كتاب وشعراء

إلى ولدي …..بقلم وليد العايش

في يوم ما كنت كما أنت الآن ؛ وكان أبي كما أنا الآن ؛ كنا نسهر معا ؛ نأكل معا ؛ نفرح معا ؛ نحزن معا ؛ نلعب معا ؛ كنا يا بني نفعل كل ما نفعله اليوم سويا ؛ ولكن لا دوام لحال في هذه الحياة السريعة الغادرة بسنينها ؛ بأشهرها ؛ بأسابيعها ؛ بأيامها ؛ بساعاتها ؛ غادرة ماكرة بكل مافيها ؛ مضى كل شيء وأصبحت كل أفعالنا مجرد ذكرى في عنق الأيام الماضية .
واليوم يتكرر المشهد ولكن بصورة أخرى ؛ بأسماء أخرى ؛ بأمكنة أخرى ؛ لكنه لا يختلف كثيراً عما كان وكنا ؛ فالمشاهد في حياة كهذه يابني تشبه بعضها البعض مع تغييرات بسيطة ربما نعتبرها شاملة لكنها في الحقيقة الراسخة هي مجرد تغيرات في تفاصيل صغيرة .
الآن سوف أكتب لكم شيئاً هاماً جدا سيكون وصية ؛ هدية ؛ رسالة خاصة جداً ؛ فاقرؤا ما سوف أكتبه لكم يابني ؛ احفظوه ؛ فسوف تأتي اللحظة التي ستحتاجون فيها إلى كل ما كتبت .
اللحظة المرة كالعلقم قادمة شئنا أم لم نشأ ؛ الفراق صعب ؛ قاس ؛ مر ؛ موجع ؛ لكنه آت ؛ آت بكل جزئياته ؛ بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة ؛ عندها ربما لن تنفع الدموع ؛ ولا الصراخ ؛ لن ينفع أي شيء ؛ فنحن نسير إليه مرغمين لاقدرة لنا على كبح جماح خطواتنا أو إيقافها مهما فعلنا .
حينها يابني : لن أستطيع أن أمنعكم من البكاء ؛ لن أستطيع أن أمنعكم من الحزن ؛ لن أستطيع إيقاف صراخكم ؛ لكني أراكم ولعلي سأبكي معكم أيضاً ؛ من يعلم !!! كل شيء ممكن في عالم الغيبيات .
ولكن رغم كل هذا الحزن ؛ ورغم قساوة المشهد الذي سنكون فيه جميعاً ؛ عليكم أن تتذكروا هذه الكلمات جيداً ؛ لا تصغوا إلى مقولة الناس المشهورة ( إكرام الميت دفنه) فهي عبارة يتشبثون بها كي ينتهوا ويعود كل منهم إلى حياته مهما كانت درجة حبه لنا جميعاً ؛ لا تصغوا إلى أي منهم فمن شاء أن يبقى ليبقى ومن شاء أن يستعجل فليغادر فكلهم لا يهمونني ؛ ولا يهمونكم بشيء .
اختلوا بي في غرفة ما ؛ في مكان قضينا فيه حياتنا ؛ ويشهد لحظة افتراقنا ؛ هو الآن يبكي كما أنتم ؛ وكما أنا ؛ حدثوني بذكرياتنا ؛ بسهراننا ؛ بأفراحنا ؛ بأحزاننا ؛ بكل مامر معنا على مدى سنوات طويلة ؛ قصيرة ؛ اجلسوا حولي و كأن كل شيء مازال كما كان يوماً ؛ تنفسوا ؛ انظروا إلى وجهي ؛ امسحوا على شعري ؛ ودعوني أراكم وألقي آخر نظراتي إليكم فبعد قليل سوف يكون كل منا في مكان مختلف تماماً ؛ كونوا جميعكم هنا ؛ ولتكن قدرة الله هي التي ترسم لقاءنا الأخير ؛ لا تكترثوا لما يقولون في الخارج ؛ لا تكترثوا للشيخ الذي لن يفرط في وقته وهو يدعو ويستعجل الإنتهاء ؛ لا تكترثوا لمن يريدون الذهاب إلى منفاي الأبدي ؛ فهذه اللحظات لن تتكرر مرة أخرى ؛ وإن لم تفعلوا فسوف تندمون كثيراً وتتمنون لو تعود كي تفعلوا مالم تفعلوه ، لتمضي ساعة ، ساعتان ؛ ثلاثة ، لايهم ؛ فالوقت هنا ليس له معنى ؛ الساعة توقفت إلى الأبد ؛ ولن تعود إلى الوراء ؛ فلا تجعلوها تتحرك بسرعة كما يربد الكثيرين ممن حولكم ؛ ذكروني ؛ حدثوني بكل ما مر معنا ، لا ضير إن تذكرتم قسوتي على أحدكم في موقف ما ، أو وقوفي إلى جانب أحدكم في موقف آخر ؛ تذكروا كل اللحظات الجميلة التي مررنا بها ولتكن هي عنوان لقاؤنا النهائي ؛ تذكروا بأنني فعلت كل ما كان بوسعي كي تكونوا بخير ؛ تذكروا بأن مالم أفعله لم يكن بإرادتي فيومها لم أكن أستطع فعله ؛ فاعذروني وسامحوني ؛ وبكل تأكيد سوف أسامحكم على ارتفاع أصواتكم في لحظة غضب ؛ على عزوفكم عني لسبب ما ؛ عن أفعال لم أرضى عنها لكنكم فعلتموها ؛ فكل هذا أصبح الآن في كتاب التاريخ لا أكثر ؛ تذكروا بأنكم في موقف لا ولم ولن يتكرر في حياتكم مرة أخرى ؛ لقد مررت به أنا قبلكم ؛ ولاتعلمون كم أنا نادم الآن ؛ كم من الدموع أسقي بها وسادتي كل يوم ؛ ولكن لن يكون بمقدوري فعل أي شيء آخر ؛ الدموع لا تكفي ؛ لكنها ربما تبرر ما أنا نادم عليه ؛ فلا تكرروا خطئي .
دعوني أقضي لحظاتي بين أيديكم ؛ ومعكم ؛ وأشعر بتنهداتكم ؛ و آهاتكم ؛ دون عجلة من أمرنا ؛ فأي شيء يستحق الاستعجال !!! استغرب جداً كيف للناس أن تستعجل الفراق !!! أسأل نفسي عن السبب فلا أجد أي سبب ؛ فأصرخ ( انتظروا ؛ دعوا هذا المسجى يرى كل ما يريد قبل أن يرحل إلى فضاءات أخرى لا تشبه هذا الفضاء ) .
كونوا أنتم من يتحكم بالوقت ؛ ولا تدعوه يتحكم بكم ؛ تحكموا أنتم بكل من حضر ؛ ولا تدعوهم يتحكموا بكم ، فالقرار قراركم ؛ وأنتم السادة ؛ والبقية مجرد إطار للمشهد الاخير .
المشهد الأخير ؛ كم هو قاس وصعب ومرير ؛ فحولوه إلى ذكرى تروى على مر التاريخ ؛ المشهد الأخير ترسم تفاصيله قدرة الله ؛ وأفعالكم ؛ ولا شيء آخر .
الرسالة مازالت قيد الحياة ؛ لم تنته بعد ؛ فإن رسم الصورة يحتاج إلى رسائل كثيرة ؛ ولعل هذه التفاصيل أهم ما فيها ؛ فتذكروا يابني ؛ تذكروا هذه التفاصيل …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى