتخرَّج بتفوق عالٍ جدَّاً، وهو من الشباب الموهوبين… إذاً علاقتنا مع عائلة عبد الحليم حافظ تاريخية من أيام بابا وإلى الآن كانت عليَّة -رحمها الله- صديقة لأمِّي، وزينب بنت عليَّة كانت صديقتي، وكنَّا نتبادل الزيارات بمحبَّة فيما بيننا، وكان عبد الحليم حافظ يحبُّ أن نزوره في “الويك إند” أنا وأختي أنغام ونتغدَّى معه ونقيم اليوم بأكمله مع زينب وأماني بنت شحاته زوج فردوس شحاته هو ابن خالة عبد الحليم فابنته أماني كانت صديقتي أيضاً، وكان عبد الحليم حافظ يكلِّمنا بصفة أبنائه لأننا كلنا ولدنا على يديه، وكان في المدرسة يسألنا ماذا عملتم، وما أخباركم؟ وعندما يرى علاماتنا سيئة نوعاً ما كان يحزن جداً ويمنعنا من التصييف كي نجلس ونحضِّر للدراسة.. وعندما كنا نشتكي لوالدي كان يقول لنا: اسمعوا كلامه هذا والدكم الثاني! وفعلاً يوجد سنة انحرمنا كلنا من المصيف من أجل عبد الحليم حافظ.

*كيف كان محمد الموجي يختار أسماء أبنائه ومنهم غنوة؟
**كان والدي يستمع في الإذاعة للمذيع عندما قال: (كنَّا مع اللحن الفلاني كلمات فلان، ألحان محمد الموجي) فسمَّى أختي الكبيرة ألحان -رحمها الله- ثمَّ سمَّى أختي الثانية أنغام كي تنسجم مع ألحان وغنوة، حيث كان والدي يُسمِّي أسماء فنية لشدَّة حبِّه للفن.
أما أنا فاسمي (غنوة) وهو بالنسبة لي اسم الشهرة؛ لكن الاسم الرسمي في شهادة الميلاد (إلهام) كي نبقى على حرف الألف ثلاث فتيات، ولكن كلّ الناس يعرفوني باسم (غنوة) في نطاق العمل والبطاقة الشخصية.

*ماذا تخبرينا أيضاً عن توثيق سيرة والدك؟
**كتبت سيرته الفنية بشكل مختصر في رسالة الماجستير، وأخذت جزءاً من رسالة الدكتوراه وكتبت عن سيرته الفنية بشكل مكثَّف، كما كتبت عن المسرح الغنائي.
أما الدكتوراه فكانت عن التأليف الموسيقي في المسرح الغنائي، وأخذت والدي من ضمن الملحنين الذين أثروا المسرح الغنائي مع سيد درويش وأحمد صدقي وزكريا أحمد.. هو كان رابع واحد وثّقته من ناحية المسرح… وثّقته من ناحية أنواع الأغاني مثل القصيدة والطقطوقة والموشَّح والأغاني الوطنية والدويتو.
كلّ هذا ذكرته في رسالة الماجستير لكن سيرته الفنية نحاول قدر الإمكان أن نعمل مسلسلاً أو فيلماً له، كما نعدُّ أيضاً كتاباً يُوثِّق تاريخ أعماله كاملة.. وإن شاء الله الكتاب سيظهر للنور قريباً، كذلك سنعمل لوالدي مسلسلاً كي يوثِّق تاريخ حياته عندما نعثر على الشخصية المناسبة، فليس أيّ أحد يكون مثل شكله ونبرة صوته وإبداعه وخبرته على عزف العود جيداً، يعني يجب أن تكون الشخصية ملمَّة بكلِّ هذه الأمور وتكون شبيهة شكلاً، ويكون صوته قريباً من نبرة صوت والدي الحلوة، ولكي تلاقي شخصية مماثلة للصفات المذكورة فهذا صعب جداً.

*ما كواليس العمل وتأليف ألحان عبد الحليم حافظ مثل «قارئة الفنجان»
**نحن حضَّرنا بروفات أغنية قارئة الفنجان وفي كواليسها حصلت طرفة عندما اختفى بابا لأيامٍ عدة بدون أن يخبرنا حتى أنَّ والدتي قلقت عليه كثيراً، وقالت: لا يوجد أحد يعرف أين زوجي إلا عبد الحليم حافظ، فاتصلت به وقالت له: محمد غائب عن المنزل منذ أيام عدة ولا أعرف عنه أي شيئ..!؟
قال لها عبد الحليم ألا تعرفي أنه محبوس؟ قالت له: محبوس يا حليم ماذا فعل، وأنت كيف تتركه محبوساً إلى الآن ماذا عمل كي يحبسوه؟
قال لها عبد الحليم: أنا حبسته في فندق (من هاوس) من أجل إنهاء لحن (قارئة الفنجان) كونه تأخَّر فيها قليلاً فكلماتها صعبة وتلحينها كان محتاجاً لتركيزٍ كبير.. كان يلحنها على مدار أربع سنين في فترات.. يُلحِّن جزءاً ثم يبعد..إلى أن جاء في النهاية موعد تقديم الأغنية في الحفلة قال له عبد الحليم: يجب أن ننتهي من لحن هذه الأغنية فحبسه عندها أنهى لحنها بالكامل، وكنَّا نحضِّر البروفات.
أما بالنسبة لبعض الكلمات في القصيدة فقد كان عبد الحليم يتواصل مع الشاعر نزار قباني ومحمد الموجي من أجل القصيدة، وفعلاً تمَّ إنجازها على أكمل وجه وكانت من أعظم القصائد التي غنَّاها عبد الحليم.

*كيف تصفين لنا ذكرياتك الشخصية مع السيد الوالد داخل البيت أثناء ولادة ألحانه؟
**والدي لم يلحِّن في المنزل إنما في مكتبه، ولكنه أحياناً في البيت ونحن جالسون معه كانت تخطر في عقله جملة فيذهب ويسجِّلها مباشرةً كي لا ينساها لأنه لا يعرف كتابة النوتة الموسيقية، فوالدي لم يدرس الموسيقى ولكنه كان يُسجِّل اللحن على كاسيت صغير عنده… معظم تلحينه عندما يكون في مكتبه في شارع الشواربي، كان يُهيِّئ نفسه ويمسك القلم ويكتبه بخط يده كي يعيش مع الكلمة، وبالتالي اللحن عنده سيكتمل ويكون أمامه أثناء التلحين، كذلك تكون صورة المطرب أمامه تدفعه ليلحِّن على حسب مساحة صوت الفنان.

*ما الذي اكتشفه محمد الموجي في أصوات بعض المطربين؟
**نعم .. كسر والدي القاعده مع اثنين من المطربين وهما: (عبد الحليم حافظ، وعفاف راضي) فعبد الحليم معروف بصوته الحنون جداً ويدخل القلب دون استئذان.
وفي أغنية “جبّار” جعله فيها والدي وأعطاه مساحة صوتية عالية جداً لدرجة أنه لا يوجد أحد يستطيع غناء “جبّار” بنفس إبداع وقدرة عبد الحليم حافظ، وكانت صحته كلها مجتمعة في صوته، رغم مرضه، لكنك تشعر وكأن صوته هي صحته فكسر القاعده مع عبد الحليم مثلما ذكرت سابقاً… كذلك كسر القاعده أيضاً مع الفنانة عفاف راضي وعمل العكس فعفاف راضي كانت تغنّي غناءً أوبرالياً فهي أستاذة في الكونسرفاتوار في (قسم الغناء الفويس) إلى جانب الغناء الإيطالي وآريات إيطالية، أول ما بدأت اكتشفها الموسيقار بليغ حمدي وغنّت (ردّو السلام وتساهيل) بشكل أوبرالي، فألحان بليغ كان شكلها أوبرالي جداً.. ولكن والدي عندما لحن لها جعلها تغني بشكل شعبي نقيض تماماً لأغنية “يهديك يرضيك” فكسر القاعده هنا، وهذا دليل على أنه يستطيع اكتشاف مساحات صوتية لدى المطرب غير موجودة لديه. وهذا الكلام قالته الفنانة عزيزة جلال في أحد لقاءاتها: (محمد الموجي الوحيد الذي اكتشف مساحة في صوتي لم أكن أعرفها فعلاً) حيث لحن لها (هو الحب لعبة وإلى أول ما تقابلنا).

*كيف كانت معاملة والدك معكم في المنزل؟
**من ذكرياتنا الجميلة أنَّنا كنَّا دائماً نغنِّي ألحان والدي في أعياد الميلاد والعيد، وخاصة أغنية “يا أغلى اسم في الوجود يامصر” اللحن الوطني والأغنيه الأساسية التي نحبها جداً ونغنيها دائماً “بيت العز يا بيتنا”، لأننا كنَّا نسمِّي منزلنا (بيت العز)، وكنَّا دائماً نغنِّيها في كل المناسبات. بجانب كل هذا كان والدي إنساناً حنوناً جداً وبما أنني كنت أصغر بنت في العائلة فقد كنت أحكي له تفاصيل حياتي كلها في المدرسة وأنا صغيرة، وعندما كبرت ودخلت الجامعة ظللت أحكي له، فوالدي كان بالنسبة لي صديقاً أحكي له كلّ مشاكلي، وكان يستوعبني كثيراً بحنانه الذي ليس له مثيل.. ما أروعه فقد فتح بيوتاً كثيرةً، وكان يحسن على الناس وقد عرفنا هذا بعد وفاته. وبالنسبة له كان لا يبوح بمساعدته لأحد.. رحمه الله كم ترك مكانه فراغاً كبيراً فكلما ذكرته أتألم كثيراً لفراقة كونه أباً رائعاً وأتمنى أن يكون في الجنة ويشعر ويحسُّ كم نحن نحبُّه..! يعني طبعاً الفراق صعباً جداً وحزني عليه ليس له حدود فإلى الآن أبكي على فراقه وأشتاق لوجوده بيننا ولكن عزائي أن أعماله الخالدة موجودة، وأرى حب الناس له حينما يعرفون أنني ابنة محمد الموجي حيث أسمع عنه أحلى الكلام، وخصوصاً عندما أقابل أشخاصا يعرفونه جيداً وأرى الفرح في عيونهم وأسمع الكلام الجميل من أفواههم، الأمر الذي يسعدني كثيراً.

*كيف كانت علاقة الموسيقار محمد الموجي بكوكب الشرق أم كلثوم، وكيف كانت تفاصيل التحضير لأغانيها مثل «للصبر حدود» و«اسأل روحك» في منزل العائلة؟
** سمعت أم كلثوم عن محمد الموجي وكان له أعمال معروفة ساعتها مثل (صافيني مرَّة.. أنا قلبي إليك ميَّال) وأغاني أخرى اشتهرت جدَّاً.. عندها طلبت محمد الموجي بالاسم وكان أول ملحِّن شاب تستعين به بعد العمالقة الكبار مثل الأساتذة (السنباطي، القصبجي، زكريا أحمد، بليغ حمدي الذي أتى بعد محمد الموجي).
للصبر حدود لم تكن أوَّل أغنية يلحِّنها لأم كلثوم، بل إنَّ أول لقاء بينهما كانت قصيدة الجلاء شعر أحمد رامي وقد أعجبت أم كلثوم بلحنه كثيراً (اليوم تم الجلاء).. ثم (بالسلام.. ياصوت بلدنا. محلاك يا مصري ياسلام على الأمة) أعمال وطنية، ثم فيما بعد استعانت بألحانه في رابعة العدوية مثل حانت الأقدار والرضا والنور في فيلم رابعة العدوية، وفيما بعد تتالت الوصلات الغنائية وكانت بدايتهم للصبر حدود وفي هذه الأغنية كان والدي خائفاً جداً حيث تذكر أول لقاء عندما خاف جداً وخوفه هنا كان وصلات غنائية عاطفية حفلاتها الشهرية فلم تكن مجرد أغاني تبث في الإذاعة فقط، فطبعاً كان خائفاً للغاية وكانت الأغنية كلمات عبد الوهاب محمد فمكث فترة طويلة جداً لا يعرف من أين يأتي بالجمل الموسيقية ومن كثرة ما هاب بالموضوع والموقف كانت الجمل الموسيقية صعبة بالنسبة له فتأخر جداً جداً وكل وقت تسأل عليه تعرف أنه يلحن لفايزة أحمد.. لصباح.. لشادية.. لنجاح.. لعبد الحليم .. وراكن أغنية للصبر حدود وكان بينهم شرط جزائي موعد الحفلة فرفعت عليه قضية في المحكمة كي ينتهي من اللحن وفعلاً ذهب للمحكمة فسأله القاضي: لماذا لم تسلِّم اللحن؟ فقال له: هذه أم كلثوم ليس سهلاً أن نقدِّم لها أي شيئ وألحِّن لها أيَّ لحن. فقال له القاضي: ماذا نفعل الآن؟ فقال له الموجي: احكم علي بالتلحين..! فقال: لك لذلك، فقال له الموجي: افتح رأسي وطلِّع الألحان منه… الألحان لا تأتي هكذا غصباً تأتي وحياً وإلهاماً من عند الله تعالى. قال له القاضي: هذه قضيتكم تصافوا مع بعض المهم تخلص هذه المشكلة. قالت له: لماذا لم تنتهِ من لحن أغنيتي فذهب للفيلا لعندها فقالت له: هكذا تتكلم مع القاضي تقول: له اِفتح رأسي؟ قال لها: الذي يحصل أمراً غريباً، فقالت له للصبر حدود على اسم الأغنية، وهي صبرت عليه كثيراً قالت له: أول مرة تلحِّن اعتبرني مثل بقية المطربين اعتبرني مطربة صغيرة واعمل اللحن لا تفكر بأنَّني أم كلثوم.
عندما سمع هذا ارتاح نفسياً وفعلاً بدأ اللحن وأنجزه ولكن في هذا اللحن كانت أم كلثوم تتدخَّل كثيراً وتطلب تغييرات كثيرة لدرجة أنه كان يحصل بينهما خلافات كون والدي من النوع الذي لايحب لأحد من المطربين أن يقول له: غيّر هذا. والوحيد الذي كان يسمح له بذلك عبد الحليم حافظ لأنهما كانا جزءاً واحداً.
المهم أنجز محمد الموجي الأغنية وقال عنها: أم كلثوم في هذه الأغنية كلثمتني يعني ألبسته شخصية أم كلثوم في كل الملحنين الذين لحنوا لها قبل هذا فهو يشعر ان الكوبليهات فيها شبه من السنباطي وزكريا أحمد والقصبجي لم يشعر أن شخصيته موجودة في هذه الأغنية، وعندما عمل “اسأل روحك” قال لها: اتركيني ولا تتدخَّلي في هذا اللحن أبداً.. وفعلاً تركته يعمل اللحن ولم تتدخَّل فيه، وأعجبها جداً، بعد هذا قال والدي أنا في هذا اللحن موجتها وقد سجَّل “اسأل روحك” بصوته وخرج من أروع ما يكون ويوجد كوبليه لون عبد الحليم فطلبت منه حذفه فقام بذلك ثم سارت الأغنية بشكل جيد.. اللحنان نجحا جداً وكانت من أروع ما غنت أم كلثوم وكل هذا كان في المكتب فأبي لم يُلحِّن في البيت بسبب وجود حركة أهل المنزل بينما في مكتبه كان يسود هدوءاً تاماً إلا إذا ومضت في عقله فكرة فإنه يُسجِّلها فوراً.

*كيف كان الموسيقار الراحل يفصل بين حياته الشخصية كأبٍ وقلقه داخل استوديو التلحين؟
**كان والدي لديه بعض القلق والخوف على ألحانه خشية عدم إعجاب الجمهور بها كحالة من القلق، وقد حضرت له بروفات عدَّة في الاستوديو وكان يتصرَّف بمنتهى الهدوء، ويتعامل مع الموسيقيين والمطرب بإنسانية وَرِقَّة ومحبَّة.. كان أبي رائعاً ينسى عمله يحبُّنا ويتصرَّف بطيبة قلب كبيرة وبحلمٍ وحسمٍ وصرامة… مرَّةً رآني أضع “ميك اب” بدرجة قويَّة جدَّاً فلم يقُلْ لي بشكل مباشر أو يُعصِّب، ولكن ذكر أغنية محرم فؤاد: “ما تلونيش خدودك ما تلبسيش حلق” بمنتهى اللطف، فوالدي لا يحبُّ المكياج الداكن جداً؛ بل يحب البساطة والمكياج الهادئ واللباس المحتشم قدر الإمكان.. لديه روح الريف الشرقي ولكن دون تعصُّب هو إنسان متوازن وخلوق يحب المحافظة على أهل بيته، وهنا أذكر مثالاً: مرَّةً وضعت عطراً ذا رائحة أخَّاذة فطلب مني عدم وضعه لأنَّه ملفتٌ للنظر.. هو يريد حمايتنا، كما أنه لم يرضَ لنا العمل في الوسط الفني بالنسبة للبنات فأنا وشقيقتي ألحان كنا نريد الغناء وأختي أنغام كانت تريد التمثيل ونحن أطفال ولكنه رفض وقال تعلموا أولاً وعندما تعلَّمنا وكبرنا كل واحدة أخذت اتجاهاً: (ألحان) تخرَّجت في الحقوق و(أنغام) تخرجت آداب.. أنا دخلت موسيقى كنت أعزف بيانو وكان عمري سبع سنوات فرأى عندي موهبة فطلب مني استكمال دراستي وقال لي: (من الممكن أن تغيِّري تفكيرك عندما تكبري). وعندما حصلت على الثانوية العامة قلت لوالدي:
-(إنَّني أريد دراسة الموسيقى). دخلت كلية التربية الموسيقية فقال لي لا تحترفي وتدخلي الوسط الفني كونه شعر أن الوسط الفني بالنسبة للبنات سيعطِّلنا عن حياتنا وعن تكوين أسرة سوف يبقى عائقاً وصعباً، فوالدي يريد لنا الاستقرار والمنزل الهاديء الآمن زوج وأولاد لأن الحياة الفنية تقلب المواعيد الليل يصبح نهاراً والعكس ليس فيها أي استقرار فكان يقدم لنا النصائح ويحذِّرنا من أشياء عدَّة نستفيد منها في حياتنا.. أيَّة صديقة غير جيدة يحذِّرنا منها.. لا يريد لبناته العيش خارج المنزل، فمرَّة كنت أريد المبيت عند صديقتي كي أدرس معها فرفض، كذلك رفض سفري لمدة أسبوع في الأقصر وأسوان مع صديقاتي عندما كنت في الثانوية العامة.
كان يتَّسم بروح شرقية ويخاف علينا وينسى أنه فنان كبير ومشهور.. كان يفصل تماماً بين عمله وكونه أباً، وكان دائماً يجلس معنا ويغنِّي الأغاني التي نحبها من ألحانه برفقة عوده، وهو بالتالي أب رائع نحبُّه كثيراً -رحمه الله- فالحياة انتهت بعد وفاته بالنسبة لي كان سندي الكبير لذلك شعرت بأنَّ ظهري انكسر بعد رحيله، وأصبت بأزمة نفسية كبيرة جدَّاً.

حوار: نداء الدروبي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى