حسام السيسي يكتب :مستقبل النظام العربي: الدين الذي لم يصنع النظام
حين تحولت أقوى رابطة جامعة إلى مساحة للصراع على الشرعية والنفوذ

في الطرحين السابقين، حاولنا تفكيك ما نسميه ‘النظام العربي’من الداخل، ثم تتبعنا ما حدث عندما طال غياب المركز القادر على إنتاج التوازن، وكيف بدأ هذا الفراغ يتحول تدريجيًا إلى مساحة تتنافس داخلها قوى إقليمية ودولية على إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
..
لكن ثمة متغيرًا أساسيًا لم يدخل بعد إلى غرفة التحليل.
متغيرا كان يفترض، تاريخيا ونظريا، أن يكون أقوى من الحدود، وأكثر رسوخًا من التحالفات، وأعمق من المصالح المتغيرة…
الدين.
فأغلب المجال العربي يشترك في الإسلام، وفي ذاكرة حضارية تشكلت حوله، وفي منظومة واسعة من الرموز والقيم والمفاهيم. ومع ذلك لم يتحول هذا المشترك إلى نظام عربي سياسي أو أمني أو استراتيجي قادر على إنتاج قرار جماعي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي…
هل تراجع الدين من المجال العربي، أم أن حضوره بقي قويًا لكن وظيفته السياسية تغيرت؟
وربما يكون السؤال الأدق… كيف تحولت رابطة كان يفترض أن تتجاوز الحدود إلى إحدى أكثر المساحات قابلية للصراع على الشرعية والنفوذ؟
الدين لم يختفِ.. الذي تغير هو وظيفته
الخطأ الأول؛؛ في قراءة علاقة الدين بالسياسة العربية هو مساواة تراجع قدرته على إنتاج الوحدة السياسية بتراجع حضوره الاجتماعي.
الدين لم يختفِ.
بل ظل حاضرا في الهوية والثقافة واللغة والقيم وفي تصورات قطاعات واسعة من المجتمعات العربية للشرعية والمجتمع والدولة.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الدين باعتباره هوية مشتركة، والدين باعتباره قدرة سياسية عابرة للحدود.
قد يشترك ملايين البشر في العقيدة، من دون أن تتطابق مصالح الدول التي ينتمون إليها.
وهنا تظهر إحدى أهم قواعد السياسة الحديثة،،التشابه في الهوية لا ينتج تلقائيا تطابقا في المصالح.
الدول تتنافس على الحدود والمياه والطاقة والموانئ والأسواق والأمن والقيادة والنفوذ. وعندما تتعارض هذه المصالح مع الرابطة المشتركة، تنتصر في الغالب آليات الدولة؛ لأنها تمتلك ما لا تمتلكه الهوية وحدها؛؛ الجيش، والميزانية، والمؤسسات، والحدود، وأدوات الإلزام والقرار.
ولهذا بقي الإسلام عابرًا للحدود، بينما أصبحت السياسة محكومة بالحدود.
وهذه ليست مفارقة دينية بقدر ما هي نتيجة مباشرة لتحول القوة في العالم الحديث من الجماعة العابرة للحدود إلى الدولة باعتبارها الوحدة الأساسية للنظام الدولي.
…
كانت هناك هوية.. لكن لم يكن هناك حامل للقوة
لم تكن المشكلة في غياب المشترك.كانت المشكلة في غياب ،،الحامل المؤسسي،، الذي يستطيع تحويل المشترك إلى قدرة.
كان هناك حديث عن الأمة، لكن لم تكن هناك منظومة تدير مصالحها.
وكان هناك تضامن ديني واسع، لكن لم تكن هناك بنية أمنية أو اقتصادية أو سياسية تقوم عليه.
بعبارة أكثر دقة..
كانت هناك هوية بلا بنية للقوة.وهذه النقطة تفسر لماذا لم يتحول الدين، رغم اتساعه وعمقه، إلى أساس لنظام عربي مستقل.
لكن المفارقة الأكثر أهمية جاءت عندما دخل الدين نفسه إلى السياسة الحديثة.
حين دخل الدين إلى السياسة.. لم يعد دائمًا قوة جامعة
كان من الطبيعي، مع أزمات الدولة الوطنية وضعف المشاريع القومية واليسارية وفشل قطاعات من النخب في إنتاج الشرعية والتنمية، أن يعود الدين بقوة إلى المجال العام.
