د.أيمن منصور ندا يكتب :أن تكون أحمد المسلماني كحيت الإعلام، وعاشق اللقطة، ورجل الظل البارز

لو كان العظيمان أحمد رجب ومصطفى حسين بيننا، وسُئلا: أيُّ شخصياتكما يمكن أن تخرج من الورق لتعمل في الإعلام؟ لقالا في نفس واحد: الكحيت أفندي.. ثم أشارا إلى أحمد المسلماني؛ ففيه شيء كبير من “الكحيت أفندي”؛ ذلك الذي يجمع بين محدودية الإمكانات وضخامة الكلام، ويعيش بخياله في طابق أعلى كثيراً من واقعه.. والمسلماني يقدم نسخته الإعلامية الأكثر أناقةً: عناوين بحجم العالم، وتفكير يحب الخرائط الكبرى، وطموحات تتحدث لغة القوى العظمى، بينما تظل أدوات تحويل هذا كله إلى واقع أضيق من مساحة الخطاب.. وفي حديثه عن الإعلام وعودة ماسبيرو، يشبه “كحيتاً” يحدثك بثقة عن جمال جزر البهاما، بينما لا تزال تذكرة أتوبيس وسط الدلتا إلى بلطيم خارج الحساب..
وإذا كان “الكحيت أفندي” هو أقرب شخصيات أحمد رجب ومصطفى حسين إليه، فإن أقرب شخصيات الواقع إليه، في تقديري، هي توفيق عكاشة.. المسلماني هو النسخة المهندمة من عكاشة.. كلاهما يميل إلى تضخيم موقعه داخل الأحداث، وكلاهما يرى في نفسه قدرات لا يراها الآخرون بالدرجة نفسها، وكلاهما يحب الحكاية الكبيرة والادعاء الكبير.. وتمنح بعض السير المنشورة للمسلماني برنامجه “الطبعة الأولى” دوراً في التمهيد لثورة 25 يناير، حتى يصل الرجل فيها إلى مرتبة “فولتير الثورة المصرية”، بينما أعلن عكاشة بنفسه أنه “مفجر ثورة 30 يونيو”.. وفي المقارنة بين الرجلين أميل إلى عكاشة في معظم الأحوال: عكاشة أعمق في إيمانه بما يقول، وأكثر صدقاً مع حكايته، وأكثر إخلاصاً لما يعتقد، وأوسع خيالاً، وأكبر قدرةً على إنتاج فكرة تخصه، حتى لو بدت الفكرة نفسها غريبةً أو جامحةً.. وربما كان الفارق بينهما كله يمكن اختصاره في جملة واحدة: عكاشة كان مشروعاً فكرياً فوضوياً بلا قسم علاقات عامة؛ أما المسلماني فهو قسم علاقات عامة بالغ الكفاءة يبحث دائماً عن مشروع فكري يليق بالواجهة..
ولعل السمة الأساسية التي يمكن فهم شخصية المسلماني من خلالها هي عشقه للقطة، وهو بحق: “عاشق اللقطة وصانع الهالة”، والمسألة عنده تتجاوز حب الكاميرا إلى محاولة صناعة واقع إعلامي يسبق الواقع الحقيقي أحياناً بخطوات.. ويصلح إعلان “عودة ماسبيرو” نموذجاً كاشفاً؛ فقد رُوِّج لأرقام ضخمة عن مليارات المشاهدات وعشرات الملايين من المتابعين، دون أن يصاحب ذلك قياس مستقل منشور أو دراسة مشاهدة يمكن مراجعة منهجيتها، وبينما لا يبدو الواقع المرئي لكثير من محتوى ماسبيرو على يوتيوب ومنصات التواصل متناسباً بسهولة مع صورة “العودة الكبرى”.. والمسلماني لا يكتفي بأن يصنع هالةً حول الإنجاز؛ أحياناً تبدو الهالة هي الإنجاز الأكثر اكتمالاً: فالواقع فقير وعنيد: ماسبيرو لم يستعد بعد موقعه القديم في حياة الجمهور، ولم تعد شاشاته مركز الحديث اليومي للمصريين، لكن “العودة” تستطيع أن تصل إلى البيان الصحفي قبل أن تصل كاملةً إلى غرفة المعيشة.. عند المسلماني، الواقع لا يسبق الرواية دائماً؛ أحياناً تصدر الرواية أولاً، ثم يُمنح الواقع مهلةً للحاق بها.. وربما كانت هذه إحدى مهارات صانع الهالة: إذا كان الواقع أصغر من الصورة، فلا تُصغّر الصورة؛ كبّر العنوان!
وعلى النقيض تماماً مما يستلزمه الوجود في اللقطة، فإنَّ المسلماني هو رجل الظل بامتياز: وهو لا يكره الضوء بقدر ما يجيد معرفة متى يظهر فيه ومتى يبتعد عنه.. لديه موهبة رجل العلاقات العامة الذي لا يدخل معركةً إلا إذا كانت نهايتها مضمونة، ولا يغضب خصماً يمكن أن يصبح غداً صاحب قرار، ولا يحرق جسراً ما دام من الممكن أن تمر عليه سلطة جديدة.. لذلك يصعب أن تضع المسلماني طويلاً داخل معسكر واحد؛ هو أقرب إلى رجل يحتفظ دائماً بخط رجعة مع الجميع، ثم يظهر في العلن بأقصر مسافة ممكنة من القوة الغالبة.. هو ليس “رجل فصيل” بقدر ما هو “رجل كل الفصائل” في الكواليس، ورجل الفصيل المنتصر أمام الكاميرا.. وهذه ليست بالضرورة انتهازيةً فجّةً؛ الانتهازية البدائية تصرخ وتبدل الشعارات على الرصيف، أما المسلماني فيمارسها، إن صح الوصف، بربطة عنق: يعيد تفسير موقعه السابق، ويمنح انتقاله الجديد سبباً فكرياً، ثم يكتشف القارئ أن الطريق بين الموقفين كان، بعد قليل من الشرح، مستقيماً جداً.. ولهذا نادراً ما تجد له خصومةً مستعصيةً أو باباً مغلقاً إلى الأبد؛ فالرجل يعرف أن الحياة السياسية المصرية لا تحتاج دائماً إلى مَن يكسب المعارك، بل كثيراً ما تكافئ مَن ينجو منها جميعاً..
وللمسلماني عشق خاص بالأسماء الكبيرة، وبالاقتراب منها، والتقرب إليها.. حتى لو كان هذا الاقتراب رمزيا.. على صفحته ، وأظنه هو كاتبها، على “ويكيبيديا”، في بضعة أسطر ينتقل الرجل من “عمرو خالد” إلى “ماو” إلى “فولتير” من دون ترانزيت؛ ولو تركنا الكاتب صفحتين إضافيتين، فلا أستبعد أن نصل إلى “غاندي” و”مانديلا” قبل الخاتمة.. وفي الواقع، رسخ المسلماني صورته من خلال الاقتراب الشديد ببعض الشخصيات مثل زويل، وسعد الدين الشاذلي، وعدلي منصور،وغيرهم ..بعض الناس تكفيهم سيرة ذاتية؛ المسلماني، في بعض ما كُتب عنه، يحتاج إلى أطلس.. والأسماء الكبيرة تدخل سيرته ضيوفاً، ثم تكتشف بعد قليل أنها جاءت لتؤدي دوراً مساعداً.. ولا يراهن المسلماني على حصان واحد؛ يفضّل أن يعرف أصحاب الإسطبل كله، ثم يظهر في الصورة إلى جوار الحصان الذي وصل أولاً.. وهذا هو المعنى الحقيقي لـ”رجل الظل البارز”: علاقاته الأكثر فائدةً لا تحتاج إلى إعلان مبكر، ومواقفه الأكثر وضوحاً تظهر عادةً عندما يصبح اتجاه الريح أقل غموضاً.. وهو لا يحرق المراكب؛ يحتفظ بها جميعاً في الميناء، تحسباً لتغير اتجاه البحر..
وللمسلماني عشق خاص بالمسميات الكبيرة كبديل عن تغيير الواقع؛ ففي عهده ظهرت “موليوود”، وتحول معهد الإذاعة والتليفزيون إلى “أكاديمية ماسبيرو”، وإدارة البحوث والمشاهدة إلى “مركز ماسبيرو للدراسات”، وحصل استديو على اسم نجيب محفوظ، ومسجد التليفزيون على اسم الليث بن سعد، وطُرحت أسماء جديدة لقنوات قائمة؛ وكأن الكيان إذا لم يستطع أن يكبر في الواقع، يمكن على الأقل أن يكبر في البطاقة الشخصية.. وفي مدرسة المسلماني للإصلاح قد تكون ماكينة صناعة اللافتات أسرع من ماكينة صناعة المؤسسات؛ فالواقع عنيد، أما اللغة فمتعاونة جداً.. وربما لهذا تصلح له تلك النكتة التي تقول: قالوا لخبير: “المؤسسة فاشلة”، قال: “غيّروا اسمها”، سألوه: “وماذا نفعل بمشكلاتها؟”، قال: “هذه مشكلات المؤسسة القديمة”! ولعلَّ هذه النكتة، لو لم تكن موجودةً، لكان على أحمد المسلماني أن يخترعها..
والمسلماني هو رجل التناقضات؛ ويبدو أحياناً متحفاً صغيراً للتناقضات المتصالحة.. كان قريباً من أحمد زويل، رجل نوبل وواحد من أشهر وجوه العلم العربي، وعمل معه وشارك في مشروع “عصر العلم”، ثم يستطيع بالاطمئنان نفسه أن يحدثنا عن الكائنات الفضائية، وأن يترك مفتوحاً احتمال أن يكون الفراعنة قد سافروا إلى الفضاء لجلب الحديد والمعادن.. وهو ابن بيت عرف الإخوان عن قرب؛ فوالده انضم إليهم فترةً، وصدرت عنه في مراحل سابقة مواقف ترى الجماعة جزءاً يصعب تصور الحياة السياسية المصرية من دونه، ثم شاءت السيرة أن يصبح الرجل نفسه في الاتحادية يتفاوض مع الإخوان باسم مؤسسة الرئاسة.. وهو الإعلامي الذي قُدِّم في بعض السير بوصفه أحد أسباب ثورة يناير، ثم يروي هو نفسه أنه جلس في أيام الثورة يشارك في إعداد مشروع خطاب للرئيس الذي كانت الثورة تطالبه بالرحيل.. وربما هنا يوجد مفتاح مهم للرجل: المسلماني لا يحل التناقضات؛ يمنح كل تناقض منها غرفةً مستقلةً، ثم يحتفظ بمفتاح الغرفتين.. وفي سيرته، النقيضان لا يتصارعان؛ يتبادلان أرقام التليفونات..
وسيكون ظلماً للمسلماني أن نتعامل معه باعتباره ظاهرةً هبطت علينا من خارج المجتمع؛ فالرجل، في جانب مهم منه، يشبهنا أكثر مما نحب أن نعترف.. نحن مجتمع يحب الفشخرة: الاسم الكبير، واللقب الكبير، والصورة التي تجعل صاحبها أكبر قليلاً من واقعه.. كما أن المسلماني يتشابه مع نظام الحكم في الجمهورية الجديدة: الولع بالعنوان الكبير، والصورة المبهرة، والإعلان الذي يسبق اكتمال المنتج.. وليس معنى ذلك أن كل عنوان للمسلماني بلا مضمون، وإنما أن العنوان نفسه أصبح جزءاً من صناعة المضمون، واللقطة جزءاً من إثبات الإنجاز، والهيبة جزءاً من شرعيته .. وهنا يبدو المسلماني ابناً شرعياً جداً لبيئته: المجتمع يحب الوجاهة، والإعلام يحب الأفورة، والدولة تحب الهيبة، والمسلماني هو النقطة التي يلتقي عندها الثلاثة في بدلة واحدة..
ويبقى السؤال الأهم: لماذا تم اختيار أحمد المسلماني لرئاسة الهيئة الوطنية للإعلام؟ فالرجل لم يأتِ إلى ماسبيرو بعد عمر قضاه في إدارة شبكات البث، ولا بعد سجل طويل في اقتصاديات التليفزيون، أو هندسة التشغيل، أو إدارة مؤسسة مترامية الأطراف بهذا التعقيد.. ماسبيرو كان يحتاج إلى إصلاح طويل، وإلى رجل خبير بطرقاته ومشكلاته؛ وإلى من يجيد إيجاد الحلول،وليس صنع اللافتات، غير أن “اللقطة” التي يعشقها النظام وتحدد كثيرا من اختياراته كانت تحتاج إلى أحمد المسلماني.. ولا يصعب، في ضوء مسيرته، أن نفهم لماذا كانت شبكة علاقاته جزءاً من رأسماله عند لحظة الاختيار، فيما تتردد في الوسط الإعلامي روايات عن أن عينه كانت على رئاسة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قبل أن ينتهي به الأمر إلى الهيئة الوطنية.. غير أن المسلماني يملك من الصبر والعلاقات ما يكفي لانتظار الكرسي المناسب..
لا أرى حتى الآن ما يدفعني إلى توقع إنجاز استثنائي للمسلماني في ماسبيرو، وإن كنت أتمنى أن يثبت الواقع خطأ هذا التوقع.. فعلى أبواب ماسبيرو، تنتهي صلاحية كثير من الأدوات التي خدمت المسلماني طويلا وقربت له المنصب: فالعلاقات تستطيع فتح باب، لكنها لا ترفع المشاهدة؛ واللغة تستطيع شرح الأزمة، لكنها لا تصلح جهاز بث.. والأرقام كائنات فظة؛ لا تعرف فوكوياما، ولا تجامل صاحب المنصب.. والريموت كنترول أكثر أدوات الديمقراطية قسوةً في الإعلام: لا يناقش، ولا يجامل، ولا ينتظر شرح الرؤية.. ويمكن إعلان عودة ماسبيرو متى شئنا، لكن ماسبيرو لا يعود بقرار من رئيس الهيئة؛ يعود عندما يقرر المشاهد أنه عاد..
يقولون: إن لكل مجتمع إعلامييه الذين يشبهونه ويستحقونه… ونحن، على ما يبدو، نستحق أحمد المسلماني: من أعمالكم سُلِّط عليكم؛ وكما تكونوا يُولَّى عليكم! عرض أقل