رؤي ومقالات

محمود سيد محمد يكتب:كيف تعيد السعودية تعريف دورها من تابع إلى صانع قرار

في المسرح السياسي الحالي وما نشاهده على وسائل الإعلام، يتضح لنا أن الرياض لم تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه مجرد وسيلة لتصدير النفط، بل تحول إلى مسرح رئيسي لإعادة تعريف دورها الإقليمي في لحظة يتسع فيها الفراغ الأمني وتتآكل ثقة المملكة بالمظلة الأمريكية كضامن وحيد لأمنها. هذه النقلة النوعية لا تعكس مجرد رد فعل على تهديدات الحوثيين أو تعقيدات باب المندب، بل هي مشروع سياسي طموح يهدف إلى انتزاع زمام المبادرة من الأطراف الخارجية، وفرض معادلة جديدة تقوم على تنويع الشراكات وبناء البدائل قبل أن تفرضها الأزمات.
الرياض علمت مؤخراً أنها بثقلها وقرارها المؤثر لابد أن تكون طرفاً مؤثراً في صنع القرار، وليس كمتفرج أو من يشاهد من بعيد.
المفاوضات السرية التي تجريها السعودية مع الحوثيين في مسقط بوساطة عمانية وصينية ليست هروباً إلى الأمام أو اعترافاً بعجز عسكري، بل هي حساب سياسي دقيق للتكلفة الشاملة للحرب التي استنزفت المملكة على صعيد صورتها الدولية وميزانيتها، وهي في جوهرها محاولة لعزل إيران عن ورقة الضغط الجنوبية، وانتزاع ذريعة التهديد من يد طهران. تذهب الرياض إلى أبعد من ذلك عبر فرض اختبار سياسي حقيقي على الحوثي، إذ تطلب منه الانسحاب من المدن الكبرى والتفاوض المباشر مع الحكومة الشرعية، وهذا الشرط الصعب يحمل رسالة مزدوجة: إما أن يكون الحوثي طرفاً يمنياً مستقلاً بإرادة سياسية، أو يثبت أنه مجرد ذراع إيرانية، وعندها تكون الرياض قد بنت سردية سياسية محكمة تدعم أي تحرك مستقبلي إذا أغلق الحوثيون أبواب الحل السلمي. لكن الأهم من ذلك أن استمرار هذه القنوات التفاوضية بالتزامن مع تعزيز الخيارات البديلة هو الذي يمنح المملكة مرونة استثنائية، فهي لا تنتظر نتائج التفاوض لتتحرك، بل تتحرك لتجعل التفاوض ممكناً من موقع قوة.
في الموازاة، يحمل تحويل مسار صادرات النفط من ينبع إلى ميناء سيدي كرير المصري وخط سوميد أبعاداً سياسية تفوق قيمته اللوجستية بكثير، فهذه الخطوة وإن كانت تزيد التكلفة ووقت العبور، إلا أنها ترسل إشارات واضحة إلى القاهرة مفادها أن تعزيز الشراكة الاقتصادية أصبح شرطاً لربط الأمن المصري عضوياً بالأمن السعودي، وبذلك تتحول مصر من دولة عبور إلى شريك فاعل في تحصين الطاقة السعودية، وهو ما يخلق نسيجاً من المصالح المشتركة يصعب فكه. وفي المقابل، تغذي الرياض بهذه الخطوة رسالة إلى الأسواق العالمية والصين خصوصاً، مؤداها أن المملكة تمتلك طبقة أمان بديلة تقلل من هشاشتها تجاه أي ابتزاز قادم من باب المندب أو هرمز، وهذا التنويع يمنحها ثقلاً سياسياً هائلاً في أي مفاوضات تسعير النفط مستقبلاً، ويجعلها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية دون أن ينعكس ذلك على التزاماتها الدولية.