لكن عودة الدين لم تنتج بالضرورة عودة الوحدة.
فبمجرد أن أصبح الدين جزءًا من الصراع السياسي، ظهرت أسئلة أخرى:
من يملك حق تفسيره؟
من يحدد علاقته بالدولة؟
ما مصدر الشرعية؟
ما حدود سلطة المؤسسة الدينية؟
هل السياسة تستمد شرعيتها من النص، أم من المجتمع، أم من المؤسسات المنتخبة؟
وهكذا تحول الدين، في بعض السياقات، من إطار للانتماءإلى موضوع للصراع على تعريف الشرعية نفسها.
وهنا ظهرت مفارقة شديدة الأهمية..
الدين الذي كان يتجاوز الدولة أصبح أحيانًا أداة للصراع داخل الدولة، وبين الدول، وحول الدولة.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اختزال صعود الإسلام السياسي في سؤال «عودة الدين».
فالأدق أنه كان أيضًا محاولة لإعادة تعريف الدولة والمجتمع والسلطة والشرعية، في لحظة كانت فيها الدولة الوطنية تعاني أزمة تمثيل.
لكن الحركات الإسلامية نفسها لم تكن مشروعًا واحدًا؛ اختلفت رؤاها للدولة والسلطة والمجتمع، ودخل بعضها في صراعات وطنية وإقليمية ودولية، فأصبح المشترك الديني قابلًا لأن يتحول إلى مشروعات سياسية متنافسة.
وهنا لم يعد السؤال: هل يجمعنا الدين؟
بل أصبح: من يتحدث باسم الدين؟ ولأي مشروع؟
الطائفية.. حين تعيد الجغرافيا السياسية تعبئة المذهب
الأمر نفسه ينطبق على الطائفية.
من الخطأ قراءة الصراع السني الشيعي باعتباره حربًا مذهبية أبدية تنتظر لحظة الانفجار.
فالهوية الطائفية ليست طبقة واحدة، وإنما تتداخل مع الهوية الوطنية والسياسية والاجتماعية. ويمكن أن تتراجع في سياق، ثم تصبح شديدة الحضور في سياق آخر.
ولهذا فإن المذهب لا يفسر الجغرافيا السياسية وحده.
في أحيان كثيرة، الجغرافيا السياسية هي التي تعيد تعبئة المذهب.
عندما تتنافس القوى على النفوذ، تصبح الهوية المذهبية أداة تعبئة، وتتحول الذاكرة الدينية إلى لغة سياسية، ويعاد تعريف الخصم باعتباره ممثلًا لهوية أخرى.
وهنا ينتقل الدين من كونه جسرًا إلى كونه حدًا فاصلًا.
وهذا من أخطر التحولات التي أصابت المجال العربي؛ لأن الرابطة التي كان يمكن أن تكون مصدرًا للتماسك أصبحت قابلة للاستخدام في إنتاج الانقسام.
إيران.. حين تحولت الهوية إلى شبكة قوة
ربما تقدم إيران أوضح مثال على الفارق بين امتلاك الهويةوتحويل الهوية إلى قدرة استراتيجية.
فالتأثير الإيراني لم يُبنَ بالقوة العسكرية المباشرة وحدها، وإنما عبر شبكات سياسية وأمنية وأيديولوجية، استفادت بدرجات مختلفة من الروابط المذهبية والهوية والمظالم المحلية والفراغات التي نشأت داخل دول المنطقة.
لكن من الضروري تجنب التفسير الاختزالي:
ليس كل نفوذ إيراني دينيًا، وليس كل طرف مرتبط بإيران يتحرك بدافع مذهبي خالص.
المغزى الأهم هو أن الهوية العابرة للحدود تصبح قوة جيوسياسية عندما ترتبط بالمؤسسة والتنظيم والتمويل والاستراتيجية.
وهنا تظهر المقارنة التي تهمنا في هذه السلسلة:
العرب يمتلكون مساحة واسعة من المشترك الديني والحضاري، بينما استطاعت قوى أخرى أن تحول بعض عناصر الهوية العابرة للحدود إلى شبكات نفوذ.
إذن الفارق ليس في وجود الهوية.
الفارق في القدرة على تنظيمها.
إسرائيل أيضًا تدرك أن المعركة على المعنى
لا يجري الصراع في الشرق الأوسط على الأرض وحدها.
إنه صراع على الأمن، والهوية، والشرعية، والرواية، وتعريف العدو والحليف، وما يعتبر تهديدًا وما يعتبر مقبولًا.
ومن هنا يمكن فهم جانب من السلوك الإسرائيلي بوصفه محاولة مستمرة لإعادة تعريف البيئة الأمنية والسياسية المحيطة به، لا مجرد إدارة نزاع حدودي.
وفي المقابل، بقي العالم العربي يعاني من مشكلة أكثر عمقًا:
لم ينتج تعريفًا مشتركًا لمصالحه الاستراتيجية، ولا حتى تصورًا مستقرًا للأمن الإقليمي.
وهكذا عاد الدين إلى المشهد، لكن ليس بوصفه إجابة عن سؤال الوحدة، وإنما بوصفه أحد ميادين الصراع على تعريف الشرعية والهوية والتهديد.
وماذا حدث للمؤسسات الدينية؟
هنا تظهر مفارقة أخرى.
الدين في المجال العربي واسع وعابر للحدود، لكن مؤسساته أصبحت في معظم الحالات مرتبطة بالدولة الوطنية.
وهذا مفهوم من منظور السيادة؛ فالدولة الحديثة تريد أن يكون المجال الديني جزءًا من بنيتها المؤسسية.
لكن النتيجة الاستراتيجية كانت أن الخطاب الديني، رغم وحدة المرجعية الحضارية العامة، أصبح موزعًا بين مؤسسات وطنية لها حساباتها وسياقاتها.
توحّد الدين، وتجزأت مؤسساته.
وهذه واحدة من أكثر مفارقات النظام العربي الحديث دلالة.
الدين مورد استراتيجي.. وليس بديلًا عن الاستراتيجية
هل يعني ذلك أن الحل هو إعادة الدين إلى السياسة؟
ليس بهذه البساطة.
فالدين وحده لا يبني جيشًا، ولا يدير موانئ، ولا يؤسس سوقًا مشتركة، ولا يحل نزاعات الحدود، ولا ينتج شبكة طاقة.
لكن الدين يمتلك موردًا لا تنتجه القوة المادية بسهولة:
المعنى.
والمعنى مهم في بناء الثقة والشرعية والانتماء، وفي إنتاج القوة الناعمة، وفي تشكيل تصورات الشعوب عن نفسها وعن الآخرين.
ولهذا يمكن النظر إلى الدين باعتباره موردًا استراتيجيًا، لا بديلًا عن الاستراتيجية.
وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في التحليل:
الدين كهوية، والدين كأداة تعبئة، والدين كقدرة استراتيجية.
الهوية موجودة.
والتعبئة حدثت بالفعل.
أما القدرة الاستراتيجية فتحتاج إلى مؤسسات وشبكات وقواعد ومصالح، وهي الحلقة التي ظلت ناقصة عربيًا.
من «الدين الجامع» إلى «القدرة الجامعة»
لذلك ربما يكون السؤال القديم:
هل يستطيع الدين توحيد العرب؟
سؤالًا غير دقيق.
السؤال الأهم هو:
هل يستطيع العرب تحويل المشترك الديني والحضاري إلى قدرة مشتركة، من دون تحويله إلى مشروع للهيمنة أو الإقصاء؟
هنا يمكن أن يبدأ تصور مختلف.
ليس المطلوب دولة دينية عربية.
ولا إلغاء الدولة الوطنية.
ولا إنشاء سلطة دينية فوق الدول.
ولا إعادة إنتاج تجارب الإسلام السياسي.
المطلوب هو بناء مجال عربي متعدد المستويات تستطيع الدول أن تتحرك داخله وفق مصالح مشتركة، من دون أن تتخلى عن سيادتها.
مجال معرفي في البحث والتعليم والتكنولوجيا.
مجال ثقافي في اللغة والتراث والإعلام.
مجال اقتصادي عندما تتقاطع المصالح.
مجال أمني عندما تتقاطع المخاطر.
ومجال ديني وحضاري يكون فيه الإسلام أحد مصادر القوة الناعمة، لا ساحة للصراع على السلطة.
أي أن المطلوب ليس إعادة الدين إلى السلطة، وإنما إعادة توظيف المشترك في بناء القدرة.
لكن هناك شرطًا لا يمكن تجاوزه..لا يمكن للدين أن يكون عنصرًا جامعًا إذا أصبح أداة لنفي المختلف.
المجال العربي ليس كتلة مذهبية واحدة، ولا كتلة دينية مغلقة. وفي داخله مسلمون من مذاهب متعددة، ومسيحيون، وتيارات ثقافية وفكرية مختلفة.
لذلك فإن أي مشروع عربي يستثمر الدين في بناء القوة يجب أن يقوم على المشترك لا على الإقصاء.
فالهوية التي تحتاج إلى عدو لكي تتماسك، تتحول سريعًا إلى أداة تفكيك.
وهنا نصل إلى نقطة أبعد من السؤال الديني نفسه.
إذا كان النظام العربي القديم لم يمتلك بنية مكتملة لإنتاج القرار المستقل، فإن الهدف ليس بالضرورة استعادته كما كان.
وربما لا يكون الاتحاد السياسي الشامل ممكنًا أو ضروريًا في المدى المنظور.
البديل الأكثر واقعية قد يكون بناء مجال عربي متعدد المستويات:
تتعاون الدول حيث تتقاطع المصالح، وتنسق حيث تتقاطع المخاطر، وتبني شبكات معرفية واقتصادية وثقافية حيث تتوافر فرص التعاون.
عندها لا يصبح الدين هو النظام، ولا يصبح النظام دينيًا.
بل يصبح الدين أحد موارد المجال العربي الجديد.
وهذه نقطة مختلفة جذريًا عن مشاريع الوحدة القديمة.
فالقوة العربية المستقبلية لن تأتي من عنصر واحد.
لا الدين وحده.
ولا اللغة وحدها.
ولا الجغرافيا وحدها.
ولا الاقتصاد وحده.
ولا الجيش وحده.
بل من قدرة هذه العناصر على العمل داخل شبكة واحدة من المصالح والمؤسسات والقواعد.
المفارقة أن الدين لم يتراجع فعلًا من الشرق الأوسط.
كلما ضعفت الدولة، عاد الدين إلى المجال العام.
وكلما اهتزت الشرعية، استعادت الهوية الدينية قدرتها على التعبئة.
وكلما احتاجت القوى الإقليمية إلى أدوات نفوذ عابرة للحدود، أصبحت الهويات الدينية والمذهبية أكثر قابلية للتوظيف.
الذي غاب ليس الدين.
الذي غاب هو المشروع العربي القادر على تنظيم حضوره.
ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي:
لماذا اختفى الدين؟
بل:
لماذا بقي الدين حاضرًا، بينما غابت القدرة العربية على تنظيم هذا الحضور؟
ربما لم يفقد العرب أقوى رابطة تجمعهم.
ربما فقدوا فقط الآلية التي تحول هذه الرابطة إلى قوة.
وهنا يكمن الفارق بين الهوية والنظام، وبين الانتماء والقدرة.
فالشرق الأوسط الذي يتشكل لن ينتظر العرب كي يتفقوا على تعريف أنفسهم.
إسرائيل تعيد بناء تصوراتها الأمنية.
إيران تطور شبكاتها.
تركيا توسع مجالها.
والقوى الدولية تعيد توزيع مصالحها.
وفي وسط هذا كله، لا يكفي أن يمتلك العرب تاريخًا مشتركًا، أو دينًا مشتركًا، أو لغة مشتركة.
العناصر لا تصنع القوة وحدها.
القوة تبدأ عندما تتحول العناصر المشتركة إلى مؤسسات، ومصالح، وقواعد، وقدرة على الفعل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لمستقبل النظام العربي ليس:
هل يستطيع الدين أن يعيد العرب إلى بعضهم؟
بل:
هل يستطيع العرب أن يعيدوا بناء علاقتهم بالدين باعتباره عنصرًا من عناصر القوة المشتركة، لا ساحة للصراع على السلطة والشرعية؟
إذا استطاعوا ذلك، فقد يصبح الدين جزءًا من إعادة بناء المجال العربي.
وإذا عجزوا، فسيبقى الدين حاضرًا في المنطقة، لكن الآخرين سيواصلون استخدام حضوره داخل مشاريعهم الخاصة.
فالمعركة المقبلة ليست فقط على من يملك الشرق الأوسط.
إنها أيضًا على من يملك القدرة على تعريفه.
والعرب، إذا أرادوا أن يكونوا طرفًا في المستقبل لا مجرد موضوع له، لن يكفيهم أن يتذكروا ما يجمعهم.
عليهم أن يتعلموا أخيرًا كيف يحولون ما يجمعهم إلى قوة. عرض أقل