
أثار حادث اختفاء أفراخ الحمام ليومين متتاليين، ريبة والدي، واستياء أمي. تُرى من الفاعل؟ ومن هو هذا اللص الذي يتسلَّل ليلاً إلى بيت الحمام الذي يتوسَّط سطح بيتنا؟
ذاك البيت الذي بناه أبي لهم من بقايا الحجارة بعد أن أتمّ بناء بيتنا الريفي والذي يتألف من ثلاث غرف كبيرة، تحيط به شرفة واسعة تنتهي بدرجٍ جانبي يوصل إلى سطح المنزل.
حين حلَّ المساء، دكّ أبي بارودة الخردق، التي كان يصطاد بها طيور الفري والسمّن، وأغلق الباب بالمفتاح ولطى وراء الشباك المقابل للدرج وقد أغلقه نصف إغلاقة، ومدَّ سبطانة البارودة من خلاله، وجلس ينتظر.
كنّا نياماً ولا همسة أو كلمة في البيت، هذا ظاهرياً، ولكننا في الواقع كنَّا متحفزين وخائفين، من اللص المجهول ومن بارودة أبي المتربصة باللص المجهول.
ما كان يفصلنا عن مكان أبي سوى باب موارب، نحن في غرفتنا، وأبي وأمي في الغرفة الثانية.
يمضي الوقت ببطءٍ شديد، حتَّى أنَّ النعاس غلب إخوتي إلا أنا وعليّ فقد كنَّا نرسم سيناريوهات شتَّى لسير المعركة بين أبي واللص، وكنّا نتخيَّله أحد الأولاد الأشقياء وقد وقع في مصيدته، ليكون عبرةً للآخرين، إن سوّلت لهم أنفسهم التعدِّي علينا والسرقة بعد ذلك، ونتخيل وجهه في الصباح، أمام الناس يعترف بالسرقة.
كنا نرفع رأسينا من تحت الغطاء ونرقب أبي المستعد لساعة الصفر، نتوشوش ونضحك دون أن نلفت نظره.
مضت ساعات من الليل وأبي واقفٌ يتململ، يبدل ثقل جسده من رجلٍ إلى أخرى، وكأنَّه فقد الأمل من مجيئه، أمي بجانبه كظلِّه، تلبِّي طلباته، مرَّة شاي ومرَّة قهوة ودون أن تشعره أنها فقدت طاقتها وأن يومها كان شاقاً كالعادة، فالبيت غير مجهَّز، ويجب عليها إحضار الماء والحطب، وخمسة أطفال، لايكفّون عن الطلب، تتثائب خفية، وتغطِّي فمها بمنديلها الملون.
يضحك علي ويقول: ماما تتمنى أن تنتهي هذه المسرحية وتنام، أجاوبه: إن نامت ماما سيفقد أبي تركيزه، فهو أيضاً متعب، وكأنَّ اللصَّ يعرف ذلك فتأخَّر في المجيء.
في لحظة فلتت من مراقبتنا، خرجت طلقةٌمدويّةٌ، وصوت يشبه المواء وارتطام بالنافذة أجفل أبي الذي ارتد إلى الوراء فطرياً، رغم علمه أنه لايمكن أن يصل إليه من خلال الحاجز الحديدي المثبت على النافذة.
دقائق إضافية تابع أبي مراقبة هدفه الذي فرّ نازفاً وشيئاً فشيئاً، هدأت الجلبة وحلّ السكون واستراح أبي لعلمه أنَّ اللصَّ ليس بشرياً، وأسلم جسده المنهك للنوم.
فريزة محمد سلمان