أما التحركات العسكرية المحدودة في جزيرتي تيران وصنافير، والتي تتضمن نشر رادارات بحرية وقوات حرس حدود، فتحمل أبعاداً سياسية وقانونية عميقة تتجاوز الإطار العملياتي. فإعادة تعزيز الوجود السعودي في هذا الموقع الحساس ليست مجرد خطوة دفاعية، بل هي تأكيد عملي للسيادة الموسعة للمملكة على البحر الأحمر، وإخبار لكل من إسرائيل وأمريكا بأن أي ترتيب أمني مستقبلي لهذا المضيق الحيوي يجب أن يمر بالرياض ولا يفرض فوق رؤوسها، كما أن هذا التحرك يمنح المملكة صوتاً مؤثراً في أي تفاوض مستقبلي حول نظام الملاحة في المنطقة، ويخلط الأوراق القانونية بما يجعلها جهة فاعلة في المعادلة الإقليمية لا مجرد متلقٍ للقرارات الدولية. وهذا التحرك لا يحدث في فراغ، بل يأتي مدعوماً بجهد دبلوماسي واسع للتنسيق مع القاهرة ومعرفة حدود المناورة في هذا الممر المائي الحساس، مما يضمن تحويل البحر الأحمر من ممر ملاحي عابر إلى عمق استراتيجي مستقل تساهم السعودية في صياغة قواعد لعبه.
ووراء كل هذه التحركات، تقف استراتيجية أعمق تقوم على سياسة التوازن الإيجابي في العلاقات الدولية، والتي تهدف إلى إعادة توزيع الاعتماد على القوى الكبرى بدلاً من الاحتكار إلى ولي أمر واحد. الرياض لا تريد قطع علاقاتها بواشنطن، لكنها ترسل إشارات واضحة بأنها لن تنتظر القرار الأمريكي لحماية مصالحها، وهذا ما يفسر انفتاحها المتزايد على الصين ليس فقط في وساطتها التفاوضية بل أيضاً في تعزيز التعاون النفطي، وتوسيع علاقاتها مع تركيا وباكستان، والحفاظ على قنوات اتصال مع موسكو، كل ذلك بهدف رفع تكلفة التخلي الأمريكي عن الرياض وإجبار الإدارة الأمريكية على تقديم تنازلات أمنية أكبر للحفاظ على نفوذها المتراجع في المنطقة. إن المملكة تدرك أن الشرق الأوسط يتحول من نظام يعتمد على حماية الممرات الاستراتيجية بواسطة قوة واحدة إلى بيئة متعددة الأقطاب، والاعتماد على النفس مع الشركاء الإقليميين. ومن ثم فإن امتلاك البدائل لم يعد ترفاً استراتيجياً، أو حلماً، بل ضرورة وجودية، وهنا تظهر عبقرية السياسة السعودية الجديدة التي لا تنتظر أن تخبرها الأطراف الأخرى كيف سيكون شكل الأمن الإقليمي، بل بدأت في بناء صيغة الأمن التي تريدها بنفسها ولم تنتظر أحداً.
وبناءً على كل ما تقدم يتضح في هذا المشهد أن المملكة تنتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إدارة المصالح، فالتفاوض مع الحوثي والبدائل اللوجستية والتحركات العسكرية المحدودة ليست غايات في حد ذاتها، بل وسائل لبناء معادلة سياسية جديدة مفادها أن أمن البحر الأحمر هو مسؤولية جماعية، لكن قرار الحماية فيه سعودي بالأساس، والشركاء هم شركاء في التنفيذ لا في الترخيص. الرياض تراهن اليوم على قدرتها في خلق مساحة استراتيجية مناورة بين ضغوط الشرق ممثلة في هرمز وضغوط الجنوب ممثلة في باب المندب، وإذا نجحت في تخفيض تهديد الحوثيين وتأمين صادراتها وتوسيع شبكة شركائها، فإنها تكون قد كسبت معركة حرية الحركة من دون حرب استنزاف جديدة، وإذا تعثرت هذه القنوات واستمر تمدد التهديد شمالاً، فإن المملكة تكون قد بنت أدواتها ونسجت تحالفاتها بما يجعل أي مواجهة مقبلة تخاض بشروطها هي لا بشروط خصومها، وهذا هو جوهر التحول الأكبر الذي نشهده اليوم في السياسة السعودية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى