
يمثل انتخاب مجلس خبراء القيادة لمجتبى نجل المرشد خامنئى مرشدا أعلى جديدا خيارا تكتيكيا مفهوما فى السياق الحالى. فهو أولا رسالة واضحة عن استمرارية الدولة وصمود النظام ووجود رغبة فى الانتقام الشخصى والعقيدى والمؤسسى لدى المرشد الجديد حيال الدول المعتدية على إيران، والتى اغتالت والده الراحل. كما إنه يعكس رغبة المؤسستين الدينية والثورية النافذتين فى رص الصفوف فى إدارة الدولة. وفى الوقت نفسه يكرس اتجاها أكثر تشددا فى المواقف، ويعزز منطق العودة إلى الأمننة القصوى.
غير أن لهذا الاختيار وجها براجماتيا واضحا كذلك. ففى ظل حرب عدوانية قاسية وضغوط داخلية وخارجية متزايدة، قد يكون مجتبى خامنئى -بشرعيته الدستورية-الدينية وشرعيته كولى دم “المرشد الأعلى الشهيد” الشخصية الوحيدة القادرة على تحمل مسؤولية الدخول فى عملية تفاوضية تجرى تحت ظلال القنابل، وتقديم التنازلات بهدف وقف النزيف الإيرانى الكبير. كما قد يكون الوحيد القادر سياسيا على إعلان ما يشبه “تجرع كأس السم”، أى اتخاذ قرار إنهاء الحرب (أى الاستسلام، ولكن بصيغة تحفظ بعض ماء الوجه) من الجانب الإيرانى إذا بلغت الخسائر الإيرانية حدا لا يمكن تحمله، وذلك حفاظا على الدولة وسلامة المجتمع، واستمرارية النظام بطبيعة الحال.
ومع ذلك، يبقى اختيار مجتبى خامنئي كمرشد خيارا سيئا من منظور استراتيجى طويل المدى. فهو يضرب أحد الأسس الفكرية والدستورية التى قام عليها نظام ولاية الفقيه.، حيث تأسست الجمهورية الإسلامية فى جزء مهم من شرعيتها على رفض نظام التوريث السياسى الذى عرفته الإمبراطورية الإيرانية عبر تاريخها. انتقال القيادة من خامنئي الأب إلى خامنئي الابن يعيد إحياء هذا المنطق بصورة أو بأخرى، حتى لو تم عبر مؤسسات رسمية.
يذكرنا هذا التطور بأن الدول، حتى عندما تتبنى مشروعات ثورية تسعى إلى القطيعة مع الماضى وإعادة تشكيل توازنات الداخل والخارج، تبقى فى كثير من الأحيان أسيرة لتراثها وثقافتها السياسية التاريخية العميقة. وغالبا ما تعود الأنماط القديمة إلى الظهور بعد فترة، ولو فى أشكال جزئية أو معدلة، لا سيما فى ظروف شعور الحكم بخطر الزوال. وربما يكون تغيير الثقافة السياسية لدولة عريقة عملية طويلة ومعقدة لا تبدأ ملامحها فى الظهور إلا بعد عقود وربما قرون من التفاعلات والتحولات والصراعات.