
كتتب:هانبي الكنيسي
بينما الأنظار معلّقة بسيناريوهات “يوم الحسم الاقتصادي” وإرهاصات الحرب المالية الأمريكية على إيران “التي لم يسبق لها نظير”(حسب تعبير ترمب)، جاء خطاب السيد ‘حسن الخميني’، حفيد الإمام آية الله الخميني، بعيدًا كل البعد عن لهجة التهديد ونبرة التصعيد التي غلبت على تصريحات المسؤولين الإيرانيين، إلى حد أنه استدعى روح “صلح الحديبية” التاريخي بين المسلمين وكفار قريش.
ففي مناسبة احتفالية- أمس الأحد- حضرها وزراء الحكومة والرئيس الإيراني ‘مسعود بزشكيان’، قال الزعيم الديني حرفيًا: “فتح مبين مربوط به احد و بدر و خندق و تبوك نیست؛ مربوط به صلح حدیبیه است. گاهی ثمرات مصالحه درست از صدها جنگ بیشتر است”، أي: “النصر الواضح لا يرتبط بأُحد وبدر والخندق وتبوك؛ بل يرتبط بصلح الحديبية. أحياناً تكون ثمار المصالحة الصحيحة أكبر من مئات الحروب”.
ورغم أن التلفزيون الرسمي حذف من تغطيته للمناسبة المقاطع الخاصة بـ”التفاهم” و”صلح الحديبية” في كلمة الخميني، “بسبب حساسية الكلام” حسب ما ذكرت وسائل إعلام إيرانية، فإن العبارة “الرمزية” التي وردت على لسان حفيد مؤسس النظام الإسلامي في إيران، لم تُقرأ في الإعلام الغربي والعبري كمجرد استدعاء ديني لقصة تاريخية، مثلما أنها لم تُقرأ في “ترجمة” الحرس الثوري بعيدًا عن دلالاتها السياسية المرتبطة بالدعوة إلى تغليب الدبلوماسية في التعامل مع “الشيطان الأكبر”، في لحظة تدور فيها رُحى المعارك العسكرية والسياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة وتتقاطع مع نقاش داخلي محتدم حول السؤال الأصعب: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية الاستمرار في المواجهة مع قوة العالم العظمى، أم أن عليها البحث عن “مخرج تفاوضي” يحفظ وجه النظام وينقذ البلاد من الاختناق والمجاعة (كما حذّر رئيس البرلمان ‘محمد باقر قاليباف’ في زلة لسان)؟!
الجدير بالملاحظة أن حسن الخميني (البالغ من العمر 54 عامًا) لم يكتفِ بذكر صلح الحديبية، بل استعاد الرواية التي تجعل من ذلك الاتفاق مثالاً على الفرق بين التنازل التكتيكي والانتصار الاستراتيجي. فذكّر الحضور كيف أن أحد كبار الصحابة شكك في حكمة الاتفاق آنذاك، وسأل النبي (ص): “ألسنا على الحق؟”، فجاءه الرد بأن ما يبدو تنازلاً في لحظته قد يكون “حكمةً إلهية” لمصلحة المسلمين، قبل أن يربط ذلك بما أعقبه تاريخياً من نصر نهائي عظيم بـ”فتح مبين” لمكة، بعد عامين فقط من توقيع الصلح.
القراءة المتأنية لمثال “الحديبية” في خطاب أكبر أحفاد الخميني عمرًا تكشف أنه لا يدعو إلى “التراجع أو الاستسلام” أمام واشنطن؛ بل ينصح بحكمة “المناورة” الاستراتيجية التي قد تتيح لطهران التقاط أنفاسها ثم استئناف المواجهة من موقع أفضل.
حسن الخميني – الذي كان أحد المرشحين “نظريًا” لخلافة علي خامنئي في منصب المرشد الأعلى- ليس رجل دولة بالمعنى التنفيذي، ولم يتولَّ منصباً حكومياً رفيعاً، لكن قوته تكمن في وزنه “المعنوي” لصلة الدم بمؤسس الجمهورية، فضلا عن رئاسته “ضريح الإمام الخميني” في طهران، وهي مؤسسة ذات رمزية دينية وسياسية استثنائية. وتصفه ‘رويترز’ بأنه “رجل دين ذو ميول إصلاحية، ومرتبط بشخصيات معتدلة مثل الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني”.
المفارقة، أن شقيقه الأصغر ‘علي الخميني’ استخدم لغة تصعيدية عنيفة (أقرب لخطاب الحرس الثوري وما يُنقل أيضا عن المرشد الحالي مجتبى خامنئي)، فاعتبر أن الخلاف الإيراني-الأمريكي وصل إلى مرحلة «پدرکشتگی» أي “العداء حتى الموت”، ووصف التفاوض مع واشنطن بأنه “خيانة”، بحسب وسائل إعلام إيرانية نقلت تصريحاته قبل أيام.
وهكذا تحولت عائلة مؤسس الجمهورية الإسلامية نفسها إلى “مرآة” مصغرة للخلاف الأوسع حول سؤال الحرب والسلام داخل إيران.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام الإعلام العبري والغربي بالخطابين. فالأمريكيون والإسرائيليون يبحثون في مثل هذه التصريحات عن “إشارات” تعكس اتجاهات التفكير داخل النخبة الإيرانية، وعن “مؤشرات” لانقسام أو خلاف على مستوى الدوائر العليا .. لعل وعسى أن تنجح في تحقيق ما فشلت في إنجازه الآلة العسكرية والحرب الاقتصادية حتى الآن!!