قراءةٌ نقديّةٌ في قصيدةِ «مراثي الألوان» للشاعرِ: “جورج عازار” صاحبِ الرؤيةِ الشعريةِ المرهفةِ.. بقلمِ الناقدة: ليلى صليبي

القراءةُ النقديةُ؛
في «مراثي الألوان» لا يكتبُ الشاعرُ” جورج عازار” قصيدةً عن الحرب بقدرِ ما يرسمُ مرثيةً كبرى للإنسانِ، وللوطنِ حينَ يتحوّلُ من فضاءٍ للحكاياتِ إلى مسرحٍ للفقدِ. منذُ العنوانِ، يضعُنا الشاعرُ أمامَ مفارقةٍ جماليةٍ مؤلمةٍ: فالألوانُ، التي يفترضُ أن تكونَ لغةَ الفرحِ والحياةِ، تصبحُ شاهدةً على موتِ الأشياءِ، وتتحوّلُ اللّوحةُ إلى سجلٍّ للخرابِ.
يفتتحُ الشاعرُ نصَّه بالفعلِ: «أرسم»، وكأنَّ الرسمَ محاولةٌ لمقاومةِ العدمِ. يرسمُ وردةً، ثمَّ يرسمُ مدفعًا؛ وبين الوردةِ والمدفعِ تتأسّسُ الثنائيّةُ المركزيةُ في القصيدةِ: الحياةُ في مواجهةِ الموتِ، والجمالُ في مواجهةِ العنفِ. غير أنَّ الوردةَ لا تظلُّ وردةً، والمدفعُ لا يبقى مجرّدَ أداةٍ؛ فكلاهما يتحولان إلى علامتيْنِ متصارعتيْنِ داخلَ لوحةِ الوطنِ.
وتتوالى الصورُ في حركةٍ سينمائيةٍ لافتةٍ:
الفراشاتُ ترقصُ، والليلُ يجوعُ إلى الضوءِ، والنجومُ تصيرُ يراعاتٍ، والحقولُ التي كانتْ «وطنًا للحكاياتِ» تصبحُ فضاءً للبكاءِ. إنَّ الشاعرَ لا يصفُ الخرابَ وصفًا مباشرًا، بل يجعلُ الطبيعةَ نفسَها تشاركُ في المأساةِ؛ فالليلُ يجوعُ، واليراعاتُ تبكي، والأشجارُ تختارُ العقمَ، والزيتونُ يرحلُ. وهنا تبلغُ الصورةُ الشعريةُ درجةً من التشخيصِ تجعلُ الكونَ كلَّه كائنًا منكوبًا.
ومن أجملِ الانزياحاتِ في النصِّ قولُه:
«أُسرِّحُ شعرَ الكلماتِ
في قصائدي
كي تكونَ جاهزةً
لطقوسِ الوداع»
فاللغةُ هنا ليستْ أداةً للغناءِ، بل كائنٌ يُهيَّأُ لمراسمِ الفقدِ. والشاعرُ، وهو يصفُ الموتَ، يجدُ نفسَه مضطرًا إلى تهيئةِ قصيدتِه للموتِ أيضًا. إنَّها لحظةٌ شديدةُ الوعي بدورِ الشعرِ: الكلمةُ لا تستطيعُ إيقافَ الحربِ، لكنّها تستطيعُ أن تحفظَ أسماءَ الذين مرّتِ الحربُ فوقَهم.
وتتنامى مأساويةُ النصِّ حين تنتقلُ الحربُ من الخارجِ إلى الدّاخلِ. فالعويلُ يصبحُ «أزيزًا» في أذنيْ الشاعرِ، ورائحةُ الطحالبِ تزحفُ إلى أنفِه، وكؤوسُ الصبرِ تُجترعُ، والضحكُ يتجاورُ مع النحيبِ. وهكذا تتحوّلُ الحربُ إلى تجربةٍ حسّيةٍ كاملةٍ؛ نراها ونسمعُها ونشمُّها ونكادُ نلمسُ آثارَها.
وفي المقطع الثاني تتسع دائرة الخراب:
«أرسمُ حضنًا
يغدو وكرًا
لصقيع العالم»
إنّها صورةٌ تختزلُ مأساةً إنسانيةً عميقةً؛ فالحضنُ، وهو رمزُ الأمانِ والدفءِ، يفقدُ وظيفتَه ويتحوّلُ إلى مأوى للصقيعِ. حتى العيونُ تصبحُ كفيفةً، وسرائرُ السباتِ تبقى في العراءِ، وكأنَّ العالمَ فقدٍ قدرتَه على الاحتماءِ وعلى النومِ وعلى الحلمِ.
ويأتي السؤالُ الموجعُ في:
«دقّي النفيرَ في المدى
علّها من هجعتها
البطانةُ تستفيق»
هنا لا يعودُ الخطابُ موجّهًا إلى فردٍ، بل إلى ضميرٍ جماعيٍّ غارقٍ في السباتِ. إنَّ الشاعرَ يضعُنا أمامَ مأساةٍ أخرى موازيةٍ للحربِ: مأساةِ الصمتِ والعجزِ والتعوّدِ على الألمِ.
وتبلغُ القصيدةُ ذروةً رمزيةً شديدةَ القسوةِ في قولِه:
«والأشجارُ تختارُ العُقمَ
كي لا تسحقَ جيوشُ الزبانيةِ
رؤوسَ الصغار»
فالخصوبةُ، التي هي رمزُ الاستمرارِ والحياةُ، تصبحُ خطرًا في زمنِ الحربِ. لذلك تختارُ الأشجارُ العقمَ احتجاجًا على عالمٍ لم يعدْ جديرًا بأن يولدَ فيه الأطفالُ. إنَّها صورةٌ تجمعُ بين القسوةِ والجمالِ، وتحوّلُ الطبيعةَ الى
شاهدٍ أخلاقيٍّ على الجريمةِ.
أمّا الزيتونُ، فيأتي بوصفِه أكثر َمن شجرةٍ؛ إنّه ذاكرةُ الأرضِ وجذرُ المكانِ ورمزُ السلامِ. وحين يقولُ:
«يرحلُ الزيتونُ على عجل»
فإنَّ الرحيلَ لا يخصُّ الشجرةَ وحدَها، بل يطالُ الوطنَ نفسَه؛ وطنٌ يُقتلعُ من جذورِه ، وتُفرَّغُ أرضُه من ذاكرتِها.
وفي خاتمةِ القصيدةِ يعودُ الشاعرُ إلى فعلِ الرسمِ الأوّلِ، لكن بعدَ أنْ تغيّرَ كلُّ شيءٍ:
«رسمتُ وردةً
رسمتُ مدفعًا»
ثمَّ تأتي المفارقةُ الختاميةُ القاسيةُ:
«داسَت أقدامُ الجنودِ الهوجاءُ
تلكَ الوردةَ
حينما ذهبوا كي يملؤوا
جوفَ المدفع.»
إنّها خاتمةٌ ناجحةٌ لأنّها تعيدُنا إلى البدايةِ، ولكنْ في صورةٍ أكثرَ مأساويةً. الوردةُ والمدفعُ اللذان جمعَهما الرسمُ في البدايةِ لا يعودان متجاوريْنِ؛ المدفعُ يلتهمُ الوردَةَ، والحربُ لا تكتفي بقتلِ الإنسانِ، بل تسحقُ الجمالَ ذاتَه.
واللافتُ أنَّ الشاعرَ اختارَ «جوف المدفع» في النهايةِ، وكأنَّ المدفعَ كائنٌ جائعٌ يحتاجُ إلى الوردةِ كي يمتلئَ. وهنا تتحوّلُ الحربُ إلى وحشٍ يقتاتُ على الجمالِ والبراءةِ والحياةِ.
على المستوى اللغوي:
يعتمدُ الشاعرُ على أفعالِ الحركةِ: «تزحف، تقترب، يغادر، يرحل، يخطف، تمسّح، تستكين»، ممّا يمنحُ النصَّ ديناميةً متوترةً، ويجعلُ الخرابَ في حالةِ حركةٍ مستمرةٍ. كما أنَّ تكرارَ فعل «أرسم» ثمَّ الانتقالُ إلى «رسمت» يصنع قوسًا بنائيًّا يربطُ بدايةَ القصيدةِ بنهايتِها.
أمّا اللونُ القرمزي، الواردُ في النصِّ، فيحملُ دلالةً مزدوجةً؛ فهو لونُ الحياةِ المتوهّجةِ من جهةٍ ولونُ الدمِ من جهةٍ أخرى. وبذلك تصبحُ الألوانُ في القصيدةِ لغةً ثانيةً للدمارِ: كلّما خفتَ اللونُ ،اتسعتْ مساحةُ الموتِ، حتى تصلَ القصيدةُ إلى العبارةِ المفصليةِ: «باهتةً أمست كل الألوان».
وهنا يتكاملُ عنوانُ القصيدةِ مع متنِها؛«فمراثي الألوان» ليستْ مراثي الألوانِ بوصفِها عناصرَ تشكيليةً فحسب، بل مراثي للدهشةِ، والفرحِ، والطفولةِ، والحبِّ، والوطنِ، ولقدرةِ الإنسانِ على أن يرى العالمَ جميلًا.
إن الشاعرَ القديرَ”جورج عازار” يكتبُ قصيدتَه من المنطقةِ الفاصلةِ بين الشعرِ والتشكيلِ؛ فاللوحةُ حاضرةٌ في بنيّةِ النصِّ، والصورةُ الشعريةُ تتحرّكُ كما لو أنّها ضرباتُ فرشاةٍ، بينما تتولّى الكلماتُ مهمّةَ تلوينِ الخرابِ. ومن هنا تبدو الإشارةُ إلى لوحةِ الفنانِ التشكيلي” يعقوب إسحق” منسجمةً تمامًا مع روحِ القصيدةِ، لأنَّ النصَّ نفسَه يتصرّفُ كلوحةٍ شعريّةٍ تتنازعُها وردةٌ ومدفعٌ، نورٌ وظلامٌ، فراشاتٌ وجنودٌ، خصوبةٌ وعقمٌ، حبٌّ ومقتٌ.
