من صمت الأهرامات إلى سحر سان ماركو: فسيفساء الحجر في بحثه عن الخلود…بقلم عبد المجيد عبوبي

تعود بي الذاكرة اليوم إلى عام 1989، حين وقفتُ لأول مرة في صحن كنيسة “سان ماركو” بمدينة أوسيمو الإيطالية الصغيرة. يومها، أخذتني الزخارف والمنحوتات في سفر خاطف عبر الزمن. لم أكن مجرد زائر يمتع بصره، بل كنتُ أستحضر ذاكرتي البصرية كابن للمغرب، فتتردد في ذهني شواهد قصر البديع بمراكش، ومآذن وهيبة المساجد العتيقة. واليوم، وبعد كل هذه السنين، تذكرتُ ذلك الفن الآخذ وتملكني السؤال ذاته الذي يستفز الروح: ما قصة هذا الحجر الذي ينطق بالجمال؟ وكيف تتداخل خطوط الفن في فسيفساء واحدة تمتد من الأهرامات، إلى الرومان، فالكنائس والمساجد؟
قصة الرحلة: من الحجر إلى الروح
الأهرامات (رمزية الخلود الأبدي): بدأت الحكاية من مصر القديمة؛ لم يكن الهرم مجرد مدفن، بل كان “بوابة كونية” وسلسلة هندسية من الحجر الصامت تتجه نحو السماء. علمتنا الأهرامات أن العمارة هي محاولة الإنسان الأولى لهزيمة الموت وترك أثر يتحدى النسيان.
الكنائس (تجسيد الملكوت في الحجر): حين انتقلت العمارة إلى روما ثم الكنائس المسيحية، تحولت قاعات البازيليكا الرومانية إلى فضاءات مقدسة. ولأن الإيمان المسيحي يعتمد على التجسد، أصبحت الزخارف والفسيفساء والتماثيل في كنيسة مثل “سان ماركو” بمثابة “إنجيل مرئي” يروي للعين قصص السماء ويبث في النفس جلال الفداء.
المسجد الأموي وأندلسيات الجمال (هندسة اللانهائية): حين وصل المسلمون إلى دمشق والأندلس، لم يتخلوا عن التراث المعماري بل أعادوا صياغته روحياً. في المسجد الأموي استُبدلت الصور البشرية بفسيفساء طبيعية وهندسية، وفي جامع قرطبة تحول المعمار الروماني إلى “غابة من الأقواس المزدوجة” والزخارف الهندسية التي لا تنتهي، تعبيراً عن التوحيد والمالانهائية الإلهية.
مسجد الحسن الثاني (استمرار النبض): يعود الشريط البصري إلى بلادي في الدار البيضاء، ليقف المسجد على المحيط مستلهماً “وكان عرشه على الماء”. إنه امتداد حي لنفس الروح التي صنعت قصر البديع، حيث يتعانق الزليج والنقش على الجبس مع التقنية الحديثة.
الأثر البصري والنفسي والإبداعي
من منظور فلسفة المعمار وعلم الأنثروبولوجيا، العمارة ليست مجرد جدران، بل هي “اللغة الرمزية للإيمان”:
الأثر البصري: تنظم الزخارف رؤيتي للكون؛ فالخطوط الهندسية والتكرار الزخرفي يمنحان العين إحساساً بالنظام الكوني السامي والانسجام.
الأثر النفسي: تمنحني هذه الفضاءات المقيدة بالجمال شعوراً بالطمأنينة والسكينة، وتذكرني بضآلة الإنسان أمام المطلق، فتنسحب زحمة الحياة الخارجي لصالح التأمل الداخلي.
الأثر الإبداعي: تتجلى عظمتها في قدرة العقل البشري على تحويل المادة الصماء من طين وحجر إلى رموز شفافة تعبر عن أشواق الروح.
المستقبل المعماري
أرى أن مستقبل العمارة لن يكون في المباني الزجاجية الصماء التي تفقد المدن هويتها، بل في العودة إلى “المعنى”. سيتجه العالم نحو عمارة تجمع بين المادة الحديثة والروح الحية؛ عمارة تعيد للإنسان بيئته النفسية، وتكمل الحوار البصري الذي بدأه الفراعنة، ومر عبر سان ماركو، واستقر في نقش الزليج بمراكش والدار البيضاء.