
ـــ
قبل نحو عقدين من الزمن، وقّعت إيران وروسيا والهند اتفاقاً طموحاً لإنشاء ممر نقل دولي يربط المحيط الهندي ببحر الشمال عبر الأراضي الإيرانية. ظل المشروع، لسنوات طويلة، حبيس الخلافات السياسية وقلة التمويل، حتى بات كثير من المراقبين يعتبرونه مجرد “ورقة سياسية” أكثر منه مشروعاً تشغيلياً. لكن العجيي اللافت أن عقوبات واشنطن المتصاعدة، التي كانت تهدف إلى عزل الاقتصاد الإيراني، هي التي أعادت إحياء هذا الممر ودفعته إلى مرحلة التشغيل الفعلي. في هذا التقرير، نحاول قراءة واقع ممر “شمال-جنوب” من زاوية أرقامه التشغيلية، وتحدياته البنيوية، ونقاط ضعفه الأمنية، بعيداً عن التصوير الدرامي أو التبسيط الإخباري. يعمل الممر حالياً عبر ثلاثة محاور رئيسية: الفرع الغربي عبر أراضي أذربيجان، والفرع الأوسط عبر بحر قزوين مباشرة، والفرع الشرقي عبر كازاخستان وتركمانستان، وهو الأكثر استقراراً من الناحية الجيوسياسية، ويعتمد على خط سكة حديد دخل الخدمة عام 2014، مما يجعله أقل تأثراً بالتوترات الإقليمية. من الناحية العملية، يبدو أن طهران وموسكو تراهنان على الفرع الشرقي بوصفه العمود الفقري للممر، نظراً لاستقرار مساره واكتمال بنيته التحتية نسبياً مقارنة بالفروع الأخرى. تشير البيانات المتاحة حتى منتصف 2026 إلى الأرقام التالية: في عام 2024، بلغ إجمالي البضائع المنقولة عبر الممر 26.9 مليون طن، بزيادة 19% عن العام السابق. حصة السكك الحديدية وحدها بلغت 12.9 مليون طن، بنمو سنوي 11%. على الفرع الشرقي تحديداً، تضاعف حجم الحاويات 1.6 مرة خلال عشرة أشهر من عام 2025. شركة الشحن الإيرانية (IRISL) سجّلت نقل 27,500 حاوية مكافئة خلال أربعة أشهر فقط، بوزن إجمالي تجاوز 337 ألف طن. هذه الأرقام، وإن كانت تعكس تقدماً ملموساً وظاهرا، إلا أنها لا تزال متواضعة مقارنة بحجم التجارة العالمية عبر قناة السويس مثلاً، وهو ما يستدعي عدم المبالغة في وصف الممر بأنه “قلعة لوجستية” في هذه المرحلة. الميزة الأكثر إغراءً للممر هي توفير الوقت. فالشحنة القادمة من مومباي إلى سانت بطرسبرغ تصل خلال 25 يوماً، مقابل ما بين 40 إلى 60 يوماً عبر قناة السويس. هذا يعني توفيراً في الوقت بنسبة تتراوح بين 40% و50%، وانخفاضاً في التكلفة يصل إلى 30% في بعض الحالات. وفي تجربة حديثة (نوفمبر 2025)، قطع قطار حاويات قادم من منطقة موسكو إلى طهران المسافة في 12 يوماً فقط، وهو رقم لافت فعلاً، لكنه يبقى حالة فردية لا تعكس بالضرورة الأداء اليومي للممر. لا يمكن الحديث عن اكتمال الممر دون التوقف عند نقطة الاختناق الأهم: خط السكة الحديد المفقود بين رشت وأستارا، بطول 163 كيلومتراً فقط. هذه الفجوة تحول دون الربط البري المباشر بين الشبكة الإيرانية والروسية، وتجبر الشاحنات على اللجوء إلى وسائل بديلة مكلفة. ولمواجهة ذلك، ضخت روسيا 1.6 مليار يورو لتمويل هذا الجزء، على أن تبدأ الأعمال الفعلية في أبريل 2026، وتستغرق 48 شهراً. حال اكتماله، من المتوقع أن ترتفع طاقة الممر إلى 40 مليون طن سنوياً بحلول 2030، وقد تصل إلى 70 مليون طن بين روسيا والهند في مرحلة التشغيل الكامل. لكن يبقى السؤال: هل ستلتزم موسكو بجدول التمويل في ظل الضغوط المالية التي تواجهها؟والحرب التي تخوضها؟ هذا ما ستكشفه السنوات القادمة. ربما تكون المفاجأة الأكثر إثارة للقلق هي الهشاشة والفقر الأمني للممر. ففي مارس 2026، تعرّض ميناء بندر عباس لهجوم وصف في بعض التقارير بأنه أميركي-إسرائيلي، أدى إلى تدمير مبنى الجمارك بشكل كامل. هذا الحدث، إن صحّت التفاصيل التي عرفناها، يكشف أن الممر لا يزال عرضة لضربات نوعية تعطل حركته، حتى لو لم تشلّه بالكامل. خبراء لوجستيون يشيرون إلى أن ارتفاع المخاطر الأمنية سيؤدي حتماً إلى مضاعفة تكاليف التأمين على البضائع وزيادة أقساط الشحن وتردد شركات النقل العالمية في استخدام الممر رغم ميزته الزمنية، وهو ما قد يبطئ وتيرة النمو المتصاعدة، ويعيد حسابات المستثمرين. إلى جانب التحديات الأمنية، ثمة عقبة فنية مزعجة لكنها قابلة للحل: اختلاف مقاييس السكة الحديد بين روسيا (1520 مم) وإيران (1435 مم). هذا الاختلاف يستلزم عمليات نقل وتفريغ إضافية عند نقاط التبادل الحدودية، ما يرفع التكاليف ويطيل زمن المناولة. بعض الحلول التقنية كاستخدام عربات متعددة المقاييس قيد الدراسة، لكنها لم تُطبّق بعد على نطاق واسع. بإنصاف، يمكن القول إن إيران نجحت في تحويل سياسة الحصار إلى حافز لتطوير بديل بري يقلل اعتمادها على الممرات المائية الخاضعة للنفوذ الأميركي. لكن وصف الممر بأنه “قلعة لوجستية” أو “شريان نجاة” يبقى مبالغاً فيه في هذه المرحلة، خصوصاً في ظل استمرار الفجوة البنيوية بين رشت وأستارا، والهشاشة الأمنية المكشوفة في موانئ رئيسية مثل بندر عباس، وضعف التكامل التقني بين شبكات السكك الحديدية الإيرانية والروسية، وغياب بيانات رسمية شفافة حول حركة البضائع بشكل يومي. السؤال المفتوح اليوم: هل ستتمكن طهران من تحويل هذا الممر إلى أداة ضغط إقليمية مستدامة، أم ستظل أسيرة تحديات أمنية ولوجستية تعيد إنتاج عزلتها بشكل جديد؟ الإجابة ليست في يد إيران وحدها.