«مراثي الألوان» في جوهرِها قصيدةُ احتجاجٍ إنسانيٍّ؛ لا تصرخُ بالشعارِ، بل تتركُ الصورةَ تؤدّي وظيفةَ الصرخةِ. وهي حينَ ترثي الألوانَ، إنّما ترثي عالمًا كانَ يستطيعُ أن يكونَ أجملَ لكن أقدامُ الحربِ مرّتْ فوقَ وردتِه، ثمَّ مضتْ لتبحثَ عن مزيدٍ من الوقودِ في جوفِ المدفعِ.
إنّها قصيدةٌ تقولُ، في عمقِها: حين تنتصرُ الحربُ، لا يموتُ الإنسانُ وحدَه؛ تموتُ معه الألوانُ التي كانتْ تجعلُ الحياةَ جديرةً بأنْ تُعاشَ.
كلُّ الشكرِ والتقديرِ للشاعرِ” جورج عازار
على قصيدتِه «مراثي الألوان»، هذا النصُّ المترفُ بالجمالِ والعمقِ، الذي جعلَ من الألوانِ لغةً للحزنٍ والذاكرةِ، ومن الشعرَ فضاءً نابضًا بالتأملِ. دمتَ مبدعًا ومتألقًا، ودامَ يراعُكَ وهجًا وإبداعًا.
وإليكم نص القصيدة بقلم الشاعر جورج عازار
مَرَاثي الأَلوانِ
أَرسُمُ وردةً
أَرسُم مِدفَعَاً
تَرقُصُ فَراشاتي
في نُورِ الصُّبحِ وتلهو
وحين الَّليلُ يَجوعُ
ضوءَ الشَّمسِ يَلتهِمُ
ويَتيمةً تُصبحُ
كُّلُّ النَّهَاراتِ
ونُجوماً تَصيرُ اليَراعاتُ
تَبكي وَميضاً على حُقولٍ
بالأمسِ كانَت وَطناً للحِكاياتِ
أُهدهِدُ السَّرابَ عَلَّهُ يَغفو
أُسرِّحُ شَعرَ الكَلِماتِ
في قَصائدي
كي تكونَ جاهزةً
لِطقوسِ الوَداعِ
وتَرانيمُ الذِّكرى مِثلُ طَنينٍ
في الأرجاءِ تَحومُ
أرسم طيراً
من غيرِ إبطاءٍ
يغادر
سُطورَ كُرَّاساتي
ووَئيداً يَزحفُ
الُّلونُ القُرمُزيُّ
على مسافاتِ النُّقوشِ
عويلُ النَّائحاتِ في أُذنَيَّ أزيزٌ
ورائحةُ الطَّحالبِ
تَزحفُ إلى أَنفي
أَجترِعُ كُؤوسَ الصَّبرِ
وأَعومُ مِثلَ زبَدِ البَحرِ
تَارةً أضحكُ
وتَارةً أنتحِبُ
أَرسُمُ حُضناً
يَغدو وَكرَاً
لِصقيعِ العَالمِ
بَوّاباتُ العُيونِ كَفيفةٌ
وسَاعاتُ السَّهرِ طَويلةٌ
وسرائرُ السَّباتِ
مازالت في العَراءِ تَغفو
دُقِّي النَّفيرَ في المَدى عَلَّها
من هَجعَتِها البِطانةُ تَستَفيقُ
دُّخانُ النَّوائِبِ يَسمُلُ
عُيونَ المَرايا
وقَسطلُ الوَغى يَدنو ويقتربُ
يموتُ الكَلامُ
حين يَحلُّ الظَلامُ
وفحيحاً تَصيرُ الهَمَساتُ
أعماراً يَخطفُها الجَّانُ
والأشجارُ تَختارُ العُقمَ
كي لا تَسحَقُ جيوشُ الزَّبانيةِ
رُؤوسَ الصِّغارِ
يَرحلُ الزَّيتونُ على عَجلٍ
وكؤوسُ الهَوى خَاويةٌ
والمَقتُ في النُّفوسِ دَفينٌ
باهتةً أمسَت كُلُّ الألوانِ
والشَّغفُ يُغادرُ حُنوَّ الرِّيشةِ
ومِثلَ قُطةٍ جائعةٍ تموءُ الفِرشاةِ
تَتمسَّحُ بِثيابي
أُسقيها بَحرأ
أُطعِمُها بَقايا الرُّوحِ
وعلى مَضضٍ تَستَكينُ
جِراحاتُ السَّغَبِ
رَسَمتُ وردةً
رَسمتُ مِدفعاً
داسَت أقدامُ الجُّندِ الهَوجاءُ
تلكَ الوَردةَ
حينما ذَهبوا كي يَملَؤُوا
جَوفَ المِدفَعِ.
بقلم: جورج عازار