رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:مسيح البنتاغون

مشهد جلوس ترامب في وضعية” خشوع” ممسرح وحوله مجموعة من القادة الدينيين يضعون أيديهم عليه ويصلون لا يظهره كرئيس دولة بل كقائد مقدس مختار بحيث تصبح معارضته معارضة دينية وكفراً وينقل الصراع من حقل السياسة الى حقل التدين بما يجعل الصلح مع” الشيطان” مستحيلاً والخيار الوحيد هو السحق التام.
اليمين الانجيلي حول الرئيس أصحاب نبوءات توراتية وهم يمنحون قراراته صفة دينية لا تقبل الخطأ ، من غير المعقول أن يكون الرب خاطئاً؟ كيف نسي النظام الامريكي قضية فصل الدين عن الدولة لكي يقبل بظهور الرئيس وحوله حوارييه وربما كان عددهم الـــــــــــ 12؟
يمكن فهم هذا المشهد ليس كصراع في مواجهة” الخطر الاسلامي” فحسب بل في مواجهة” الخطر الليبرالي” أيضاً. عادة كل حروب الفاشية تبرر بهذا العنوان: مواجهة خطر وتنتقل الرأسمالية في ثياب تنكرية لممارسة طقوس دينية لانها فشلت في العثور على ما يعرف بــــــــــ” مفهوم القضية” في كل حرب كالدفاع عن الوطن، أو الشرف، أو الأرض والخ لكي يتحمل الجنود مشاق الحرب او حتى الجرح والموت.
عندما تتحول الحرب من صراع سياسي مسلح على برنامج نووي وصواريخ الى صراع مقدس بين ملائكة وشياطين، يصبح التفاوض مستحيلاً لأن الطرف الآخر له أيضاً معتقداته الدينية وحرب من هذا النوع تتجاوز حرب شرق وغرب أو صراع حضارات الى صراع اصوليات وكما في الاصولية المسيحية: الخير المطلق في مواجهة الشر المطلق.
لم يستطع ترامب أمس الاجابة على سؤال وهو في الطائرة لاستقبال جثث الجنود، من قصف المدارس وقتل الأطفال؟
كيف يمكن للمسيح المخلص أن يفعل ذلك لكن وزير دفاعه ـــــــــــــ وهو مقدم برامج سابق في محطة تلفزة ـــــــــــــ أنقذ الموقف وقال:” إيران فعلت ذلك” والتقطها ترامب مضيفاً” اسلحتهم غير دقيقة”.
ترامب نسخة في حالات كثيرة من طغاة العالم العربي الذين يحيطون أنفسهم بقادة أغبياء وحمقى كحراس ومنفذي أوامر لكن يتم التعامل معهم كعباقرة لكي يقعوا في وهم انهم يقودون معركة لكنهم في الحقيقة أدوات أهداف لا يعرفون أبعادها.
في تحليل الروائي وعالم اللسانيات أمبرتو إيكو عن حرب الخليج الثانية عام 1990 التي وصفها بحرب ” التلفزيون المزيفة” حيث تم اخفاء الحقيقة وتقديم نسخة منقحة من” حرب نظيفة” يقول إن الدول الكبرى عندما تفشل في العثور على تبرير قانوني أو سياسي أو أخلاقي للحرب تلجأ الى” بناء عدو شيطاني” مما يجعل كل الافعال الحربية ضده مبررة.
لا تصبح حرباً من أجل نصر عسكري بل عملية تطهير للعالم حسب الانجيليين حول ترامب بحيث تظهر الحرب العبثية وكأنها حرب ملحمية تاريخية وليست حرب ترامب ونتنياهو وتلخص هذه الرؤيا الدينية عبارة ترامب المكررة” سيكون العالم أكثر أمناً” اي انها حرب من اجل البشرية.
عندما نقل ترامب الصراع الى هذا المستوى من الصراع، أي حرب اقتلاع، لم يكن يعرف ان الوجه الآخر لقانون الاقتلاع هو قانون التشبث ــــــــ حتى في العواصف الطبيعية تتشبث الاشجار بالجذور ـــــــــ مما يحول الصراع السياسي حول ملفات السلاح والمفاعل النووي، الى صراع أصوليات بين شعارات حماية الحضارة المسيحية اليهودية وبين شعارات حماية المستضعفين، بين محور الشر وبين الشيطان الأكبر. النتيجة؟
إن مسيح البنتاغون وصلاة رهبان وقساوسة ترامب سيعجل بظهور المهدي كطاقة حشد وتعبئة. إيران تحتاج الى” دجال” كضريبة لانتظار المخلص كما ان أمريكا بحاجة الى ” شيطان” لتبرر حربها.
لكن التاريخ الحديث اخبرنا ان كل” الحروب المقدسة” انتهت بالجلوس إلى طاولة المفاوضات ولم يعد هناك ملائكة وشياطين بل عبارة عن لجان تفاوض في صالة مرفهة وفناجين قهوة وباقات زهور بعد نزع المقدس عن الصراع والانتقال الى ملفات السياسة الرمادية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى