تقارير وتحقيقات

الرشوة القطرية، ومناورات الدعم السريع بين إسرائيل وأثيوبيا، والهواجس المصرية .. في كواليس الصراع على القرن الأفريقي

كتب:هاني الكنيسي
الإعلام العبري “مبتهج” جدا بموقف رئيس “صوماليلاند” (أو إقليم ‘أرض الصومال’ الانفصالي) عبد الرحمن عبد الله محمد (الشهير بلقب “إيروه” Irro) الذي -بحسب تقرير موقع ‘نتسيف نت’ NatzivNet- رفض عرضًا ماليًا “سخيًا” قدّمه وفد قطري رفيع المستوى خلال زيارة سرية قبل أيام إلى العاصمة ‘هرجيسا’.
ويزعم التقرير أن الوفد القطري عرض “تمويلًا كبيرًا للأمن والبنية التحتية” مقابل “تجميد” العلاقات الدبلوماسية والعسكرية التي طوّرتها “صوماليلاند” مع إسرائيل خلال العامين الماضيين، لكن الرئيس “إيروه” رفض العرض “رفضًا قاطعًا”، مؤكدًا – بحسب الموقع الإسرائيلي – أن “سيادة أرض الصومال وتحالفاتها الاستراتيجية ليست للبيع مقابل أي مساعدات مالية”.
والمفارقة، أن يصدر مثل هذا التصريح -إن صحّت الرواية- عن الرجل نفسه الذي قال في مقابلة صحفية مع مجلة ‘ذا إيكونوميست’ البريطانية خلال زيارة إلى نيروبي هذا الشهر، إنه عرض “استضافة قواعد عسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة في منطقة ‘بربرة’ على البحر الأحمر”، وشبّه “صوماليلاند” بنموذج جيبوتي التي بنت اقتصادها حول موقعها الاستراتيجي عبر استضافة قواعد عسكرية أجنبية (أمريكية وصينية وفرنسية).
فأين الاعتزاز بالسيادة ورفض بيع الأرض مقابل المال؟!!!
معلوم أن إسرائيل هي العضو الوحيد في الأمم المتحدة التي اعترفت رسميًا بصوماليلاند كدولة مستقلة في ديسمبر 2025. وقبل شهرين فقط، زارها الرئيس “إيروه” وافتتح سفارة لبلاده (غير المعترف بها خارج حدود جمهورية الصومال) في القدس.
ومعروف أيضا أن التحالف بين “الكيانين” لا يقتصر على الدبلوماسية، بل يمتد -وفق المصادر الإسرائيلية- إلى تعاون أمني يشمل “تدريب القوات الخاصة، والتخطيط لوجود عسكري/استخباراتي مستقبلي” في صوماليلاند، بذريعة “مواجهة التهديدات البحرية، خصوصًا من الحوثيين في اليمن”.
وقد نقلت ‘الإيكونوميست’ عن مصادرها أن اعتراف إسرائيل بالإقليم الصومالي الانفصالي تضمّن “بندًا خفيًا يتمثل في الوصول إلى بنية تحتية عسكرية في ميناء ومطار بربرة”.
وبرغم أن رواية “رفض الرشوة القطرية” صادرة عن منصة إسرائيلية ذات أجندة سياسية واضحة، فإنها لا تعدو أن تكون حلقة جديدة في مسلسل تحركات متسارعة تكشف عن صراع “غير خفي” في القرن الأفريقي، حيث تتنافس قوى إقليمية ودولية على النفوذ في منطقة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر، كما لا يمكن النظر إليها بمعزل عن تحركات أخرى “مريبة” بين أضلع مثلث؛ رأسه في إسرائيل، وقاعدته في أثيوبيا، وزواياه الحادة ما بين صوماليلاند الانفصالية والسودان المهترئ ودولة الإمارات التي لا سقف لطموحاتها الجيوسياسية.
فبالأمس فقط، كشف تقرير موقع Africa Intelligence الفرنسي (ونقلت عنه هيئة البث العبرية Kan) عن “زيارتين سريتين” قام بهما وفد من قوات الدعم السريع إلى إسرائيل (الأولى في مايو 2025 والثانية في فبراير 2026)، برئاسة نائب قائد القوات ‘عبد الرحيم حمدان دقلو’ (شقيق قائدها محمد حمدان دقلو “حميدتي”)، الموضوع “رسميًا” على قوائم “المطلوبين” لدى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بسبب اتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور والفاشر.
وبحسب التقرير، فإن “الرجل الثاني” في هرمية قيادة الميليشيا السودانية (المدعومة من الإمارات) والذي يدير شبكتها المالية حيث يشغل منصب رئيس مجلس إدارة “شركة الجنيد للأنشطة المتعددة” التي تسيطر على عمليات التنقيب عن الذهب وتصديره من مناجم دارفور، التقى -في تل آبيب- مسؤولين كبار في الخارجية الإسرائيلية وضباطًا في أجهزة الاستخبارات. (جريدة ‘جيروزيلم بوست’ الإسرائيلية تناولت في تحقيق مطوّل تاريخ “الاتصالات الأمنية والاستخباراتية” بين الدعم السريع وإسرائيل قبل اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل 2023، والتي شملت تعاونًا في مجال المراقبة ونقل تقنيات ومعدات متطورة إلى الميليشيا في السودان).
واللافت، أن يتزامن “تسريب” هذا الخبر مع زيارة قام بها القائد “حميدتي” نفسه لأديس أبابا، السبت الماضي، بحسب تقارير صحفية سودانية وأثيوبية أكدت أنه “التقى رئيس الوزراء ‘آبي أحمد’، وبحثا ملفات تعاون في مجالات عدة”.
والتوقيت الإثيوبي هنا ليس تفصيلًا ثانويًا. فحكومة ‘آبي أحمد’ تواجه أخطر اختبار داخلي منذ سنوات. إذ تصاعدت المواجهات بين جيشها النظامي من جهة وقوى معارضة مسلحة وحركات انفصالية من أمهرة وتيغراي وأوروميا؛ تحالفت معًا بعدما كانت خصومًا تتقاتل فبما بينها حتى وقت قريب، ونجحت مؤخرا في بسط سيطرتها على مساحات أكبر من الأرض الأثيوبية- حسب تقارير مواقع إخبارية مثل Africa Report و DNE Africa تحدثت عن “انهيار” في صفوف الجيش الأثيوبي منذ إعلان كبري الحركات المسلحة – “فانو” FANO (المدعومة مؤخرا من إريتريا)، و”جبهة تحرير شعب تيغراي” TPLF، و”جيش تحرير أورومو”OLA/OLF – تنسيق عملياتها العسكرية، تحت قيادة ‘زميني كاسيه’ الذي تعهّد بإنهاء حكم ‘آبي أحمد’ الممتد منذ 2018.
ومن هذه الزاوية، تتضاعف دلالات زيارة “حميدتي” لأثيوبيا التي تكافح للحفاظ على تماسك سلطتها المركزية أمام المعارضة المسلحة (التي يُقال إنها مدعومة من الخرطوم)، وتواصل تزويد ميليشياته بالسلاح والعتاد والتدريب عبر جيبوتي (بتمويل إماراتي ودعم عسكري/ لوجيستي من إسرائيل)، بينما تصعّد من خطابها “العدائي” تجاه مصر.
فقبل يومين، دعا وزير المياه الإثيوبي السابق ‘شيفيراو جارسو’ القاهرة إلى دفع “تعويضات” لإثيوبيا مقابل استخدامها مياه النيل، مؤكدًا أن بلاده ستواصل بناء سدود جديدة على مجرى النهر. وهو ما تزامن مع تصريحات لا تقل صلافة وتشددًا على لسان وزراء ومسؤولين إثيوبيين بشأن ما تعتبره أديس أبابا حقها “المشروع” في موارد النهر وفي إعادة توزيع حصصه والتحكم في تدفقاته.
وفي الصورة الأوسع، يصعب الفصل بين مغزى التحركات “المريبة” لقيادات الدعم السريع بين تل آبيب وأديس ابابا، ومناكفات الحكومة الإثيوبية المتكررة مع مصر بشأن مياه النيل، وتصريحات رئيس “صوماليلاند” المرحبة بالقواعد الإسرائيلية والأمريكية في بربرة وتوقيعه اتفاقًا يمنح أثيوبيا “منفذًا” على البحر الأحمر، في مقابل رفضه (المزعوم) ليد “المساعدات” القطرية؛ التي هي بالتأكيد ترجمة لرغبات دول وقوى أخرى في منطقة تتشابك بها المصالح وتتقاطع فيها العداوات كما لا يحدث في أي من بقاع العالم الأخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى