رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب :من تجديد الشرعية إلى إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني …

الانتخابات ليست المشكلة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكون الحل.

أعادت ورقة هاني المصري، «الانتخابات الفلسطينية تحت الاحتلال: بين الشرعية الديمقراطية ومتطلبات التحرر الوطني»، فتح نقاش بالغ الأهمية حول الانتخابات الفلسطينية المعلنة، متجاوزة السؤال التقليدي: هل نشارك أم نقاطع؟ إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني ووظيفته في مرحلة التحرر الوطني. فالانتخابات، كما يخلص المصري بحق، ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة ديمقراطية ينبغي أن تخدم مشروعًا وطنيًا، وأن تجري في إطار يحترم الحريات وسيادة القانون وتداول السلطة ونتائج الاقتراع.

لكن أهمية هذا النقاش تقتضي الذهاب خطوة أبعد: هل نحتاج إلى انتخابات لتجديد شرعية النظام السياسي القائم، أم إلى إعادة تأسيس النظام السياسي أولًا حتى تصبح الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية الوطنية؟

هذه، في تقديري، هي المسألة الجوهرية.

فالفلسطينيون لا يعيشون في دولة مستقلة مكتملة السيادة، وإنما تحت احتلال استيطاني إحلالي، وفي واقع جغرافي وسياسي مجزأ، بينما يتوزع الشعب الفلسطيني بين الوطن والشتات. ومن ثم فإن اختزال الديمقراطية الفلسطينية في انتخابات رئاسية وتشريعية داخل الأراضي المحتلة لا يعالج أزمة التمثيل الوطني برمتها، مهما كانت الانتخابات نزيهة وشفافة.

لقد أثبتت التجربة أن الانتخابات تستطيع إنتاج شرعية انتخابية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج توافق وطني، أو إنهاء الانقسام، أو إعادة بناء مؤسسات النظام السياسي. بل قد تتحول، إذا جرت في ظل انقسام عميق ومن دون اتفاق على قواعد اللعبة واحترام النتائج، إلى مناسبة جديدة للصراع على السلطة.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الانتخابات أو يرافقها هو: أي نظام سياسي نريد؟ ومن يمثل الشعب الفلسطيني كله؟ وما المشروع الوطني الذي ينبغي أن تخدمه المؤسسات المنتخبة؟

منظمة التحرير مدخل إعادة البناء

من هنا تبدو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل مؤسساتها مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الشرعية الوطنية.

فالمنظمة هي الإطار الذي نشأ لتمثيل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، بينما السلطة الوطنية نشأت في سياق مختلف، وبصلاحيات وقيود فرضها واقع الاحتلال واتفاق أوسلو. ولذلك فإن الخلط بين وظائف المنظمة ووظائف السلطة أضعف تدريجيًا المرجعية الوطنية الجامعة، وحوّل الصراع السياسي الفلسطيني في جانب كبير منه إلى صراع على إدارة سلطة محدودة الصلاحيات بدل أن يبقى مركز الثقل في قضية التحرر الوطني.

وهذا لا يعني إلغاء السلطة أو تجاوز مؤسساتها، بل إعادة تحديد موقعها ووظيفتها داخل النظام الوطني الفلسطيني، بحيث تكون أداة من أدوات المشروع الوطني، لا بديلًا عن منظمة التحرير ولا إطارًا يختزل الشعب والقضية في حدود جغرافية وإدارية ضيقة.

وهذه ليست فكرة جديدة؛ فقد طُرحت منذ سنوات باعتبار المنظمة، لا السلطة، المدخل الأجدر لإعادة بناء النظام السياسي، وهي تكتسب اليوم أهمية أكبر في ظل التحولات التي طرأت على القضية الفلسطينية والمنطقة.

الانتخابات تتويج لمسار لا بداية له

لكن الدعوة إلى إعادة بناء النظام السياسي لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتأجيل الانتخابات إلى ما لا نهاية.

المطلوب هو مسار متزامن ومتدرج: إعادة بناء المرجعية الوطنية الجامعة، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، والاتفاق على قواعد النظام السياسي، وتجديد مؤسسات منظمة التحرير ومجلسها الوطني، ثم إجراء انتخابات ديمقراطية وشاملة حيثما أمكن.

والأهم أن تشمل عملية إعادة بناء الشرعية الشعب الفلسطيني كله، في الوطن والشتات، لا أن يظل ملايين الفلسطينيين خارج معادلة التمثيل الوطني.

فالانتخابات الرئاسية والتشريعية، مهما كانت أهميتها، لا تجيب وحدها عن سؤال: من يمثل الشعب الفلسطيني؟ وهذا يجعل انتخابات المجلس الوطني وإعادة بناء منظمة التحرير جزءًا جوهريًا من أي عملية سياسية فلسطينية شاملة.

عقد سياسي جديد

ما نحتاجه إذن ليس مجرد موعد انتخابي، بل عقد سياسي فلسطيني جديد يقوم على وحدة الشعب والقضية والأرض، والشراكة الوطنية، والديمقراطية، والتعددية، وسيادة القانون، واحترام نتائج الانتخابات، وتداول السلطة سلميًا، وضمان الحريات العامة واستقلال القضاء، وتحديد واضح للعلاقة بين منظمة التحرير والسلطة ومؤسسات الحكم.

ويجب أن يترافق ذلك مع تجديد الحياة السياسية نفسها، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والنقابات والمجتمع المدني والقوى الاجتماعية، وعدم اختزال الحياة الوطنية في الفصائل وحدها. وهذا يتقاطع مع النقاشات التي يشهدها المجتمع السياسي الفلسطيني حاليًا حول إعادة بناء النظام السياسي وتوسيع المشاركة وتجديد مؤسسات منظمة التحرير.

إن جوهر الأزمة الفلسطينية ليس فقط غياب الانتخابات، وإنما تآكل الثقة بالنظام السياسي، واستمرار الانقسام، وضعف المشاركة الشعبية، وغياب المشروع الوطني الجامع. وقد باتت هذه الأزمة بنيوية، الأمر الذي يجعل إصلاحها يتطلب أكثر من تغيير الأشخاص أو إجراء انتخابات جديدة.

من انتخابات جديدة إلى نظام جديد

لهذا، فإن الاختبار الحقيقي للانتخابات القادمة ليس فقط: من سيفوز؟ وإنما:

هل ستعيد إنتاج النظام السياسي القائم، أم ستفتح الطريق لإعادة بنائه؟

نحن لا نحتاج إلى انتخابات جديدة لنظام قديم، ولا إلى شرعية انتخابية محدودة تعيد تدوير الأزمة، وإنما إلى نظام سياسي وطني ديمقراطي قادر على تمثيل الشعب الفلسطيني كله، واستعادة ثقته، وتوحيد طاقاته، وربط مؤسساته بمشروع التحرر الوطني.

فالشرعية لا تُختزل في صندوق الاقتراع، كما أن الوحدة لا تختزل في اتفاق الفصائل على تقاسم المواقع.

الشرعية الحقيقية هي قدرة النظام السياسي على تمثيل شعبه كله، وصيانة حقوقه، والتعبير عن إرادته، وتحويل تضحياته وصموده إلى قوة سياسية قادرة على حماية قضيته وتحقيق أهدافه الوطنية.

ومن هنا، فإن الطريق الأكثر واقعية ليس: الانتخابات أو الوحدة، بل إعادة بناء النظام السياسي والوحدة والانتخابات في مسار وطني واحد.

وهكذا تصبح الانتخابات تتويجًا لإعادة تأسيس الشرعية الفلسطينية، لا محاولةً لتجديد شرعية نظام استنفد قدرته على إنتاج الحلول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى